العودة   مجتمع ريلاكس | للحياة نكهتنا الخاصه َ > •»|[ رِحلہْ لِصَفآء آلذِهنْ وِ الرُوِحْ ]|«• > قصص - روآيات - قصص ؤآقعيةة - قصص خيآليةة




المواضيع الجديدة في قصص - روآيات - قصص ؤآقعيةة - قصص خيآليةة


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1 (permalink)  
قديم 12-15-2015
الصورة الرمزية سعوطآليي
سعوطآليي
 الأوسمة و الجوائز
 آخر مواضيعي
 بينات الاتصال بالعضو
 SMS : || الجنون هو فعل نفس الشيئ مرارا وتكرارا وتوقع نتائج مختلفة
 My MMS
1
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل : Nov 2012
 الجنس : man
 الدولة : السعوديه
 المشاركات : المشاركات 33,382 [ + ]
  : 8
  : canon
  : A.C Milan
  : Osn
facebook  flickr  twitter  youtube

سعوطآليي غير متواجد حالياً
افتراضي رواية طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب الرواية المرشحة لجائزة نوبل للأدب 2016


روايـــــــــــــــــــــــــــــة
طفل الشيطان
تحت مسمى الإرهاب

الرواية المرشحة للحصول على جائزة نوبل للأدب 2016

الجزء الأول كاملا ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سونيا لوفير راقصة الملهى الليلي الكائن في أطراف المدينة التي تسمى "مدينة الحب" وهي مدينة شاعرية يتكلم جميع سكانها بلغة المشاعر والأحاسيس. وقد قيل أن هذه المدينة لا يعرف ليلها من نهارها، فهي شاغلة بالحياة والحيوية في الليل اكثر من النهار. يسودها الوئام والفكر العاطفي، وتشتعل اضواؤها بنور المحبة السلام.

لقد عرف في اطراف هذه المدينة ملهى ليلي يضج بالغناء والمعزوفات الموسيقية الصاخبة، وبعض من الطقوس الغريبة التي تمثل العلاقات ال***** بصورة تثير الإستغراب والتشويق للمتابعة. فهذا الملهى لا يخلو أبدا من الجمهور الكبير، والذي يكون فية العنصر النسائي اكثر من الرجال.

هذا الملهى يتكون من ثلاثة طوابق بمساحة كبيرة، كل طابق يحتوي على صالون كبير مفتوح ومنصة رخامية للعرض وبار يختلف في المشروبات الروحانية التي بقدمها عن الطابق الذي يسبقه أو يليه، وثلاث حجر صغيرة غير متساوية الحجم، إلى جانب ذلك الحمام. والحمام بتصميمه يختلف من حيث الحجم والشكل ما بين طابق وأخر. ففي الطابق الأول هناك حمامين، واحد للعنصر الرجالي والآخر للعنصر النسائي، كما أن حمام النساء في الطابق الأول منفصل عن حمام الرجال ولا يجاورة كما هو متعارف عليه في تصميم المباني للملاهي الليلية. أضف لهذا أن حمام الرجال كبير قليلا في الحجم من حمام النساء بالرغم من أن أكثر رواد هذا الطابق هن من العنصر النسائي.
أما الطابق الثاني فكان حمام النساء فيه أكبر وأوسع من حمام الرجال برغم ان الطابق الثاني أكثر رواده العنصر الرجالي بعكس الطابق الاول، والحمامين متجاورين حيث تجد مدخلهما ملتسقاين، ولا يفصل بينهم ألا الحائط ذا سماكة اسمنتية لا تتجاوز العشرة سانتمترات. أما الطابق الثالث فلم يحوي غير حمام واحد فقط بشكل حلزوني متداخل ذا إنارة ملونة وقوية وهو مشترك ما بين النساء والرجال.

كما وأن الإضاءة في هذا الملهى تختلف تماما من طابق إلى آخر. فإضاءة الطابق الأول ضعيفة جدا، أما الطابق الثاني فالإضاءة فيه قوية جدا وكثيرة الألوان، و الطابق الثالث فالإضاءة فيه إعتمدت على ضوء الشموع. ناهيك عن الموسيقى التي تختلف أيضا ما بين الطوابق الثلاثة. ففي الطابق الأول الموسيقة صاخبة جدا ومرتفعة و تضج بالفوضى، أما الطابق الثاني فهو متنوع الموسيقى ما بين الصاخبة أحيانا، والهادئة في إحيان أخرى، و هناك بعض الأيام لا تسمع فيها أي موسيقى في هذا الطابق. لكن في الطابق الثالث تجد الموسيقى الصاخبة لكنها بصوت منخفض جدا .

أما المنصة الرخامية للعرض، فهي متساوية ما بين الطابق الأول و الثالث، وتختلف تماما في الطابق الثاني. فالمنصة في الطابق الأول والثالث، تكون منبسطة بعض الشيء، وذات قوائم حديدية ثلاث، إثنان منها في المقدمة يحملان حرف (x) باللغة الانجليزية فيما بينها. و تجد على تلك القوائم ثلاثة أقنعة حديدية تحمل صور مخلوقات غريبة. والمنصة تحمل ستارة خلفية من الحرير باللون الأحمر يفصلها من النصف خط أصفر شديد الوضوح. كما يوجد على هذه المنصة من الجهة اليسرى عمود رخامي واحد، وأربع درجات كبيرة بعض الشيء من الجهة اليمنى يتم من خلالها الصعود فوق خشبة هذه المنصة لتقديم العرض. أما ما يتوج هذه المنصة في الأعلى، صورة لفتاة عارية تبدو وكأنها تصرخ وتعني بصخب.

أما المنصة في الطابق الثاني فهي ذات شكل سداسي، صنع كل شيء فيها من الرخام الأحمر. فارتفاعها عن سطح الطابق هو درجتين صغيرتين فقط من الجهة اليسرى، بعكس المنصة في الطابق الأول و الثالث. كما وأنها حملت فوقها عمودين رخاميين وستارة خلفية تلف الثلاثة أجزاء الخلفية من المنصة السداسية، أي بشكل نصف دائرة مفتوحة للجميع. وهذه الستارة من الحرير باللون الأسود، لا يقطعها خط أصفر من النصف. ويتوج رأس هذه المنصة صورة لفتاة عارية ممددة على الأرض تبدو وكأنها تبكي.

أما الطقوس التي تقدم على الخشبة الرخامية لهذه المنصات فهي مختلفة ومتنوعة جدا، تختلف تماما ما بين كل طابق واخر. ففي الطابق الأول لا وجود لأية طقوس، إنما هو رقص وغناء، وموسيقة صاخبة تضج المبنى بأكمله. مع الأخذ بالإعتبار أنها تقدم ثلاثة عروض فقط في كل ليلة. العرض الأول يكون لمغني مشهور ومعروف، تصاحبه الموسيقى الصاخبة جدا تجعل الجميع يرقص ويصرخ معها. والعرض الثاني هو عرض بهلواني، إذ يصعد خمس رجال مقنعين لخشبة المسرح، وثلاث فتيات يلبسن الملابس الداخلية فقط، ومعصوب على أعينهن بوشاح يحمل اللون الأزرق. حيث يتم إنزالهن بحبل من الأعلى إلى المنصة بشكل لولبي. يصحبهم في النزول صوت موسيقى "الروك"، ليتم بعدها العرض البهلواني.

أما العرض الثالث فهو عرض الإثارة والتعري. إذ يتم تحضير ست فتيات حسناوات وجذابات للصعود على المنصة منفردات، ليقدمن عرضا للتعري بصورة رائعة وملفتة للنظر. وكل فتاة لها موسيقى صاخبة وخاصة بها.

أما الطابق الثالث تكاد لا تستعمل هذه المنصة إلا في أيام معينة ومحدودة، ولا تتم عليها أي عروض. فأغلب الأحيان يصعد اربعة رجال وأربع فتيات من الجمهور أو الزبائن للرقص فقط لبضع دقائق على الموسيقى الصاخبة الغير مرتفعة.

لكن الطابق الثاني فهو صاحب الطقوس التي تغزل بالروحانية بعض الشيء. فمن هذه الطقوس، أن فتاة تصعد إلى المنصة برداء أو معطف أسود يغطيها ككل. ومن ثم يلتفها ستة رجال لا يغطي جسدهم أي لباس. و يكونون منحني الظهر، بإتجاه الفتاة كرقم ستة. ثم تبدأ هذه الفتاة الجميلة بالتعري ونزع جميع ملابسها بإستثناء ما يغطي صدرها (نهداها). وبعد ذلك تقوم بنزع دبوس صغير من شعرها لتوخز به شاهد يدها اليسرى لينزل الدم، فتضع على ظهر كل رجل من الرجال الست نقطة واحده من دمها، ثم تنام على المنصة على هيئة فتاة ممددة على ساحل البحر وهي حزينة. ليبدأ الصراع ما بين هؤلاء الرجال بتمزيق أجسادهم بأظافرهم المدببة والكبيرة، والتي يتم إطالتها لهذا الطقس الروحاني كما هو معتقد لديهم. ونتيجة ذلك تسقط الدماء من كل مكان في الجسد، فأكثر من تغطيه الدماء وتتساقط منه يكون هو الأول والأجدر بحمل هذه الفتاة الحزينة وممارسة ال*** معها، أمام الجميع من جمهور وزبائن هذا الطابق دون ان يكشف عن صدرها (نهداها). وتبقى عملية ممارسة ال*** لفترة معينة، أي بمعنى آخر لحين أن تنهك قوى هذا الرجل تماما، ويوشك جسده على الإنتهاء نتيجة لنفاذ دمائه، فيسقط مغما عليه على الأرض بجانب تلك الفتاة. ولا ننسى في أثناء ذلك، أن الخمسة رجال الباقين يجب عليهم الإستمرار في إنهاك جسدهم بالجراح، وتمزيقه بأظافرهم. فبعد الإنتهاء من الرجل الأول تعود الفتاة حزينة من جديد. فيكون الرجل الثاني الأكثر جراحا ودماءا هو الأحق ليقوم بمثل ما قام به الرجل الأول بممارسة ال*** مع الفتاة دون أن يكشف عن صدرها (نهداها) أيضا امام الجميع، لحين أن تنهك قواه ويسقط ممددا بجانبها، لتعاود نفس الكرة مرة أخرى، بإختيار الرجل الثالث الأكثر دماءا، حتى الوصول إلى آخر رجل كانت جراحه قد إلتأمت وتوقف نزيف دمه، حيث يقوم ذلك الرجل بسفك دماء هذه الفتاة .

ناهيك عن الطقوس الأشبه بطقوس العبادات الغريبة، وطريقة شرب المشروبات الروحانية، والوصول إلى حد الثمالة والهذيان. فكما ذكر سابقا بأن نوع المشروب المقدم في كل طابق يختلف عن الطابق الآخر. فالطابق الأول يقدم جميع أنواع المشروبات الروحانية، أما الطابق الثاني فمشروباته تكون ذات تخمير كبير ومركز بثلاثة أنواع فقط، أما الطابق الثالث فلا يقدم فيه إلا نوع واحد مختمر في كل ليلة، ولا يحق للزبون شرب أكثر من كأسين فقط.

أما مبنى هذا الملهى من الخارج فهو أشبه بالشكل الدائري ذو بوابة حديدة ضخمة، يقف بحراستها خمسة رجال أقوياء و ذو بنية جسدية عالية. هذا وإن المبنى لا يحتوي على أي شباك، ما عدا الشباك الوحيد الموجود في الطابق الثالث، والذي يطل على البحر. والطابق الثالث أشبه بصالة قمار كبيرة تضج بالمعاملات المالية.

عدد موظفي الملهى يبلغ (230) موظف وموظفة بدرجات مختلفة ومتباينة. وكانت من ضمنهم بالوساطة أو بالوكالة ، أو بالشكل المؤقت إن صح التعبير "سونيا" الفتاة البالغة من العمر 27 عاما. وهي فتاة ذكية ذات جمال باهت وبراعة في الإقناع. حيث أنها كانت ذات نشاط واسع وكبير في الملهى. لكنها غير معترف بها كموظفة رسمية، لذلك نجد أن عملها في جميع الطوابق الثلاث، هذا وأن عملها يختلف من طابق إلى آخر. ففي الطابق الأول هي راقصة وفتاة تعر بارعة. أما في الطابق الثاني فنجدها مقدمة للمشروبات الروحانية فقط، و مقيدة بلباس غريب بعض الشيء بخلاف ما هو متعارف عليه كزي لمقدم الكحول والمشروبات الروحانية، فهي ترتدي معطفا أسود، وهذا المعطف يغطي الجزء الأعلى من جسدها. أي بمعنى آخر هو قصير جدا يلفه نطاق أزرق تتخلله خطوط بيضاء وقبعة خضراء. كما على سونيا عدم التكلم مع أحد من الزبائن في هذا الطابق، فالحديث معهم يكون بالاشارة فقط. أما في الطابق الثالث فهي سيدة كاملة تظن عندما تنظر إليها للوهلة الاولى بأنها سيدة أعمال من الطبقة البرجوازية أو طبقة النبلاء. ويكون عملها ليس كموظفة، إنما زبونة دائمة على طاولة القمار.

سونيا هي طفلة الملجأ الذي دمرته الحرب، وشردت جميع أطفاله. لتربى عند صاحبة الملهى والتي كانت تحبها كثيرا، ولكنها لم تعينها كموظفة رسمية في الملهى، برغم أن سونيا هي الدجاجة التي تبيض لها كل يوم بيضة من ذهب. فكثيرون من رواد هذا الملهى من الشخصيات المعروفة، والتي لها وزنها ومكانتها الكبيرة، كانت تتردد على الملهى من أجل سونيا. فقد كانت اكثر فئة تقدم الإعجاب لسونيا هي الفئة المرموقة. إذ أن هذه الفئة تشغل الطابق الثالث في الملهى، وسونيا في الطابق الثالث تظهر بمظهر أكثر جمالا وبهاءا وإشراقة وإلتزام من مظهرها في الطابق الثاني والأول، لذلك فهي تحصد إعجاب هذه الفئة الباحثة عن المال والجمال في آن واحد.

سونيا فتاة جميلة جدا، فهي ذات وجه دائري أبيض، وعيون واسعة وقوام رشيق، لا يعتليها الطول ولا يلزمها القصر، شعرها شديد السواد ينحدر من رأسها إلى كتفاها وحتى أسفل ظهرها. تملك شامة في خدها الأيمن، وهي ما تجمل وجهها. غير متعلمة لكن الحياة هي من علمتها الكثير، فأختلاطها الواسع بالناس ساعدها كثيرا، فهي تمتلك أكثر من عشر لغات عالمية تعلمتها أثناء عملها في الملهى، وذلك لكون أن رواد هذا الملهى من مختلف الأجناس والأعراق. بارعة هي في فن المغازلة والمراوغة، قادرة على الإقناع. بشوشة الوجه دائما برغم أنها تحمل حقدا كبيرا على الحروب، وعلى والديها الذان لا تعرف عنهما شيئا أوحتى من يكونون.
.
سونيا لا تعطى راتب من صاحبة الملهى، بل هي من تدفع المال مقابل بقائها في الملهى، ومقابل ما بذلته صاحبة الملهى في تربيتها. فحين كبرت كان يتوجب على سونيا ترك بيت صاحبة الملهى والعيش لوحدها في بيت مجاور للملهى بعض الشيء .إذ كانت تسكن في عمارة مكونة من (55) طابق، سكنت هي في الطابق (13). وهي شقة متواضعة وجميلة بعض الشيء، علقت على جميع جدرانها صورا للحيوانات. فحينما كانت سونيا في الملجأ وهي صغيرة كانت كثيرا ما تطالع صور الحيونات معلقة على جدران الملجأ، لذلك بقيت تلك الصورة راسخة في عقلها لحين أن كبرت، فجعلت صور الحيوانات على جميع جدران منزلها. كما يحتوي منزلها على التماثيل المكسرة والمتآكلة بعض الشيء.

منزل سونيا يتكون من ثلاث غرف متوسطة الحجم، واحدة منها كانت غرفة نوم خاصة لسونيا، لا تسمح لأحد بدخولها، وأخرى فارغة بجانب غرفة النوم فرشت أرضها باوراق الجرائد، أضف الى ذلك قنديل زيت للإنارة، ومرآة على الحائط اليسار. والغرفة الثالثة بمثابة مكتب أو أنها غرفة لطفلها في المستقبل. بالإضافة إلى صالون كبير، ومطبخ مفتوح وشرفة تطل على البحر.

كانت سونيا كل ليلة بعد إنتهاء عملها، تصطحب رجلا مسؤولا من الطابق الثالث لممارسة ال*** معه بصورة غير مألوفة. فقد كان لها طقوس خاصة ومثيرة. إذ أن عملية الجماع يجب أن تتم على ضوء القنديل في الغرفة المجاورة لغرفة نومها الخاصة. وفي هذه الغرفة تفرش ورق الجرائد على الأرض، إذ كانت ممارس ال*** تتم فوقها. وقد كان يجب عليها تغيير اوراق الجرائد بعد كل عملية جماع.

عرف عن سونيا إلتزامها الشديد بالعمل، فقد حصدت ثروة جيدة أثناء عملها في الملهى، أضف إلى أن جمالها الفائق يمكنها من جذب أي رجل مهما كان. فعلاقاتها واسعة جدا وعلى وجه الخصوص علاقاتها ال*****، ومع ذلك فهي لا تقوم بأكثر من علاقة ***** واحدة مع نفس الرجل مهما كان، وهذا ما يجعل الرجال شديدي التعلق بها، وإعطاءها ما تريد مقابل قبلة او لمسة لجسدها الشفاف اليانع بالرشاقة والحيوية.

سونيا لم تكن تتعاطى المشروبات الروحانية (الكحول) على الإطلاق في الملهى، ولا ترغبها أبدا، لكنها كانت تشرب كأسا واحدا فقط قبل عملية الجماع أو العلاقة ال*****، التي كانت تتم في منزلها وعلى أوراق الجرائد. أضف إلى أن قلب سونيا لم يشغف بحب أي رجل من الرجال الذين كانت تمارس معهم ال***، وأن عملية ال*** كانت لإفضاء الرغبة فقط معهم بطريقة مميزة ومثيرة كما هي تعتقد. ومع ذلك فإن هناك ما يثير الإستغراب في هذه العلاقة التي كانت تتم بأجواء خاصة ومميزة. فبعد إنتهاء كل علاقة ***** تقيمها سونيا، كانت تسمع صوت طفل صغير يصرخ، وتراه على المرآة. أضف إلى ذلك أن الرجل الذي يكون معها، يلاحظ هذا أيضا، ولكنه كان يأخذه من طابع السكر والثمالة. ولعل هذا هو السبب الذي يدفع سونيا لعدم إصطحاب هذا الرجل مرة أخرى للمارسة ال*** معه.

لم يكن لسونيا أي فكر سياسي أو تتدخلات سياسية على الاطلاق. وهي تكره السياسة، لكن طبيعة عملها في الملهى وفي الطابق الثالث تحديدا، جعلتها ذات إنمام سياسي كبير، لكون أن أكثر رواد هذا الطابق هم من المسؤولين السياسيين، ورجال الأعمال و المافيا وتجار السلاح، و ذو العلاقة المباشرة في السياسة. كما وأن أكثر هؤلاء الرجال كانوا يطلعون سونيا على بعض أسرارهم السياسية، وإعتبارها أمينة على هذه الأسرار. وهذا فعلا ما تقوم به سونيا، إذ بذلك حملت ثقافة سياسية واسعة جراء ذلك، لدرجة أنها أصبحت تتنبأ بحدوث الكوارث السياسية قبل حدوثها. وهذا التنبؤ لم يكن يبنى على الخيال أو العالم الروحاني، إنما كان على واقع نتيجة علاقاتها الواسعة مع المسؤولين ورجال الأعمال و المافيا وتجار السلاح، و الذين كانوا يترددون على الملهى بشكل مستمر.
تقول سونيا "أن الحياة دون فوضى غير ممتعة"، لذلك فهي تعشق مكان عملها الذي يضج بالفوضى، فعملها يبدأ في المساء، لذلك هي ترى القمر أكثر من الشمس، و تسعد بقدوم الليل وتسكن أجنابها الراحة حينما يعم الظلام الدامس.

عرف عن سونيا بأن ليس لها أي علاقات عاطفية، وأنها لا تؤمن بقصص الحب ودهاليزه. فعلاقاتها ب*** آدم لاتتجاوز المصالح المالية والعلاقات ال*****. فبرغم أن الكثيرون وقعوا في حبها، إلا أنها لم تكن تبالي، فهناك رجل وسيم جدا كان يلاحقها دائما، وكان شديد الوله بها. فقد كان يتردد بشكل دائم على الملهى من أجلها، وقد عرض عليها الزواج والإرتباط كثيرا لكنها رفضت ذلك، وبشدة. لكنه بقي على حبها ولم يتوقف أبدا عن ملاحقتها، إلى حين يوم إعترض طريقها رجل حاول مضايقتها ومعاكستها، وكان هذا الشاب الوسيم الذي إسمه "أدور" يراقبها كما كان معتادا كل يوم. فوقف "أدور" لمنع ذلك الرجل من مضايقة سونيا، وقد دب شجار كبير بينهما، فقام "أدور" بلكرم ذلك الرجل ليسقط بعد ذلك على الأرض وقد فارق الحياة، ليقبض على "أدور" بتهمة القتل فإستدعوا سونيا للشهادة بما قد حدث، فتشهد سونيا ضد "أدور" فتقول بأنه قام بقتل الرجل عامدا متعمدا. ويحكم بعدها على "أدور" بالسجن لمدة خمس عشرة عاما، بسبب المعشوقة الظالمة سونيا مما يثير في قلبه نار الإنتقام والحقد.

كان من أحد شعارات سونيا (حتى تعيش يجب عليك أن تكون ظالما وقاسيا مع الجميع، وخصوصا مع من يحبونك). و "حتى تسود يجب أن تنكر حقيقة الضمير الذي هو مدفون من الأصل، ولا علاقة له بواقع الإنسان ومعاملاته" حسب اعتقاد سونيا.

بقي هذا أسلوب سونيا بالحياة وشعارها، إلى حين وقوعها بشباك العشق والغرام، و تقلب حياتها رأسا على عقب. تقع سونيا بحب رجل مسؤول و ذو مركز كبير ومال، كان يتردد كثيرا على الملهى في الطابق الثالث فقط، من أجل اللعب على طاولة القمار، حيث كان لا يخسر أبدا. وهو شاب يقارب في العمر الثلاث والثلاثون عاما، وسيم جدا، وله قدرة عالية على التعامل مع الآخرين، بالرغم من أنه قليل الكلام. كما يبدو على وجهه ملامح الهدوء والشاعرية و كان يسمى "رود".

وقعت سونيا في حبه من خلال نوع "البرفان" الذي يضعه، فقد كانت رائحة البرفان تلفت إنتباه الجميع وخصوصا سونيا. حيث كانت كثيرا ما تحب الجلوس بجواره لتشتم رائحة برفانه.

تطور هذا الموضوع إلى أكثر من ذلك، فحينما تعود إلى البيت وبينما هي على سريرها، كانت وكأنها تشتم رائحة البرفان، مما أشغل فكرها وتفكيرها، فاليوم الذي لا يأتي به إلى الملهى تشعر وكأن الملهى تنبعث منه رائحة كريهة.


ما يثير الدهشة أن هذا الشاب الوسيم رود، و برغم جمال سونيا و ولع جميع الرجال بها، وتعلقهم بجمالها وجاذبيتها، لم يكن يعر لسونيا أي إهتمام، وهذا ما جعل سونيا تتعلق به إكثر وأكثر، وتحاول لفت إنتباهه إكثر من مرة لها. و لكن دون جدوى، حيث أن رود كان يعتبر الملهى مكانا لجلب المال، ومن فيه يقدمون المال له على طبق من ذهب، بما فيهم سونيا نفسها.

لم توجد طريقة للفت إنتباه رود، إلا وقد عملت بها سونيا و لكن دون جدوى. إذ حاولت إصطحابه إلى البيت لكنه كان يرفض ذلك، ولم يعرها أي إهتمام. وقد كان في إعتقاد سونيا أن الرجال صنف واحد، وأنه يمكن السيطرة عليه من الناحية ال*****. فكانت كثيرا ما تقلل من لباسها وتكشف عن عورتها له، لكنه لم يلاحظ ذلك مطلقا، فأدركت أنه يجب أن يرى جسدها كاملا حتى تتم الإثارة ال*****، ولكن كيف ذلك؟

رود لم يكن ينزل إلى الطابق الأول ولا الثاني مطلقا. ففي الطابق الأول يكون طبيعة عملها فتاة تعري، أما في الطابق الثالث فهي سيدة أعمال ذات إتكيت وكأنها من الطبقة البرجوازية.

كان يجب عليها أن تفعل شيئا من أجل إنزاله إلى الطابق الاول، ليراها في حلقة تعري، فتجذب إنتباهه ***يا، ولكن كيف أيضا؟ فهو لا يعير لها أي إهتمام مطلقا.
كان لرود صديقا قليلا ما يرافقه إلى الملهى، وكان هذا الصديق مولع بالنساء وكان يدعى بــ "روك". فأدركت سونيا أنه السبيل الوحيد لإقناع رود لينزل إلى الطابق الأول، فحاولت التعرف عليه وإغراؤه بالنساء. إذ في أحد الأيام طلبت منه إصطحاب رود إلى الطابق الأول، لكن روك أخبرها أنه من المستحيل لرود النزول إلى هذا الطابق مباشرة، لذلك حاول أن يبدأ السلم من الأعلى إلى الأسفل، فحاول إقناعه بالنزول إلى الطابق الثاني للإطلاع على ما يدور فيه.

بالفعل إقتنع رود ونزل إلى الطابق الثاني، وفي هذا اليوم بالذات لم تتقيد صونيا بلباس الطابق الثاني، والذي هو معطف قصير يلفه نطاق أزرق تتخلله خطوط بيضاء، إذ لبست معطف أبيض شفاف بنطاق أحمر ولكن رود لم يراها مطلقا ولم يعرفها، برغم أن سونيا حاولت أن تجعله يتعرف عليها، وتكلمت أكثر من مرة معه رغم أنه لا يسمح لها بالكلام مطلقا مع الزبائن في الطابق الثاني. وأيضا لم يعرفها رود.

لقد أخفقت سونيا أيضا فلا بد أن ينزل رود إلى الطابق الأول لكي يرى جسدها، فيقع في حبها كما كانت تعتقد. فعرضت على صديقه روك إقناعه بذلك. وبعد عدة محاولات من روك تمكن أخيرا من إقناعه بالنزول إلى الطابق الاول.

وبالفعل ينزل رود إلى الطابق الأول وكانت هذه الليلة ليلة الإثارة والمتعة. فقد لبست سونيا أجمل لباس للتعري، حيث بدت كما القمر، تقدم عرضا مذهلا جدا شد الجميع من الحضور لها. فجميع من كان موجودا من الجمهور أشاد بعرضها الرائع والمذهل، لكن للأسف خاب أملها، فقد كان رود و كأنه لم يراها ولم يعرفها على الإطلاق. ولم يعر أي إهتمام لحسنها، بل كان كل إهتمامه لأسلوب العرض وجماله.

ساء هذا سونيا كثيرا، وشعرت بخيبة أمل كبيرة لدرجة أنها بقيت يومان وهي مريضة في البيت. ولكن و بعد كل هذا تلعب الصدفة دورها، ففي أثناء ذهابها إلى الملهى في اليوم الثالث، وبعد إنتهاء إجازتها، وقد كانت متأخرة عن موعد عملها، و في لحظة وصولها إلى الملهى يكون رود قد وصل، وينزل من سيارته الخاصة التي كانت تقله إلى الملهى. وفي أثناء ما كانت سونيا مسرعة إذا وبرود ينظر لها بنظرة غريبة لم تنتبه سونيا له حين ذاك، فقد كان همها أن لا تتأخر أكثر عن موعد دوامها في الملهى، وبينما هي مسرعة يسقط شالها الأسود دون أن تنتبه له. ليلتقطه رود مناديا عليها لكن سونيا لم تسمع أي نداء.

بقي رود واقفا مكانه يصحبه تفكير كبير جدا. فما حدث الآن أمامه قد حدث مسبقا وينفس الأسلوب والمنظر، ولكن أين؟ ومتى؟ وكيف؟ لم يتذكر شيئا. ولكنه شعر بأنه يعرف هذه الفتاة جيدا.

لحق رود بسونيا على الفور من أجل أن يعطيها شالها الأسود، ومن أجل أن يتعرف عليها. حاول رود التمعن بالشال جيدا ليدرك أن هذه الفتاة لابد أن تكون من رواد الطابق الثاني، إذ أن الشال هو من يدل على ذلك. لذلك إتجه إلى الطابق الثاني في الملهى، وحاول البحث عنها. وفي هذا الوقت يكون عمل سونيا في الطابق الثالث وليس في الطابق الثاني.

يستمر رود في البحث عن صاحبة الشال الأسود في الطابق الثاني، لكن دون جدوى، ولم يعثر عليها. فأدرك حينها أنها لابد أن تكون من رواد الطابق الأول، فنزل إلى الطابق الأول يبحث بين الجمهور الكبير من النساء عن صاحبة الشال.

كانت سونيا مستاءة جدا تلك الليلة، لكونها لم تحظى برؤيته هذه الليلة. ولكن مهلا سونيا إشتمت رائحة برفانه قبل دخولها، ولكن ظنت سونيا حينها أنها وصلت حد الهلوسة بهذا الشاب.

ينتهي عمل سونيا في الطابق الثالث، ويجب عليها أن تنزل إلى الطابق الثاني كي تباشر عملها فيه. كانت محبطة ومستاءة جدا لعدم تمكنها من أن تحظى برؤيته. كان شعورا غريبا ومحزنا، ولكن حينما نزلت إلى الطابق الثاني، كانت وكأنها تشتم رائحة برفانه ما بين الجمهور، هي تشعر بوجوده لكنها غير مؤمنة بذلك.

أمضى رود ساعات طويلة وهو يبحث عن صاحبة الشال في الطابق الأول، لكن دون جدوى. حتى قال في نفسه لا بد من أن يجدها في الطابق الثالث، ليتجه حينها إلى الطابق الثالث.
في ذلك الوقت ينتهي عمل سونيا في الطابق الثاني لتنزل إلى الطابق الأول، وفي حين نزولها تشتم رائحة البرفان أكثر فأكثر. وأن هذا دليل على وجوده، ولكنها إستبعدت هذا الأمر مطلقا، لكون أن رود المعشوق لا يزور الطابق الأول على الاطلاق.

بحث رود عن سونيا في الطابق الثالث كثيرا، لكن لم يجد لها أي أثر، مما أدى لإصابته بخيبة أمل، فترك الشال على طاولة القمار وذهب وهو يفكر من هي الفتاة صاحبة الشال الأسود.

تعود سونيا بعد إنتهائها من عملها في الطابق الأول إلى الطابق الثالث، لتعطي صاحبة الملهى المال مقابل عملها تلك الليلة، كما كانت معتادة دائما. فتجد شالها ملقا على طاولة القمار، إستغربت كثيرا ولكنها ظنت أنها قد نسيته هنا. فأخذت الشال، ولكن مهلا الشال يمتلئ برائحة برفان رود وبشكل قوي. تشتتت فكر سونيا، إذ بدت لا تفهم شيئا لتغادر الملهى على الفور. وحين وصل رود إلى سيارته تذكر الشال وأنه قد نسيه في الطابق الثالث على طاولة القمار، لذلك عاد مسرعا لكي يأخذ الشال، وعلى درج الملهى إلتقى رود بسونيا، فحاولت سونيا إعتراض طريقه وهي تلبس الشال الأسود ذاته، لكنه لم ينتبه لها أو للشال مطلقا.

فرحت سونيا لكونها رأته، وتابعت خروجها عائدة إلى المنزل. وصل رود إلى نفس الطاولة لكنه لم يجد الشال، سأل الجميع عنه وبحث في كل مكان لكنه لم يعثر عليه، فظن أنه فقد الشال وفقد صاحبته التي شغلت فكره وتفكيره.
في اليوم التالي أتى رود إلى الملهى، ليس للعب كما كان معتادا في كل مرة، وإنما للبحث عن تلك الفتاة. وكانت سونيا في ذلك الوقت قد بدأت عملها كالمعتاد في الطابق الثالث، وكانت ترتدي الشال الأسود ذاته على فستان يلفت الأنتباه إليها بصورة غير طبيعية. وجلست بقرب رود تستمتع برائحة برفانه، وقد حاولت الحديث معه أكثر من مرة، ولكنه كان شارد الذهن يفكر بالفتاة صاحبة الشال، وكان وكأنه لم يرى سونيا ولم يرى الشال الأسود الذي كان على كتفيها.

لم يمكث رود كثيرا في الطابق الثالث، حتى نزل إلى الطابق الثاني باحثا عن صاحبة الشال هناك. أمضى رود الكثير من الوقت تلك الليلة في الطابق الثاني، إلى حين وقت نزول سوفيا إلى عملها اللاحق في الطابق الثاني.

لبست سونيا لباس الطابق الثاني الخاص، وحضرت نفسها، ولكنها خافت أن تنسى الشال كما حدث معها ليلة البارحة، فقررت أن تلبس الشال الأسود، كما وأن الشال يعبق برائحة برفان رود، لذلك هي لا تريد أن تفقده.

باشرت سونيا عملها، وفي أثناء ذلك كانت تشتم رائحة البرفان بقوة، لتدرك أنه موجود في الطابق ذاته، لكنها لم تراه، كما وأن رود لا يتردد على هذا الطابق، فظنت أن رائحة البرفان تنبعث من شالها، وتتشبث به كلما طال الوقت. وهي بذلك سعيدة جدا.

يترك رود الطابق الثاني بعد أن أدرك أنه لا وجود لتلك الفتاة فيه، لينزل إلى الطابق الأول وهو يبحث عنها، ولكن كانت ملامح تلك الفتاة قد تلاشت من ذاكرته نهائيا، والشال فقده. لذا هو يبحث عن فتاة لا يعرفها. لذلك عاد إلى البار في الطابق الأول كي يشرب بعض الكحول. والطابق الأول كما هو معروف تقدم فيه جميع أنواع الكحول، و رود لم يعتد على الشرب إلا بكميات محدودة، ومن أنواع معينة في الطابق الثالث. ولكن حيرته وإنشغاله بالتفكير بالبحث الطويل حط من عزيمته، ليتعاطى الكحول بطريقة غير طبيعية و يصل إلى حد الثمالة.

ينتهي عمل سونيا في الطابق الثاني لتنزل إلى الطابق الأول، وفي أثناء ذلك يغمى على رود لكثرة إسرافه في تناول الكحول. ليتم نقله إلى المستشفى .

باشرت سونيا عملها في الطابق الأول، وكانت رائحة البرفان قد ملأت المكان بأكمله. أصيبت سونيا بالهلوسة، فقدمت عرضا واحدا ليلتها، لتلجأ بعد ذلك إلى تناول الكحول حتى تتخلص من هذه الهلوسة برود. أفرطت هي أيضا بتناول الكحول، لكن ليس لحد الثمالة، لتترك الملهى في حينها دون حتى أن تعطي المال لصاحبة الملهى مقابل عملها كما كانت معتاده.

عادت إلى البيت لفورها، ولكنها نسيت شالها الأسود على طاولة البار. وفي اليوم الثاني أدرك رود بعد خروجه من المستشفى فقدانه لمحفظته في الطابق الأول في الملهى، فعاد إلى الملهى ليسأل عن محفظته، وحين سؤاله وبحثه عن محفظته، عثر بذاك الشال الأسود نفسه. ليفرح بذلك لدرجة أنه نسي موضوع محفظته والبحث عنها.

أخذ رود الشال وأخذ ينتظر المساء بفارغ الصبر، حتى يبحث عن صاحبته. تلك الفتاة التي أخذت كثيرا من تفكيره. كانت سونيا في تلك الليلة قد أخذت إجازة من صاحبة الملهى، لترتاح بها أعصابها وتسكن هواجسها.

حينما أقبل المساء كان رود يتجه إلى الملهى، تملؤه روح الفرح. وحين وصوله قرر البحث عنها من الطابق الثالث وحتى الطابق الأول، ولكن كيف يبحث! فهو كان قد نسي معالم وجهها، لذلك فكر بإصطناع خطة للبحث عن صاحبة الشال الأسود. فوقف على المنصة الرخامية للعرض يقول: "مكافأة مالية كبيرة لصاحبة هذا الشال"، ولكن في الطابق الثالث لم يعيره أحد من الموجودين أي إهتمام، وجعل يردد ذلك أكثر من مرة، و لكن دون جدوى. فأدرك حينها أن لا وجود لها في هذا الطابق.

ترك رود الطابق الثالث لينزل إلى الطابق الثاني، وبدأ بستعمل نفس الطريقة ولكن بإسلوب مختلف. إذ صعد إلى المنصة الرخامية السداسية الشكل، الموجوده في الطابق الثاني وهو يمسك الشال الأسود بيده، ويقول: "هناك جائزة مالية مجزية لمن يعرف صاحبة هذا الشال"، فوجد الجميع قد أصبح يتنبأ، وأن هذه الجائزة ستحدث كارثة في هذا الطابق، إذا لم يعرف من يعرف صاحبة هذا الشال المجهول المقامة عليه هذه الجائزة الضخمة، لذا إلتزم الجميع الصمت والتفكير.

أدرك رود حينها أن لا وجود لصاحبة الشال أو من يعرفها في هذا الطابق أيضا، لذلك نزل إلى الطابق الأول، وصعد على منصته الرخامية ليفعل ما كان يفعله في الطابق الثالث والثاني. ولكن هنا عاد الى ما قد فعله في الطابق الثالث.

في هذا الوقت تكون سونيا قد إشتاقت لشم رائحة برفانه، فتذكرت الشال، وأخذت تفتش عنه في حجرتها لكنها لم تجده. فأدركت أنها قد نسيته في الطابق الأول من الملهى.

حينها قررت سونيا أن تذهب إلى الملهى كي تحضره، وبالفعل تذهب سونيا إلى الملهى. ليكون رود قد صعد على المنصة وهو يقول كما قال في الطابق الثالث: "مكافأة مالية كبيرة لصاحبة هذا الشال". إذا وبكل الحضور من النساء في الطابق الأول تقول: "أنا .. أنا .. أنا .." حينها قال في نفسه أنه من المستحيل أن يعثر عليها. فرمى الشال على طاولة البار في الطابق الأول وغادر الملهى.

في أثناء تحرك سيارته تكون سونيا قد دخلت الملهى لتبحث عن شالها، فتجده على طاولة البار. أخذت الشال وغادرت على الفور وفي الطريق جعلت تشتم رائحة البرفان وقد كانت تعبق بقوة في شالها.
قرر رود عدم الذهاب إلى الملهى مطلقا، وأن سبب كل ما هو فيه من هلوسة هو من جراء الذهاب المتكرر لهذا الملهى. وأنه إذا ما بقي على هذا الحال سيصاب بالجنون.

تستيقظ سونيا على جرس الباب، أحد موظفي الملهى بعثت به صاحبة الملهى تستدعي حضورها في هذا الوقت الباكر. إستغربت سونيا هذا، لكون أن صاحبة الملهى لم تطلب حضورها أبدا في النهار من قبل. كما وأن الملهى لا يفتح أبوابه إلا في المساء.

بدلت سونيا ملابسها وأنطلقت إلى الملهى على الفور، وحين وصولها إذ وبجميع موظفي الملهى موجودين، وإنه إجتماع عاجل من صاحبة الملهى.

كانت صاحبة الملهى لم تصل بعد، و جميع الموظفين لا يعلمون سبب إستدعاء صاحبة الملهى لهم. كان الجميع يتساءل بما فيهم سونيا، حيث بدأت بطرح التساؤلات على نفسها. كون أن هذا الإجتماع في الصباح الباكر و من دون سبب معلن عنه، وفي الطابق الثاني أيضا. وهذا لم يحدث أبدا طول عمل سونيا في الملهى، فقد كانت جميع إجتماعات صاحبة الملهى في الطابق الثالث دائما. وقبل قدوم المساء بساعة. مر وقت طويل ولم تحضر صاحبة الملهى بعد، مما ثار الخوف والقلق في قلوب الجميع من هذا الإجتماع العاجل.

وصلت صاحبة الملهى أخيرا لتصعد على المنصة سداسية الشكل الموجودة في الطابق الثاني، لتخفض الأضواء، و بعد ذلك تستدعي كل من مدير الأمن في الملهى، ومدير العلاقات العامة، ومدير الحسابات، ومدير الإعلام، ومدير البار، ومعهم أيضا سونيا. تقدم كل من إستدعتهم ليصعدوا على المنصة، وبدأت تتحدث معهم بصوت غير مسموع للجميع لمدة ساعة. وكانت أكثر ما وجهت الحديث في هذا الإجتماع السري المعلن عنه أمام الجميع، من موظفي الملهى هو مدير الامن وسونيا.

بعد ذلك، يعلن للجميع أن سبب هذا الإجتماع هو حضور مسؤول كبير، و ذو مكانة كبيرة ومرموقة إلى الملهى في مساء هذا اليوم. فيجب تحضير الملهى على أكمل وجه، وأن الوقت ليس بكافي، لذلك يجب التحضير من الآن. وأن هذا المسؤول لن يأتي لوحده، إنما معه مسؤولان مهمان أيضا ، يعتبران الذراع الأيمن والأيسر له. لذا على الجميع البدء بالعمل الآن لتجهيز الملهى.

باشر الجميع بالتجهيز والتحضير، بما فيهم سونيا التي كانت وكأنها مضطربة بعض الشيء بعد هذا الإجتماع السري المعلن للجميع مع صاحبة الملهى. وأثناء ما كانت سونيا تقوم بالتجهيزات مع باقي الموظفين، عثرت على محفظة ذاك المعشوق رود، و التي أضاعها في الملهى ليلة تعاطيه الكحول.
فرحت سونيا كثيرا وقامت بتفتيشها على الفور، فلم تجد فيها سوا صورة له، وبعضا من قصاصات الورق المسجل عليها تواريخ لأحداث في المستقبل، وشيك بنكي بقيمة "11" مليون دولار يمكن صرفه لحامله. في هذه اللحظة يقلب الموضوع من صفقة حب إلى صفقة مالية كبيرة. وإن هذا الشيك الذي بين يديها الآن يخرجها من كل ما هي فيه، ويمنحها الحياة والسعادة. ليبدأ صراع ما بين الحب والمال، وكما نعرف بأن سونيا تحب المال جدا وتفضله على كل شيء مهما كان، ولكن هنا المسألة تختلف تماما، فسونيا لا تحب أن تخسر شيئا على الإطلاق، لذا يجب عليها التفكير أكثر لتظفر بكل ما تريد دون خسارة.

وضعت الشيك في جيب بنطالها وجلست تشرب فنجان من القهوة وهي تفكر وتفكر، لحظات حتى قررت أنها ستقوم بإرجاع المحفظة إلى رود، و من المؤكد أنها إذا ما وجدت الفرصة المناسبة للحديث معه فإنها قادرة على إغوائه و إيقاعه في شباك حبها، وبذلك تكون قد كسبت المال والحب معا. ولكن محفظة هذا رود خالية من النقود، و رود كما تعرفه سونيا حين كانت تراقبه، لم تصدف مرة أن رأت محفظته دون الكثير من النقود. لذا من الواضح أن المحفظة سرقت منه وأخذ منها جميع النقود، و رميت في الطابق الأول. كون أن رود لا يتردد على هذا الطابق مطلقا.

فإذا ما أعادت المحفظة له سيعتقد بأنها هي من سرقت محفظته. وهكذا ستتعقد الأمور أكثر على سونيا. ومع ذلك فإن سونيا لا تريد أن تخسر، لذا قامت بتقدير ما يكسبه من مال يوميا على طاولة القمار في الملهى، و وضعته في محفظته. لكنها لم تعلم أن تلك الليلة التي أضاع بها رود محفظته لم يلعب فيها، إنما كان منشغلا بالبحث عنها.
إكتمل تجهيز الملهى على أكمل وجه بعد مجهود كبير. لتبدأ مراسم إستقبال الضيف المسؤول وصحبته.

في نفس الوقت الذي أستدعيت فيه سونيا من قبل صاحبة الملهى، أستدعي رود من قبل المسؤول الذي سيقوم بزيارة الملهى، والذي حجز له في الملهى وقد كان رود الدرجة الثانية من المقربون لهذا المسؤول الكبير ويعتبر الذراع الايسر له وأنه يجب عليه مرافقته هذا المساء الى الملهى، أستغرب رود من طلب المسؤول واصراره على مرافقته الى هذا الملهى بالذات ولكن هذه أوامر ويجب أن تنفذ مهما كان.

إنطلق موكب هذا المسؤول بإتجاه الملهى، وقد كانت صاحبة الملهى قد جهزت الملهى أفضل تجهيز ليليق بحضور هذا المسؤول المهم.

دخل كل من المسؤول و مساعده الأول والذي يسمى مايك، و مساعده الثاني رود، وحراسه إلى الملهى. ولكن عندما رأت سونيا رود مع المسؤول إستاءت كثيرا حتى بدأت بالبكاء!

ما السبب يا ترى؟

إن الإجتماع السري المعلن عنه لمد ساعة أمام موظفي الملهى جميعا، و الذي كان من أحد الذين يعرفون سره هو سونيا. والذي نتج عنه أن سونيا ستقوم بإطلاق النار على الشخص الذي سيرافق هذا المسؤول الكبير اليوم، و الذي سيكون جالسا بجانبه الأيمن. لذا فإن سونيا قد كلفت بقتل رود في ذاك الإجتماع. وقد حصلت الموافقة المطلقة على هذه العملية من قبل الخمسة مدراء الموظفين، بالأضافة إلى سونيا المكلفة بالتنفيذ.

الموضوع الآن لصالح سونيا من الناحية المالية، فهي إن قتلت رود ستظفر بالشيك و الذي قيمته "11" مليون دولار، و الذي وجدته في محفظة رود، وستحصل على المكافأة المالية من صاحبة الملهى، نتيجة تنفيذها لهذه العملية. و إن لم تقم بتنفيذها لن تكسب شيئا مطلقا، بل ستخسر وستطرد من الملهى. كما أن رود سيقتل عاجلا أم آجلا، سواءا على يدها أم على يد غيرها، وبذلك هي لن تربح شيئا على الإطلاق.

المسألة معقدة جدا، ولا وقت الآن للتفكير. فالقرار يجب إتخاذه بسرعة. هزمت العواطف سونيا في البداية، لتقل لنفسها أنها لن تقدم على قتله، و إن قيام شخصا غيرها بقتله سيكون ذلك أفضل. فحين يقتل و تسمع بخبر قتله، ستقوم بصرف الشيك لتتمتع بالثروة الكبيرة. إذا هي مسألة وقت لا أكثر، تحتاج لبعض الإنتظار.

ولكن هي تعلم بطش وغضب صاحبة الملهى، فإن هي لم تقم بتنفيذ العملية من المؤكد أن صاحبة الملهى ستقوم بقتلها، ولن تكتفي بطردها من الملهى مثلما تعتقد. لذا فهي الآن مجبرة على قتل رود بيدها كما أتفق عليه.


كانت إستضافة المسؤول الكبير في الطابق الأول، حيث لا يعرف من الفاعل في لحظة قتل المساعد الأول لهذا المسؤول. فالطابق الأول يضج بالجمهور الكبير، كما أن الإضاءة فيه منخفضة جدا.

بدأ الحفل وجلس كل من المسؤول الكبير و مساعديه الإثنين، مايك و رود. وكانت سونيا تحضر نفسها لتنفيذ ما طلب منها، و كان موعد التنفيذ بعد العرض الثالث. لذا لبست سونيا لباس خاص بهذه العملية، لكنها لم تنسى إرتداء الشال الأسود الذي كان يعبق برائحة برفان رود.

العرض الثالث هو عرض يثير الإنتباه والدهشة بشكل كبير، حيث سيقدم بملابس عسكرية غريبة، وستعزف معزوفات تحتوي على صوت إطلاق النار و القنابل. أوشك العرض على الإنتهاء، و يجب على سونيا تنفيذ العملية قبل إنتهائه.

تنفيذ العملية سيتم من الحجرة الصغيرة الثالثة في الطابق الأول، وهي الغرفة المقابلة لحمام النساء الصغير الذي يمتلؤ بالنساء.حيث وقفت سونيا في المكان المخصص لتنفيذ العملية، وحينما نظرت بإتجاه المسؤول، إبتسمت شفاهها، وفرحت كثيرا! ..

لماذا ؟؟ ما الذي جعل سونيا تبتسم فجاءة؟!



تلعب الصدفة دورها في هذه اللحظة، فإن من كان يجب عليها قتله ليس رود، فـ"رود" يجلس من الجهة اليسرى للمسؤول. وإن من يجب عليها قتله هو المسؤول الذي يجلس من الجهة اليمنى. لذا هي الآن سعيدة جدا. حينها إستطاعت سونيا شم رائحة البرفان الذي يعبق بشالها الأسود الملتف على عنقها.

انتظرت سونيا قليلا حتى إشارة الصفر. وما هي ألا لحظات حتى تعطى الإشارة الى سونيا للتنفيذ. لتقوم بإطلاق النار على المسؤول روك حيث اصابته بـ (5) عيارات نارية اصابت مناطق متفرق من الجسم، ليسقط على الأرض غارقا بدمائه في تلك اللحظة. وبين تلك الأضواء الخافتة في الملهى، لاحظ رود مصدر إطلاق النار دون أن يشاهد من الفاعل، ولكنه رأى الشال الأسود بوضوح، حينما تم إطلاق النار، فإضاءة العيار الناري ومصدره أتاح له رؤية الشال الأسود.

عمت الفوضى في جميع أركان الملهى، و خرج جميع الموجودين إلى خارج الملهى. و إنتشر رجال الأمن في كل مكان، و ترك المسؤول الكبير الملهى يصحبة رود وحرسه على الفور، و حتى دون إبداء أي إهتمام لذلك المسؤول المقتول روك. و الذي يعتبر مساعده الأول، وهذا ما لفت إنتباه الجميع كثيرا.

تم التحقيق في القضية، ولم يأخذ وقتا طويلا. فقد وصف بالعمل الإرهابي البشع، والذي كان يستهدف المسؤول الكبير بالدرجة الأولى. ولكن كانت الرصاصات الـ (5) أقرب إلى قلب روك، المساعد الأول لهذا المسؤول، وأن روك قد قام بعمل بطولي لحمايته معترضا طريق العيارات النارية الموجهة للمسؤول الكبير كما ذكرت الصحف اليومية، لتقيد العملية في النهاية ضد مجهول. ورك بطل تضحية ونضال.

عاد الوضع على ما هو عليه في الملهى، ودبت فيه روح النشاط من جديد ، و أصبح الملهى أكثر شهرة بعد هذه العملية. إذ أصبح الإقبال عليه اضعافا مضاعفة، مقارنة بالسابق.

كانت سونيا قد أخذت إجازة مفتوحة من صاحبة الملهى لقاء ما قامت به. فقررت الذهاب للتنزه و الإستجمام، بعد حصولها على مكافأة مالية جيدة. ولتأكدها وقناعتها بعدم حضور رود مجددا إلى الملهى نتيجة ما حدث، و أنها لن تظفر برؤيته مرة أخرى. لكن العكس هو ما حدث تماما، فـ"رود" أصبح مجيئه يتكرر كثيرا على الملهى. فهو لم ينسى ذلك الشال الأسود وصاحبته أبدا. كما و أن الذي زاد من حضوره هو أنه رأى الشال الأسود حين أطلق النار على المساعد "روك" . ليدرك أن وراء هذا الشال سر كبير يجب عليه معرفته، إذ كان على قناعة أن صاحبة الشال الأسود مازالت في الملهى، وأنه سيعثر عليها عاجلا أم آجلا.

بقيت سونيا في إجازتها المفتوحة، ولكن لم يغب رود عن بالها ولو للحظات، ولم تترك الشال أبدا. فرائحة البرفان ما زالت عالقة في الشال. كما وأن محفظة رود ما زالت معها، لذلك قررت أن تحصل على معلومات عنه. فجعلت تعيد تفتيش المحفظة ثانيتا لعلها تجد ما يوصلها له. ولكن لم تجد في المحفظة غير صورة شخصية له، وقصاصات ورق صغيرة مكتوب عليها تواريخ مستقبلية. وما لفت إنتباهها هو وجود قصاصة منها مسجل عليها تاريخ اليوم الذي تمت فيه العملية. أضف إلى ذلك أنها قد أضاعت الشيك و الذي قيمته أحد عشر مليون دولار، ليصبح بعد ذلك من المستحيل أن تستطيع إرجاع المحفظة لـ"رود".

آخر أيام إجازتها، وبينما هي تجلس على شاطئ البحر، صدف تواجد رود أيضا على الشاطئ نفسه. لم تلاحظ وجوده مطلقا، لكن رود لاحظ شالها الأسود الذي لم تنزعه مطلقا، ثم أمعن النظر به جيدا، لتعود به الذاكرة لتذكر ملامحها.

أسرع رود بإتجاهها على الفور. حيث تفاجأت سونيا كثيرا بقدومه نحوها، مما دب الخوف في أجزائها اكثر من شعورها بالفرح، فقد إعتقدت أنه قد يكون رآها حين أطلقت النار على المساعد روك، أثناء العملية التي تمت في الملهى.

لحظات حتى كان رود أمام سونيا أذ لم تستطيع الهرب أو الذهاب ليسألها وعلى الفور عن إسمها مباشرة ودون حتى القاء التحية عليها، لتتلكك سونيا وتنسى إسمها جراء هذا السؤال المفاجئ. فلم تجبه على سؤاله. ليسألها ودون ان يعرف إجابة السؤال الأول عن الشال الأسود، لتجيب بأنه لها. إستأذنها بالجلوس معها قليلا، فسمحت له مستغربة وخائفة مما يحدث، فألف سؤال يدور في ذهنها في تلك اللحظات.

بدأ رود يسألها عن مكان عملها، وحين ذكرت له أنها تعمل في الملهى الليلي ذاته، جعل يضحك بطريقة غير طبيعية، مما أثار الإستغراب أكثر في نفس سونيا، لتسأله عن سبب ضحكه. فأخبرها رود القصة من بدايتها، وحتى إلتقاءه بها الآن. تفاجأت سونيا بذلك، ولكنها لم تخبره عما كان منها، وتظاهرت بعدم الإهتمام، وأنه معجب من بين الآف المعجبين.

إنتهى اللقاء ليأخذ رود من سونيا موعدا آخر في الملهى للإتقاء بها ورؤيتها مجددا، حيث كان في مساء اليوم التالي.

في المساء ومن اليوم التالي جهزت سونيا نفسها ولبست أجمل اللباس، وكانت بإنتظاره في الطابق الثالث من الملهى على فارغ من الصبر. ولكن عندما وصل رود كان وكأنه لم يراها مطلقا، إذ جلس على طاولة القمار يتلفت يمينا وشمالا، وكأنه يبحث عن شخص معين.

جاءت سونيا وسلمت عليه فرد عليها السلام بطريقة عادية جدا. تفاجأت سونيا بذلك. كانت تعتقد أنها ستكون معه هذه الليلة، لكنه لم يعرها أي إهتمام، وذهب ليجلس على طاولة منفردة، يقلب أنظاره بين الموجودين. وبقي لفترة طويلة وكأنه ينتظر أحدا ما. ذهب بعد ذلك إلى الإستقبال في الطابق الثالث ليسأل، وقف لوقت أمام رجل الإستقبال بتردد دون كلام يريد أن يسأله، ولكن لا يدري عن ماذا؟

إن ما يثير الإستغراب أن رود كان يريد السؤال عن سونيا، ولكن هو لم يعرف إسمها. وكل مايعرفه مكان عملها في الملهى. وبرغم أن سونيا موجودة أمامه، إلا أنه لم يرها. ولا نعرف ما هو السبب. ثم قرر أن يسأل رجل الإستقبال عن فتاة جميلة تعمل هنا في الملهى، و تلبس شالا أسودا. لكن رجل الإستقبال لم يفده بشيء مطلقا. ليترك رود الملهى معتقدا أن سونيا لم تأتي هذه الليلة على موعدها.

كانت سونيا في ذلك الوقت تراقبه من بعيد. فحين غادر رود الملهى، ذهبت إلى رجل الإستقبال تسأله عما كان يسأل عنه هذا الرجل، فأخبرها أنه يبحث عن فتاة تعمل هنا و ترتدي شالا أسودا، وكأن لا يعلم ما اسمها.

فأستغربت سونيا كثيرا، كون أن من يسأل عنها تكون هي نفسها سونيا. فلحقت به على الفور تاركة عملها وقبل صعوده بسيارته، نادت عليه، فأدرك صوتها، لينظر فيراها قادمة نحوه.

عاتبها حينها لتأخرها عن موعدها. صمتت سونيا للحظات، لتقرر بعد ذلك أن تأخذه إلى مكان آخر بعيد عن الملهى. فعرضت عليه أن تصطحبه إلى منزلها، ليوافق رود على الفور، ثم ركبا السيارة وأنطلقا بإتجاه منزل سونيا. وفي الطريق إلتزمت سونيا الصمت، وأخذت تفكر برود. حتى وصولهما إلى منزلها، إن ما يلفت الإنتباه أن سونيا لم تخبر رود عن عنوان منزلها، إلا أنه أوقف سيارته أمام العمارة التي تقل منزلها.

نزلا سونيا و رود من السيارة، وصعدا إلى الشقة و التي كانت في الطابق الثالث عشر. دخل رود وجلس في الصالون، وذهبت سونيا لتحضر فنجانا من القهوة، ليبقى رود جالسا ينظر إلى الصور المعلقه على جدران منزلها، والتماثيل الحجرية المكسرة و التي كانت تنتشر في كل مكان من المنزل.

أحضرت سونيا القهوة، وجلسا يتحدثان سويا. فبدأ رود يعاتبها. فسألها لما لم تأتي إلى الملهى كما هي أخبرته مسبقا. حاولت سونيا الشرح له، و بأنها كانت موجودة، و حاولت الحديث معه في الملهى أكثر من مرة، ولكن هو لم يعرها أي إهتمام. إستغرب رود من هذا الحديث كثيرا، و أدرك أن هناك سرا كبيرا وراء ذلك.

عادت سونيا للحديث من جديد بأنها معجبة به منذ فترة، وأن رائحة البرفان الذي كان يضعه هي السبب في إعجابها. بدا على رود وكأنه لم يصدقها، كما وأنه لم يكن سر إهتمام رود بها الإعجاب أو العشق، ولكن كان يريد التعرف عليها لكونه عندما رآها أول مرة خارج الملهى، شعر و كأنه رآها من قبل، لذلك أراد معرفة من هي و من تكون.
بدأت سونيا بالحديث له عن نفسها، وكيف هي حياته. ليعجب رود حينها بسونيا، ولكنه كان خائفا منها بعض الشيء، فطلب منها التعرف على البيت. وبالفعل قامت سونيا بإطلاعه على البيت كاملا، لحين دخولهما إلى الغرفة الصغيرة المليئة بأوراق الجرائد، والتي لم تكن سونيا ترغب بأن يراها. إستغرب رود من هذه الجرائد، لكنه لم يسألها عن حكايتها. وبينما هم في هذه الغرفة حتى بدأت الإثارة ال*****، لتعانق سونيا رود ويبدأ بينهما الإتصال ال***ي في تلك الغرفة، وعلى أوراق الجرائد تلك، وضوء القنديل ولكن دون ان يكشف عن صدرها (نهداها).

بعد الإنتهاء إنطفأ القنديل لوحده، ولكن سونيا لم ترى الطفل ولم تسمع صراخه المعتاد، والذي كانت تراه على المرآة المعلقة على جدار الغرفة في كل مرة تقوم بها بالإتصال ال***ي مع الرجال التي كانت تصطحبهم من الملهى. وهذا ما أثار تفكير سونيا كثيرا وجعلها تطرح على نفسها أسئلة كثيرة وسريعة، لم تجد لها أي إجابة في ذلك الوقت. ليخرج رود وسونيا من الغرفة بعدها ومضاهر الارتباك تملأ وجه رود

أمضت سونيا الليل كله بصحبة رود وكانت سعيدة جدا. ولكن مهلا لقد سمع رود صراخ الطفل لكن دون أن يراه، فأعتقد أنه من طابع الهلوسه لا أكثر. و حينما أقبل الصباح غادر رود منزل سونيا، وأخبرها بأنه سوف يلتقي بها مساءا في الملهى.

حين خيم المساء، كانت سونيا في الملهى على رأس عملها، وبإنتظار رود. تأخر رود ليلتها عن موعده قليلا، وحينما وصل جاءت سونيا تراقبه من بعيد، وهو يبحث عنها. ثم إعترضت طريقه لتسلم عليه ولكنه سلم عليها بطريقة غريبة، وكأنه لم يعرفها على الإطلاق. حاولت سونيا الشرح له، لكنه لم يتعرف عليها وتركها ليسأل رجل الإستقبال عنها، فأخبره رجل الإستقبال بأن سونيا تلك التي تقف هناك، فقال رود: "لا ليست هي". فأخبره رجل الإستقبال أنه لا وجود لفتاة أخرى بهذا الإسم وبهذه الأوصاف غير تلك الفتاة. ولكن رود ضل مصرا بأنها ليست هي التي يبحث عنها.

أدركت سونيا وقتها أن رود لا يراها مطلقا في الملهى، أو أنه يراها بصورة فتاة أخرى. حينها أخبرت سونيا رجل الإستقبال أن يخبر رود بأن سونيا تنتظره خارج الملهى وذهبت.

أخبر رجل الإستقبال رود بما قالته له سونيا، وبالفعل نزل رود لحظتها مسرعا كما أخبره رجل الإستقبال، ليجد سونيا في الخارج تنتظره، ليبدأ رود بمعاتبة سونيا مرة أخرى على تأخرها، لتقوم سونيا بشرح كل ذلك له، وأنه لا يراها داخل الملهى، وأنها مشكلة لا يمكن حلها.

بينما هما يمشيان في أزقة المدينة إذ بعرافة قبيحة المنظر تجلس على ناحية الطريق تقرأ الطالع للمارين. فوقفا أمامها لتقول لهما أنكما لا ترون بعضكما أبدا، فشعرا بالخوف. وبالأخص رود. في حين أن وضع سونيا كان عاديا جدا.

سألت سونيا العرافة عن الحل، فأخرجت العرافة من حقيبتها إسوارتين فضيتين، وقالت لهما: إذا ما لبستما هاتين الإسوارتين سستحل مشكلتكما، وسيكون بإمكانكما رؤية بعضكما في أي وقت وأي مكان.

لم تصدق سونيا ذلك برغم أن رود إقتنع بهذا الشيء. فأخذا الإسوارتين وأرتدياها وعادا إلى الملهى. وبالفعل كانت العرافة صادقة، فقد تمكن رود أخيرا من رؤية سونيا في الملهى. ليبدأ إهتمامه يزداد بسونيا، ولكن ليس بسبب الحب والعاطفة، إنما كان يشعر بشعور غريب جعله يشعر بأن هناك سر كبير وراء سونيا.

يكلف المسؤول رود بالذهاب لمدة أسبوع لأداء مهمة رسمية، ليخبر سونيا بذلك هاتفيا. فأستاءت سونيا من هذا، وطلبت منه أن يقضي هذه الليلة معها، ليوافق رود على طلبها وقد كانت سونيا قد أخذت إجازة ليلتها للتحضير لسهرة جميلة وممتعة في منزلها برفقة رود.

كل شي على ما يرام، و كل شيء كان جاهزا في المنزل إلا الجرائد التي في تلك الغرفة، والتي يجب عليها تبديلها. فذهبت لتحضر الجرائد، ولكن لسوء الحظ لم تعثرعليها. وبينما هي تبحث وصلت عند بائع اللحمة (الجزار)، والذي كان يلف اللحمة باوراق الجرائد. فطلبت منه جميع الجرائد التي بحوزته، وأنها سوف تعطيه المال مقابل إعطائه إياها، فقام بائع اللحمة بإعطائها جميع ما يملك من الجرائد، و رجعت إلى منزلها لتفرش الغرفة بهذه الجرائد. ولكن تفاجأت أن معظم هذه الجرائد كانت ملطخه بالدماء، ولكن سونيا كانت مجبرة على إستخدامها، لكونها كانت تريد حل اللغز الذي كان يحدث معها دائما في تلك الغرفة، ومع رود بالذات. ففرشت الغرفة بتلك الجرائد الملطخة بالدماء.

أقبل المساء، و وصل رود المعشوق على موعده. وكانت سونيا قد جهزت نفسها لسهرة ممتعة معه. تناولا العشاء وجلسا يتبادلان الحديث، حيث كانت سونيا تتكلم كثيرا عن نفسها من أجل لفت إنتباه رود لها أكثر. فسونيا تتمنى الإرتباط به كثيرا. بعكس رود فلم يكن يفكر في الإرتباط منها مطلقا، فقط كان رود مرتبطا ولم تعلم سونيا بذلك.

دخلت سونيا مع رود إلى تلك الغرفة، وقد كانا يشعران بالإشمئزاز من تلك الجرائد، و ذلك لأنها ملطخة بالدماء. كان حب رود للمعرفة يدفعه كثيرا لتنفيذ ما تطلبه منه سونيا، فهو يريد معرفة من هي سونيا. لا نعرف الأسباب، و لماذا يريد رود ذلك؟ ولكن هذا ما كان يبدو عليه.


حاول رود الخروج من الغرفة حينها، لكن جمال سونيا وجسدها الذي يفوح برائحة العطر، أجبره على البقاء. وبالفعل مارس ال*** معها على تلك الجرائد الملطخة بالدماء، وعلى ضوء قنديل الزيت، بصورة مثيرة جدا وعنيفة. ولكن دون أن يكشف عن صدرها (نهداها) أيضا، و لأول مرة يشعران هما الاثنين بمذاق خاص لل***. فعند إنتهائهما إنطفأ القنديل. ولكن سونيا لم تسمع صوت الطفل، ولم ترى صورته على المرآة. وهذه المرة الثانية التي تمارس ال*** مع رود ولم ترى ما كانت تشاهده من قبل.

ولكن مهلا، لقد شاهد رود ذلك. فقد رأى الطفل وسمع صوت صراخه، لكنه لم يقل لسونيا أي شيء رآه أو شعر به. ولا يريد لسونيا أن تشعر أو تعلم بذلك. فقد إعتقد أن ما حدث لم يحدث من قبل مع سونيا، لذلك لجأ للخروج على الفور من الغرفة.

لاحظت سونيا ذلك، وحاولت أن تقيم علاقة ***** مع رود مرة أخرى، ولكن رود لم يرغب بذلك، جراء ما رآه وسمعه في الغرفة.

لم يبقى رود كثيرا عند سونيا، وقرر الذهاب. حاولت سونيا معه، وأن يمكث معها حتى الصباح، لكن رود رفض ذلك وتحجج بأن موعد سفره سيكون باكرا. وبالفعل ذهب رود وبقيت سونيا لوحدها سعيدة بالوقت الذي أمضته مع معشوقها.

سافر رود وعادت سونيا إلى عملها المعتاد وهي في شوق كبير له، بالرغم من أنه لم يهاتفها أو يتصل بها. كانت سونيا كلما مضى الوقت أكثر في غيابه، تشتاق له أكثر، وكأنها تعد الأيام لعودته. إنقضى أسبوع كامل على سفره ولم تسمع عنه أي خبر. كما أنه قد أخبرها بأن سفره لأسبوع واحد فقط، وقد مضى يوم وتلاه الأخر ولكن دون اي أثر له. قلقت سونيا كثيرا من ذلك، فـ رود قد تأخر كثيرا عن موعد عودته.

بعد إنقضاء أسبوع كامل على الموعد الذي كان مرتقبا له العودة فيه. عاد رود إلى الملهى و وصل الى الطابق الثالث، وقد كان يبدو عليه الشوق لسونيا. إذ غمرت سونيا الفرحة والسعادة عندما رأته، وجلسا يتحدثان حديث الشوق والعتاب، وقد شعرت سونيا بأن رود بدأ يشتاق لها، ولكن رود أخبرها بأنه متزوج ليلتها. كادت سونيا أن تنهار جراء هذا الخبر، والذي كانت بمثابة كارثة حقيقية لها. ولكنها لم تبدي له أي إهتمام وتظاهرت بعدم المبالاة بذلك، لتنظر إلى يديه فلا تجد الإسوارة.

لفت هذا إنتباه سونيا كثيرا، ولكن رود كان قد فقدها بعد عملية الجماع التي تمت بينهما. و أصبح الموضوع عاديا، وأنه يمكن أن يراها في أي مكان.

بعد ذلك أخبرها رود بأنه سوف يغيب عنها ليومين، خافت سونيا من غياب رود كثيرا، و أدركت أنه في خطر كبير بعد أن أخبرها بأنه أصبح المساعد الأول للمسؤول الكبير. مما زاد خوفها عليه أكثر. فطلبت منه أن يترك العمل عند هذا المسؤول الكبير، و الذي تعرف كم هو خطير.

لكن رود لم يعرها أي إهتمام، و أخبرها أنه أصبح الآن ذو مكانة رفيعة، وأن هذا المسؤول الكبير لا يذهب لأي مكان إلا برفقته، وأنه في نهاية هذا العام سيكون برفقته لحضور حفل كبير في ملهى مشهور، لكن هذا زاد من خوف واقلق سونيا أكثر و أكثر.

ينتهي اللقاء، وغاب رود ليومين كما قال. وأثناء ذلك كانت سونيا منشغلة به، إذ كانت تقول في نفسها أنه من المستحيل أن تلتقي أو تظفر به طوال عمرها، وأنه سيقتل عاجلا ام أجلا إذا ما بقي برفقة ذلك المسؤول الكبير، مثلما حدث مع رفيقه المساعد السابق روك.

يعود رود بعد يومين إلى الملهى، لتسر سونيا بعودته وجلسا لساعة تقريبا، لتخبره سونيا أنها تريد الإحتفال به في ليلة إثارة صاخبة في منزلها نهاية هذا الاسبوع.

قبل رود على الفور ورحب بذلك. ليذهب بعد ان أخبرها بأنه لن يتمكن من رؤيتها قبل موعدهما، مما أزعج هذا سونيا كثيرا. ولكنه أقنعها بأنه سيغيب بسبب العمل، وهو مظطر لذلك.


بقيت سونيا طوال الأسبوع وهي تجهز لتلك الليلة، والتي ستكون ليلة العمر بالنسبة لها. فقد قررت أن تنجب منه طفلا. و كانت أول تجهيزاتها أنها فرغت تلك الغرفة من الجرائد، وفرشتها بفراش يليق بها. ونقلت القنديل والمرآة إلى غرفة النوم، وقررت أن تنام معه في غرفة نومها وعلى سريرها.

هذه الليلة ستكون موعد حضور رود، وقد كانت سونيا قد جهزت كل ما يلزم من مأكولات ومشروبات، ولبست أجمل ملابسها، لتبدو سونيا في تلك الليلة أجمل من القمر.

دقت الساعة ليحين موعد قدوم رود. رن جرس الباب ليعلن وصوله في الموعد تماما، و دون تاخير. موسيقى هادئة، وأشياء كثيرة قد غيرتها سونيا في البيت. فجميع صور الحيوانات التي كانت معلقة على الجدران قد أتلفت، و علق مكانها صورا للورود والأنهار، والطبيعة. و تلك التماثيل المكسرة أيضا قد إختفت ليحل مكانها فازات ملونة وجميلة. اضف الى ذلك زهرة الاركيدة التي اخذت مكانها في غرفة النوم.

أصبح البيت أكثر راحة وطمأنينة. أضف إلى ذلك رائحة الأطعمه الشهية، وسونيا التي تبدو أكثر جمالا مما كانت عليه من قبل.

تناولا العشاء وقد بدا على رود أنه كان جائعا جدا، و رقصا على صوت الموسيقى الرومنسية، وتبادلا القبل على الشفاه. لحين ذهابهما إلى غرفة النوم. حينها شعر رود بالراحة أكثر عندما وجد نفسه في غرفة غير تلك الغرفة المثيرة للخوف.

بدأ الإتصال ال***ي، والذي بدا أكثر متعة وإثارة على ضوء القنديل. فقد إستمرت عملية ال*** لفترة طويلة، ولكن دون أن يكشف عن صدر (نهدي) سونيا. كان الإثنان خلالها في قمة إستمتاعهما، لحين خروج السائل المنوي وتلقيح البويضة، كما خططت سونيا. ليحدث ما لم يكن متوقعا على الإطلاق، فقد إنطفأ ضوء القنديل ليسمع الإثنان صراخ الطفل بصوت عال، و يشاهداه على المرآة أيضا.

ملأ الخوف قلبهما في تلك اللحظة، لتقوم سونيا بإشعال الضوء، لتسكن قلوبهم بعض الشيء وتهدأ. لم يسأل رود سونيا عن أي شيء، وتظاهر بعدم سماعه أو رؤيته لأي شيء. كما فعلت سونيا أيضا ذلك. فكل واحد منهما جعل يحسب أنه رأى وسمع ذلك لوحده، إذ إعتقدا بأن المتعة الفائقة في ال*** أوصلتهما الى درجة الهذيان والهلوسة.

إستلقت سونيا بجانب رود على السرير، وأخذت تلعب في شعره، لتقول له سرا خطيرا جدا، إذ أن سونيا ستقوم بإخباره بحادثة الملهى، وإغتيال المساعد المسؤول روك. وأنها هي من قامت بإطلاق النارعليه وقتله بتكليف من صاحبة الملهى. و أن العملية الثانية سيكون هو المستهدف فيها. و ذلك لأن المسؤول عنه يقتل كل الأشخاص الذين يخاف منهم على مركزه ومكانته.
تغير وجه رود حينها بسرعة، ليخبرها بأنه مضطر للمغادرة، فقد تذكر شيئا مهما ويجب عليه الذهاب. خافت سونيا من ذلك كثيرا، وحاولت معه ليبقى حتى الصباح. و لكن رود أصر على أن يذهب، و تظاهر بحاجته الماسة للذهاب.

تركته سونيا يذهب. وكانت تنتابها مشاعر السعادة والحزن في آن واحد، سعيدة لأنها حصلت على ما تريد، و أمضت وقتا جميلا بصحبة رود، وحزينة لأنها شعرت بأنها لن تراه مرة أخرى. إذ أخافها هذا الشعور الغريب كثيرا، لتنام وهي خائفة.

مساء اليوم الثاني ذهبت سونيا إلى عملها، وكانت سعيدة جدا حيث أنها قدمت في ليلتها عرضا للتعري، حاز على إعجاب الجميع من الجمهور. لم ترى رود ليلتها، وقد قلقت كثيرا عليه. إنتظرت لليوم الثاني ولم يحضر رود أيضا كما هو معتاد. ومر شهر كامل وسونيا لا تعلم عنه أي شيء.

إقتربت ليلة رأس السنة كثيرا، وهذا الذي أخاف سونيا أكثر. فهي لم تراه منذ فترة طويلة، وقد كانت مشتاقة له كثيرا وكانت تفكر به طوال الوقت، وتترقب حضوره في كل لحظة إلى الملهى. وبينما هي في العمل سقطت مغميا عليها، ليأخذوها إلى المشفى، فيتبين بأن سونيا حامل بالشهر الأول.



فرحت سونيا كثيرا لهذا الخبر، ولم تصدق نفسها في تلك اللحظة، مما جعلها تأخذ إجازة من الملهى لتحافظ على حملها. و مع شوق سونيا الكبير لرود، إزدادت شوقا لمولودها المنتظر.

مرت الايام بسرعة فهذه هي ليلة رأس السنة، والتي سيقتل فيها رود بالتأكيد كالمساعد روك حسب توقعات سونيا. كانت ليلة مشؤومة من وجهة نظر سونيا، لذا قررت أن تذهب لتتمشى، فالبيت يزيد من توترها. لذلك لبست بنطالها الذي كانت ترتديه ليلة تجهيز الملهى لإستقبال المسؤول. ولكن البنطال كان يبدو ضيقا عليها قليلا. وضعت يدها في جيب بنطالها فوجدت الشيك الذي أضاعته، والذي كانت قيمته (11) مليون دلار. إنتاب سونيا حينها الفرح لكونها وجدت الشيك بعد كل هذه الفترة، وهي بذلك ستحصل على الكثير من المال والذي سيؤمن لها مستقبلها ومستقبل طفلها الموعود.

بقيت سونيا ليلتها في البيت ولم تخرج، و جلست في شرفة منزلها حتى الصباح، وهي قلقة للغاية و تشعر بالخوف الشديد. أشرقت الشمس وكانت سونيا ما تزال نائمة على الشرفة. وحينما استيقظت، ذهبت على الفور لشراء الجرائد، وذلك لتعرف إن كان رود قد قتل أم لا.

اشترت سونيا الجريدة لتطالع على صفحتها الأولى عنوانا يحمل خبر "مقتل مسؤول مهم ليلة البارحة في أحد النوادي الليلية". رمت سونيا الجريدة دون أن تقرأ تفاصيل الحادثة، وعادت إلى المنزل وهي تبكي. رغم تخلي رود عنها و اختفاءه المفاجئ، إلا أنها كانت ما زالت تحبه ولم تنسى أبدا أنه والد طفلها القادم.

في اليوم الثاني ذهبت سونيا وهي خائفة لتصرف الشيك، والذي قيمته 11 مليون دولار. تمت الأمور على ما يرام، وصرف الشيك بكل سهولة. ليصبح مع سونيا الآن ثروة مقدارها 11مليون دولار، و تصبح هي الآن من الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال. و رغم ذلك بقيت سونيا في عملها في الملهى كالمعتاد، فهي تحب هذا المكان كثيرا.

أنجبت سونيا طفلا جميلا يشبه والده كثيرا أسمته بــ (اثيودار). كانت ملامح الذكاء واضحة على وجه هذا الطفل، تماما كوالده. لكنه كان جبانا، إذ كان يخاف أن يبقى في البيت لوحده، لذلك كانت سونيا تضطر لاصطحابه معها إلى الملهى.

كان اثيودار كثير الجلوس لوحده، وبعيدا عن هذا العالم. فرغم أنه جبان إلا أنه يحب الجلوس لوحده، ولا يحب الكلام مع الآخرين إطلاقا. و كان كثيرا ما يرى أمه سونيا تصطحب معها رجالا مسؤولين إلى المنزل، وتمارس ال*** معهم. وهذا كان أمرا طبيعيا بالنسبة له. هذا و أننا لا ننسى بأن سونيا قد عادت إلى عاداتها السابقة، غرفتها والقنديل والمرآة وتلك الجرائد لتمارس طقوسها ال*****. و لكن بعد قدوم اثيودار لم تعد سونيا تسمع صراخ الطفل كما في الماضي. كما وأن سونيا كانت تصطحب هؤلاء الرجال للمتعة فقط لا غير.
كان اثيودار كثير المتابعة في الملهى لهؤلاء المسؤولين، وكان كثيرا ما يراهم و هم يقومون بالاحتيال والغش على طاولة القمار في بعض الاحيان، لدرجة أن مسؤولا منهم كان يلاحظ بأن اثيودار يتابعه وهو يغش في اللعب، لذلك كان كثيرا ما يطلب من سونيا إخراج طفلها، وعدم اصطحابه إلى هنا مرة ثانية ولكن سونيا كانت ترفض ذلك .

وفي أحد الأيام اصطحبت سونيا هذا المسؤول إلى منزلها لتمارس ال*** معه، وبينما كانت سونيا تحضر نفسها لإقامة العلاقة ال***** في تلك الغرفة، إذ بإثيودار يصرخ على هذا المسؤول بأن يخرج من المنزل، و لكن المسؤول لطم إثيودار لطمه قوية، ليقع على الأرض ويغمى عليه. خرجت سونيا على الفور وقامت بطرد هذا المسؤول وأخذت إثيودار إلى المستشفى.

استيقظ إثيودار في المستشفى بعد إسترجع قواه تماما، و قد طمأن الطبيب سونيا عليه وأخبرها بأنه قد أصيب بكدمات بسيطة إثر وقوعه، و أنه يحتاج ليومين ليتعافى تماما.

تحسن اثيودار، وكانت سونيا قد قطعت عهدا على نفسها أنها لن تصطحب إلى منزلها أي رجل مهما كان. وهذا القرار أسعد اثيودار الطفل كثيرا. و رغم ذلك بقي اثيودار حاقدا على المسؤولين بعد هذه الحادثة.


تابعت سونيا عملها في الملهى، وكانت كثيرة الاهتمام باثيودار. وقد كان حلمها بأن يصبح طبيبا مشهورا في المستقبل، وأن يكون بعيدا عن عالم السياسة وشباكها.

أصبح اثيودار بالثانية عشر من عمره، وقد كان ذكاءه يزداد يوما بعد يوم. و لكنه لم يستطع التخلص من مشكلتي الخوف والجبن بل بالعكس، كانت المشكلة تتزايد باستمرار.

ذات يوم سأل اثيودار أمه سونيا عن أبيه، من هو و من يكون، و أين هو الآن. التزمت سونيا الصمت حينها لبضع الوقت، ثم و ذهبت إلى غرفتها لتحضر من خزانتها صندوقا صغيرا، فتحته و أخرجت منه محفظة و السوار الفضة، و جلست لتخبر اثيودار عن قصتها مع والده، كيف أن والده كان مسؤولا كبيرا، و قد قتل في إحدى ليالي رأس السنة.

أخذ اثيودار المحفظة وبدأ يفتشها، و لكنه لم يجد بها غير قصاصات الورق المؤرخة بتواريخ مستقبلية، والتي كان من ضمنها ورقة حملت تاريخ ليلة رأس السنة التي ذكرت والدته سونيا بأن والده قد قتل فيها.

تركت سونيا الملهى، وتفرغت لتربية اثيودار وتعليمه. و ذات يوم إستلمت مكالمة هاتفية من الملهى لتخبرها بأن هناك رجلا يسأل عنها كثيرا، ويريد رؤيتها بأسرع وقت ممكن، و أن الموضوع ضروري جدا ولا يحتمل التأجيل.
قلقت سونيا وشعرت بالإستياء من ذلك. ثم أخبرت رجل الاستقبال في الملهى أن يعطي عنوانها لذلك الرجل إن عاد مرة أخرى.

بالفعل أخبر رجل الاستقبال ذلك الرجل بعنوان سونيا، ليذهب هذا الرجل على الفور إلى منزلها. رن جرس الباب، ليفتح اثيودار الباب وسأله من هو و من يريد. فأجابه الرجل بأنه من أصدقاء والدته سونيا ويعرفها منذ زمن طويل. سأله اثيودار إن كان رجلا مسؤولا، ليجيبه بنعم، "أنا رجل مسؤول".

يدخل اثيودار ذلك الرجل إلى الصالون، ويذهب لينادي أمه وهو مستاء جدا، لأنه إعتقد بأن أمه قد عادت إلى عادتها القديمة.

تأتي سونيا على الفور لتتفاجأ بأن هذا الرجل هو أدور الشاب العاشق الذي رمت به إلى السجن ظلما، قبل خمسة عشر عاما.

خافت سونيا كثيرا، فـ أدور تبدو عليه بوادر الغضب والانتقام. طلبت سونيا من اثيودار أن يدخل غرفته و لا يخرج منها. لتسأل بعد ذلك ادور، عما يريده منها، و السبب الذي أتى به إليها. فرد بأنه يريد حقه منها وعمره الذي أهدر في السجن بسببها.

ضحكت سونيا من كلامه، ليقوم أدور منفعلا و يخرج سكينا من جيبه محاولا قتلها. تصرخ سونيا وتحاول الهروب منه، فيخرج اثيودار من غرفته ليرى أدور وهو يقوم بطعن أمه بتلك السكين عدة طعنات، ويقوم بالهرب بعدها. ليعترض اثيودار طريقه، فيقوم بلطم اثيودار و يوقعه على الأرض وقد غمي عليه.

إستيقظ اثيودار ليجد أن أمه سونيا قد فارقت الحياة، كبر الخوف بداخله و كره كل من هم حوله، و ازداد حقده أكثر وأكثر على المسؤولين. هذا وان سونيا كانت تشعر وكأن مكروها سيقع لها، لذلك إتفقت مع إحدى العائلات لتقوم بتربية اثيودار في حال حدث لها شيء معين. و قد قامت بإعطائهم المال الكافي لذلك.

وفعلا، بعد مقتل سونيا، أخذت هذه العائلة اثيودار عندها، و قد كانت عائلة بسيطة، يملؤها الحب والسكون، و تتكون من صاحب المنزل و زوجته التي لا تنجب أطفالا. لذلك كانوا يحبون اثيودار كثيرا، ويخافون عليه كما لو كان ابنهما تماما. ومع ذلك اثيودار لم يحبهم وكان يخاف منهم.

زاد خوف اثيودار من المسؤولين وحقد عليهم، و أيقن تماما أن وجود مثل هؤلاء المسؤولين خطر على العالم أجمع. فما حدث أمامه يملؤه خوفا و رعبا أكثر، ليتصور نفسه أنه صاحب دمار شامل في هذا العالم. لذلك تكرر على ناظره وهو نائم حلم غريب بعض الشيء، إذ كان حلمه يصور له دمارا شاملا، يكون هو القائم عليه. ولكن كيف؟ و اثيودار جبان جدا.



كبر اثيودار و أصبح شابا وسيما جدا يشبه والده في كثير من الصفات، إلا أنه شخص جبان. وبالفعل حقق اثيودار حلم والدته سونيا بأن تراه طبيبا كبيرا ومشهورا. حيث تخصص بهندسة الجينات الوراثية، وعمليات دمجها و إخصابها وتكونها.

عمل اثيودار في مستشفى كبير ومعروف لطبقة النبلاء. وفي ذات يوم أتته حالة لفتاة كانت مصابه بانهيار عصبي حاد، نتيجة قتل والدها. و قد قام اثيودار على علاجها و الإشراف عليها بنفسه.

كانت تلك الفتاة جميلة جدا، ذات قلب طيب وحنون، تشبه في جمالها جمال أمه سونيا . والأجمل من كل هذا أن اسمها كان سوفيا ، اسم يذكره بأمه سونيا دائما.

كان اثيودار يتابع حالتها باستمرار، و حينما استعادت صحتها تعلقت به. فقد كانت سوفيا تلاحظ اهتمامه بها، و هذا الاهتمام الكبير شغف قلبها بحب اثيودار في هذه المدة القصيرة . إذ كانت تشعر بأنها تعرفه من قبل، و أنها التقت به في مكان ما. و لكن أين؟ ومتى؟ ، لم تستطع سوفيا تذكر ذلك.

في اليوم الأخير لسوفيا في المستشفى، جلس اثيودار معها، يسألها عن سبب حالتها تلك، وما لذي أدى إلى إنهيارها. أخبرته سوفيا عن قصتها، و أن والدها كان مسؤولا كبيرا له سلطته، و قد كان شقيقها الأكبر المساعد الأول لوالدها. و هذا الشقيق هو نفسه الذي قام بإغتيال والدها ليأخذ مكانته و يتولى سلطته. و هذا هو سبب إنهيارها.

استاء اثيودار من ذلك كثيرا، وحاول الابتعاد عن سوفيا لكونها ابنة مسؤول، وهو يكره المسؤولين كثيرا، ويرفض أي علاقة بهم. لذلك حاول اثيودار الابتعاد عن سوفيا ابنة المسوؤل الكبير المغتال وشقيقها. فبعد خروج سوفيا من المستشفى بقيت تتردد كثيرا على اثيودار في المستشفى وعيادته الشخصية، إلا أن اثيودار كان لا يبادلها أي اهتمام بعد معرفته لقصتها.

كان حلم اثيودار وهو صغير لا يفارق خياله أبدا، إذ بدأ يسعى له ويحاول تحقيقه، ولكن كيف؟ بقي هذا السؤال هو العقبة الكبيرة التي تواجه اثيودار. فبرغم ان اثيودار طبيب معروف ومشهور جدا، إلا أنه لا يستطيع فعل أي شيء، فهو ذو شخصية ضعيفة غير مبالية بالأمور بعكس والده رود. لكن الحقد الذي بداخل اثيودار يجعله أكثر إصرارا على تحقيق حلمة المدمر والذي يبيد الكثير من البشرية، التي لا علاقة لها على الإطلاق.

بقي اثيودار يفكر كثيرا في حلمه، ويصر عليه. إذ لم يكن هناك طريقة إلا وقد فكر بها. لحين توصل إلى أن تحقيق حلمه مرهون بطفل، و يكون ابنا له يحقق له حلمه. لذلك حاول اثيودار استخدام علومه الطبية في تكوين جينات خاصة يتحكم بها، ليتمكن من إدخال عنصر الشر والقوة معا في الطفل، وبذلك قد يكون وصل لتحقق حلمه.
أجرى اثيودار الكثير من التجارب في معمله الذي قام بتجهيزه بكل ما يلزم لمثل هذه التجارب. فقد كان مقتنع بما يفعله، ولكنه لم يتوصل إلى شيء إطلاقا، و أن جميع تجاربه باءت بالفشل وخيبة الأمل.

لم يغب عن ذهن اثيودار ذلك الإسوار الذي أعطته إياه أمه، و قصتها الغريبة مع والده رود، الذي رحل عن عنها وتركها. و في ذات يوم حلم اثيودار حلما غريبا، ومرعبا جدا. ليستيقظ من نومه خائفا يملؤه الرعب. حيث راى انه يقتل نفسه في المنام بصورة بشعة اذ راى ان يداه اصبحت تحمل مخالب مدببه تتطاول شيء فشيء ليقوم بعدها بتمزيق وجهه بها ومن ثم اقتلاع عيناه وبعدها قطع راسه.

شعر اثيودار أن الشيطان وراء ذلك الحلم، ولكن مهلا! لقد وصل اثيودار إلى الحل من خلال هذا الحلم. فالجينات الوراثية بحاجة إلى مصل شيطاني، حتى يجعل القوة الشيطانية في طفله، ولكن كيف يمكن لهذا ان يحدث؟.

ذات يوم وبينما كان في عيادته الخاصة، إذ برجل عجوز غريب الشكل يدخل عليه، وقد كان يعاني من سعال غريب. فأسرع اثيودار لفحصه، وبينما هو يجري الفحوصات له، اكتشف بأن هذا العجوز هو الشيطان نفسه. لم يحاول إشعاره بشيء مطلقا، وقام بسحب مصل منه و احتفظ به. بعدها طمأن اثيودار هذا العجوز و أعطاه الدواء المناسب وجعله يذهب.
فرح اثيودار لأنه تمكن أخيرا من الحصول على المصل الشيطاني بكل بساطة وبسرعة. و بدأ بإجراء تجاربه، ولاحظ أن تجاربه باتت تعطي نتائج إيجابية مذهلة. وهكذا قد يتمكن اثيودار من تحقيق حلمه، حيث أنهى اثيودار تجاربه الطبية على هذا المصل، و أصبح الآن جاهزا لدمجه مع الحيوان المنوي ومن ثم تلقيحه إلى البويضة. وكل ما تبقى على اثيودار هو إختيار الزوجة المناسبة، كي يستطيع تلقيح البويضة و يحدث الحمل لينجب طفل ذو قوة شيطانية كبيرة على حد ظنه.

بعد مرور خمسة وثلاثون يوم أتى نفس الرجل العجوز الذي أخذ منه اثيودار المصل، وقد كان متعافيا تماما. جلس مع اثيودار لبضع الوقت، وقد كان يعرف كل ما يفعله اثيودار، حيث أن هذا الرجل العجوز قام بالتعريف بنفسه لاثيودار، وأنه الشيطان. و ان ذاك المصل الذي أخذ منه إذا ما دمج بشكل طبي صحيح مع الحيوان المنوي فإنه سينجب طفلا شريرا جدا، و سيقوم بقتل أمه أولا ومن ثم قتل والده اثيودار نفسه. وفي حين قتل اثيودار سيفصل المصل تلقائيا، و يبقى الطفل بعدها دون اب وأم. وان التجربة ستؤدي بالفشل وموت اثيودار.

و لكن إذا لم يتمكن هذا الطفل من قتل اثيودار فأن قوته تزداد كلما طال الوقت، وأنه سيصبح طفلا شيطاني إرهابي يفتك بالناس ويلقي الرعب في قلوبهم حتى يتمكن من الوصول الى والده اثيودار، ففي كل عمله إرهابية يقوم بها ستزيد قوته أكثر، و أن على اثيودار أن يكون بعيدا عن هذا الطفل، لأن هدفه الأول و الأساسي هو قتله، وأن هذا الطفل سيتعرف على والده اثيودار عن طريقة حاسة الشم. أي بمعنى أنه يشتم رائحة والده من بعد، ضمن ظروف معينه، لذلك يجب على أثيودار بعد تلقيح البويضة وحدوث الحمل الهرب عنه. فإذا ما تمكن من اثيودار فإنه سيقتله وينتهي الأمر بالنسبة لاثيودار، ولهذا الطفل أيضا.

ولكن وعلى حد قول الشيطان لاثيودار فأن هناك مخرج كبير من هذا المأزق الا وهو أن هذا الطفل يحب أن يولد بالحلال أي بالزواج الصحيح، فإذا ما أنجب بالزواج الصحيح يمكن السيطرة عليه و دون الحاجة للهروب عنه. و بذلك يكون اثيودار قد نجح بالتجربة ليحقق بعدها ومن خلال هذا الطفل حلمه. أما إذا ما أنجب بالحرام فيجب على اثيودار الهروب عنه.

أضف إلى ذلك وفي حالة ان الطفل كان بطريقة غير شرعية أو عن طريق زواج محرم فأنه سيكون ذو ارتباط فكري كبير وغير دائم مع والده اثيودار، وهذا ما نسميه بـ "الانقلاب الفكري المؤقت" حيث أن هذا الطفل في بعض الحالات يأخذ فكر والده وجبنه، و والده اثيودار سيأخذ قوته، ولكن دون ان يستطيع التحكم بها. وحتى تعود القوة إلى هذا الطفل يجب على الطفل الزواج من فتاة و إنجاب طفل أخر ليعود لقوته، و سيستمر بالبحث عن والده اثيودار من أجل أن يقتله، وهذا كله في حالة هروب اثيودار عنه مع ابقاء التحكم بالطفل عن بعد من خلال الفكر.

لم يصدق اثيودار كلام الشيطان، رغم أن الشيطان هذه المرة كان صادقا فيما يقول، و إن كان من الكاذبين. ولكنه أخذ بمضمون كلام الشيطان، ولم يتخلى عن حلمه، والذي من الواضح من كلام الشيطان بأن الطفل إذا ما أنجب بطريقة شرعية وزواج صحيح يمكن السيطرة عليه، وهذه نقطة لصالح اثيودار كما اعتقد. لذلك يجب على اثيودار الارتباط شرعيا بفتاة أرستقراطية و مرموقة، وذات حسب ونسب، بعكس والدته سونيا التي لا يعرف لها أصلا.

لقد أدرك اثيودار بأن تلك الفتاة قد تكون سوفيا ابنة المسؤول الكبير الذي اغتاله شقيقها، حيث كانت تتردد عليه كثيرا، وكانت تحبه كثيرا، و ان اثيودار كان يعلم بمشاعرها تجاهه، الى جانب ذلك انها تنطبق عليها المواصفات المطلوبة للأتمام التجربة.

تقرب اثيودار من سوفيا كثيرا و أشعرها بحبه لها، لتتعلق به أكثر. ليقوم اثيودار بالتقدم لطلبها للزواج، و بالطبع وافقت سوفيا على الفور بالزواج منه. رغم أن شقيقها الاكبر والوحيد كان يعارض هذا الزواج، لكون أن أصل اثيودار غير معروف بالنسبة لعائلته، كما و أن اثيودرا يكره المسؤولين، وشقيق هذه الفتاة هو الآن مسوؤل كبير حل مكان والده ، و لكن حلم اثيودار وتحقيقه كان أكبر من هذا كله.



تزوج اثيودار من سوفيا، رغم ممانعة شقيقها لهذا الزواج، اذ اعرب عن ذلك بعدم حضورة حفل زواجهما. وتخليه عن شقيقته سوفيا. لتمر الأيام والأشهر بعد زواج اثيودار من سوفيا دون أن يفكر بإنجاب طفل، وذلك لعدم اكتمال جاهزية المصل بعد دمجه بالمثبتات والخلايا البشرية المأخوذه من دماغ اثيودار، فهو بحاجة الى عام كامل حتى تكتمل جاهزيته وفقا لما تقوله تجربة اثيودار.

كانت الحياة الزوجية بين اثيودار وسوفيا مليئة بالسعادة والفرح. فقد كانت سوفيا تشعر بأنها أسعد فتاة بإرتباطها باثيودار، ولكن اثيودار لم يغب عن ذهنه أبدا ذلك الحلم لإنجاب طفل يمتلك قوة شيطانية كبيرة، ويستطيع به تحقيق أحلامه، والانتقام لأمه سونيا، ولو كان ذلك بهلاك البشرية بأجمعها. فهو يرقب مرور الساعات بفارغ الصبر لذلك.

مضى عام كامل، وأصبح المصل الآن جاهزا لحقنه في الوريد الدموي لاثيودار حيث سيندمج تلقائيا مع الحيوان المنوي حين افرازه لتلقيح البويضة الأنثوية لدى سوفيا الزوجة المختارة والمرتبط بها شرعيا. ولكن يجب أن تكون هذه الليلة التي يتم بها التلقيح ليلة مثيرة ***يا.

ولكن كيف؟ .....


تذكر اثيودار تلك الغرفة التي كانت والدته سونيا تقيم بها علاقاتها ال***** مع المسؤولين، و تلك الجرائد والقنديل. لذلك قام بتفريغ غرفة في المنزل وفرشها باوراق الجرائد، و أحضر قنديل زيت و وضعه فيها. استغربت سوفيا كثيرا من فعل اثيودار، ولكنه أقنعها بأنها ستكون ليلة ***** مثيرة و مليئة بالمتعة.

تم تجهيز الغرفة على أكمل وجه، و جهز عشاءا فاخرا، و قد لبست سوفيا اجمل لباس لها في تلك الليلة. و رغم أن سوفيا كانت خائفة من تلك الليلة، لكنها لم تظهر إهتماما كبيرا لذلك، وكان هدفها هو إشعار زوجها اثيودار بالحب.

أقبل المساء وكان اثيودار قد حقن نفسه بذلك المصل الشيطاني، حيث بدا أكثر قوة مما كان عليه من قبل، و شعر بإحساس غريب جدا لم يسبق وأن شعر به.

تناول اثيودار وسوفيا العشاء قبل الجماع، وجلسا قليلا يتبادلان حديث العشق والغرام، ثم اصطحب اثيودار سوفيا إلى تلك الغرفة، التي تم تجهيزها وفرشها بورق الجرائد . وبدأ الاتصال ال***ي حيث استغرقت عملية الجماع وقت طويل، وكانت ممتعة جدا، ولم يسبق أن شعرا بمثل هذا الشعور. ولكن هنا ما يلفت الانتباه، وهو أن اثيودار لم يكشف عن صدر (نهدي) سوفيا ولم يفكر بذلك. كما أن سوفيا كانت وكأنها نسيت كشف صدرها لاثيودار، كما كانت معتادة في كل عملية اتصال ***ي معه.
كان الاتصال ال***ي بينهم يتسم قليلا بالعنف و بعض الرومنسية الموجعة، لحين لحظة خروج المني من صلب اثيودار، ليزداد ألم سوفيا وتصرخ بصوت مرتفع جدا. وفي أثناء ذلك يسمع كل من اثيودار وسونيا صوت صراخ طفل يملأ الغرفة بأكملها، ولكنهم لم يروه. مما أخافهما كثيرا.

ملأ الصمت والخوف قلبهما، لتنظر سوفيا فتجد الدم قد غطى فرجها وكأن الان قد فض غشاء بكارتها، فغادر الاثنان هذه الغرفة على الفور.

حدث التلقيح للبويضة كما خطط له اثيودار، ونام الإثنان و هما يشعران بالخوف. وفي الصباح إستيقظ كل منهما وهما يشعران بنشاط كبير، و راحة لا توصف. مر اليوم تلو الآخر، و الأمور على ما هي عليه، إذ كان اثيودار يتابع وبإهتمام حالة سوفيا. لحين مرور شهر كامل، وذات ليلة قامت سوفيا وهي تصرخ في الليل و بأعلى صوتها، وقد كانت تتألم من معدتها، وأن هناك شيء كبير يتحرك في معدتها. ليقوم اثيودار على الفور بإجراء الفحوصات اللازمة لها، ليتبين أن سوفيا حامل في الشهر الأول.

الغريب في الامر أن سوفيا لم يبدو عليها أي من مظاهر الحمل التي تظهر لدى كل النساء، مثل القيء والشعور بالدوار وغيره من أعراض الحمل المعروفة. كما وأن تلك الليلة التي صرخت فيها كانت قد حلمت حلما غريبا وهو انفجار ضخم جدا كانت هي أول ضحاياه، فأخبرت اثيودار بما حلمت به، ليبتسم حينها اثيودار، إذ كان على ثقة بعض الشيء بأنه قد تمكن من إنجاح تجربته. لذلك طلب من سوفيا النوم والراحة، وأن تخبره بكل ما قد تراه، و أخبرها أنه سعيد جدا بحملها.

في نهاية الشهر الثاني تستيقظ سوفيا من نومها وهي مرعوبة أيضا، إذ أنها رأت مناما أكثر رعبا من منامها الأول الذي رأته في شهرها الأول من الحمل. فقد رأت أن شقيقها يعلق على المشنقة دون أن يشنق، ليأتي طفل صغير و يقوم بتمزيق جسده وتقطيعه إلى أجزاء.

أخبرت سوفيا حلمها الغريب لاثيودار، ابتسم اثيودار وحاول أن يطمئن سوفيا، وهو مقتنع الآن أن تجربته تسير في مسارها الصحيح، وأنه سينجب طفل يسمى الطفل المعجزة بالنسبة له، و قادر على تنفيذ كل ما يطلبه منه.

في الشهر الثالث من الحمل تستيقظ سوفيا من نومها على حلم آخر غريب أيضا. إذ رأت في منامها صورة لمبنيين كبيرين يسقطان بلمحة بصر، و يقتل ألاف الضحا. كما أن ألاف الأطفال احتشدت حول مكان المبنيين القريبين من بعضهم، وهم يبكون. وقد كانت دموعهم باللون الأحمر، أي بلون الدماء. أخبرت سوفيا اثيودار بهذا الحلم ليشعر براحة كبيرة.



الشهر الرابع من الحمل استيقظت سوفيا بسبب حلم مرعب جدا ومخيف، إذ رأت في منامها صورة لرجل مسؤول يشبه والدها، يتم إغتياله بصورة مفزعة. إذ حلمت بثلاث قنابل تقوم بتقطيعه إلى أجزاء صغيرة، حيث أن الكثيرين ممكن كانوا بصحبته قد قتلوا أيضا. وكل هذا قد تم على مرأى من سوفيا وفي وضح النهار، حيث إحتشد الكثير من الناس ساعة اغتياله. و مثل كل مرة، قامت سوفيا بإخبار اثيودار ليقوم بتسجيل هذا الحلم هذه المرة، كما رأته سوفيا.

في الشهر الخامس من الحمل، وقبل مغيب الشمس بلحظات شعرت سوفيا بالنعاس، لتنام ساعتين، فيوقظها ألم شديد يعتصر أحشائها، لتملأ البيت بالصراخ، فيأتي اثيودار إليها مسرعا ليقوم بالكشف عليها.

إنه الوقت المناسب! وقت إعطائها الحقنة الأولى بعد الحمل من مصل الشيطان، كما هو مقرر في تجربته. و قد سمى هذه الحقنة بالحقنة المثبتة للحمل. و هي تمثل عنصر القوة الشيطانية في الطفل، فالتجربة أظهرت أن الزوجة في الشهر الخامس يجب أن تحقن بالمصل الشيطاني نفسه ولكن ليس الذي دمج بالحيوان المنوي انما ما دمج بنقطة واحدة من الدماء اي دماء اثيودار.

التجربة تقول بأن المصل الشيطاني يعطى على ثلاث جرعات. الأولى تدمج مع الحيوان المنوي والتي تعطى في الوريد قبل عملية الجماع وتلقيح البويضة الأنثوية، وهي التي تعمل على إكساب الطفل عنصر الاستقبال والتكوين الوراثي، وهي التي تعمل على نمو الجسد بشكل سريع وملفته للإنتباه. أضف إلى ذلك تكوين الإرتباط الحسي مع والده، فإذا ما توقف فكر والده أو مات، ينفصل المصل تلقائيا عن الطفل ويتلاشى، فيعود الطفل إلى حجمه الطبيعي وعمره الطبيعي.

أما الجرعة الثانية، تكون أثناء الحمل، إذ تسمى الجرعة المثبتة والتي تزيد قوة الطفل الى اضعاف مضاعفة، وتكمل الاندماج الفكري الشيطاني ما بين الطفل ووالده، فهذه الجرعة لا تخلط بالحيوان الملوي ولكنها تخلط أو تدمج بنقطة واحده من الدم تكون من دماء والده كما سبق ذكه من قبل ثم تحقن بها الزوجه اثناء حملها وفي الشهر الخامس بالوريد من اليد اليسرى لتقوم بالتثبيت، وتجعل الطفل اكثر قوه لكنه اقل عقلا أي بمعنى أنه ليس على قدر كافي من التفكير أو العقل، وهذا يعني فقط استقبال الأوامر الفكرية بشكل مباشر أو غير مباشر، ويقصد بذلك ان الطفل يتلقى الأوامر بطريقتين الأولى من والده مباشره والثانية تكون ناتجة عن الإنقلاب الفكري ما بينه وبين والده لمده بسيطة ولتوضيح أكثر أنه بين كل فتره وأخرى يصبح انقلاب فكري ما بينه وبين والده، فوالده يأخذ قوة الطفل لكن دون أن يستطيع التحكم بها، والطفل يأخذ فكر والده وجبنه وضعفة، ولا يمكن للطفل ان يعود إلى قوت ألا حين يتزوج وينجب طفل أو تحمل زوجته، ولكن دون ان ينسى أو يفقد ذلك الطفل أي أفكار من أفكار والده حين عملية الإنقلاب الفكري المؤقت البعيد، ليقوم بعد ذلك باستخدام أفكار والده مع قوته بعد رجوعها في علمية إرهاب كبيرة تمنحة القوة أكثر من قبل أو تزداد بحجم علمية الإرهاب، مع العلم ان فكره وعقل والديه يكبر اكثر، فإذا ما فشل الطفل بالتنفيذ فان قوته تتقلص وفكر والده أيضا.

ولا ننسى أن هذه الجرعة أو الحقنة من المصل وهي ما بعد الحمل، يجب ان يحقن بها الاب أيضا في نفس الشهر من حمل زوجته، ولكن ليس في الوريد أنما في العضل، مع أن التجربة تقول إذا ما حقنة الأم في اثناء حملها بحقنة المصل ذاك ولكنها مدموجة مع نقطة من الدم غير دم والد الطفل نفسة أي رجل أخر فأن الطفل لا يستطيع أن يقوم بتنفيذ أي من الأفكار أو الأوامر مهما كان، ولكنه يكبر بصورة غير طبيعية حتى يموت، لكون أنه لا يستطيع استقبال الأوامر أو الأفكار ألا من مصدر واحد فقط وهو المصدر الذي تم دمج المصل مع الحيوان المنوي له، فالأفكار والأومر الشيطانية يجب أن تكون من مصدر واحد ثم تتفرع لتصبح بعد عرضها سلوكا غير منظم يعتنقه الطفل، وبعد ذلك تتحول تدريجيا الى عادة متكرره يقوم بها الطفل بشكل مستمر أو يومي، حتى تتحول بعد ذلك إلى مبدأ والمبدا يقرر كيفية التنفيذ او التطبيق، ولكنها قابلة للتغير في ذلك الحين برغم أن عملية تغيرها ليست بالأمر السهل أو البسيط مثلما يتوقع الجميع، فهي بحاجة إلى وقت كبير جدا فاذا ما تركت تتحول إلي قيمة (القيم) والقيمة لا يمكن تبديلها أو تغيرها مهما كان، لذلك تبذل الروح مقابلها، وعلى هذا النحو فالأفكار في بادئ الأمر تعرض فقط، فاذا ما تقبلناها اصبحت سلوك والسلوك إلى عاده والعادة الى مبدأ، ومن ثم إلى قيمة والقيمة أعلى المراكز وتبذل الروح من أجلها، فحتى يتقبل هذا الطفل هذه الأفكار يجب أن تكون ملائمة له أي من نفس ال*** والقناعة التي توافقه، فوالده صاحب الحيوان المنوي هو الأكثر تطابقا معة كما وأنه الأساس الأول في زراعة هذا المصل الشيطاني فيه.

أما الجرعة الثانية ما بعد الحمل والتي تكون في الشهر الأخير من الحمل فهي الأكثر أهمية في هذه التجربة كلها على حد قول اثيودار، فهي التي تلتف بزمام الأمور وتبعث القوة والسيطرة فكريا على هذا الطفل ليتم تسيره فيما يريد والده أو صاحب المصل الشيطاني. فإذا لم يحقن الطفل بها تكون هناك كارثة إذ يصبح الطفل تحت الفكر الغير مباشر ضمن نهج وسلوك خطير يهدد حياته وحياة والده نفسه.

كانت سوفيا في هذا الشهر قد حلمت حلم غريب أيضا اذا حلمت بتفجير كنيسة كان قد اقيم بها حفل زواج وقد اصفرت عن قتل الزوجين وقتل العديد من الحضور وكانت أكثر الضحاية من الأطفال، مما بعث في نفسها الاشمئزاز والحزن كما وأنها رأت أثيودار في هذا الحلم، إذ كان يبتسم وكأنه راضي عما يحدث وقد قامة سوفيا باخبار اثيودار عن هذا الحلم الغريب، وان أحلامها اصبحت كلها كوارث ومصائب بشرية تفتك بالعالم اجمعه، لكن أثيودار جعل يبتسم أيضا ولم يبدي أهتمام كبير لهذا الحلم.



الشهر السادس من الحمل، و سوفيا ممددة على السرير شاردة الذهن، ومتعبة بعض الشيء. حاولت النوم وهي تتأمل نفسها على المرآة الموجودة في غرفة نومها من بعيد. وفجأة رأت على المرآة طفلا عملاقا، شكله مرعب و يمسك بيده سكينا ملطخة بالدماء، وخلفه الكثير من الأطفال. وقد كان هذا الطفل العملاق قد أجهز على جميع الأطفال في ثواني قليلة، وبعدها اختفى ذلك الطفل، مما أثار الخوف في قلب سوفيا كثيرا، وجعلها تنادي على اثيودار والذي كان مشغولا في تحضير الطعام في المطبخ.

يسرع أثيودار على الفور إلى سوفيا، لتخبره بما قد رأته على المرآة. ليحاول اثيودار تهدئتها حتى نامت. ليعود هو إلى المرآة، فيجد أن بقع من الدماء قد لطخت الجزء السفلي منها، فيمسحها بيده حتى لا تراها سوفيا. مما أقلق هذا الشيء اثيودار كثيرا، ولكنه كان على قناعة تامة بأن تجربته تسير في مسارها الصحيح.

لقد أصبحت الأيام تسير بسرعة البرق، لدرجة أن اثيودار وسوفيا لا يشعران بالوقت مطلقا. كان الشهر السابع من حمل سوفيا، هو أخف شهر عليها. إذ أنها لم تشعر بالوخزات المؤلمة التي كانت تشعر بها في أشهرها الأولى من الحمل. فقد زادت حيويتها، وكان اثيودار كثيرا ما يصحبها معه للتنزه. إذ وفي نهاية الشهر السابع من الحمل، كان قد صحبها إلى البحر وكانت سوفيا سعيدة جدا بذلك. حيث جلسا على الشاطئ يستمتعان بمنظر البحر و أمواجه، وتلك السفن التي ترسي كالحمام على ميناءه. والأطفال يلعبون على الشاطئ ويبنون قصورا من الرمال. هذا و أن الشمس كانت تبدو أكثر إشراقا وجمالا، وبعض من الغيوم القطنية تبدد حرارة الشمس.

شعرت سوفيا حينها بالنعاس لتنام على صدر اثيودار. لحظات حتى تستيقظ سوفيا بفزع من نومها، حيث أنها حلمت حلما مرعبا، إذ أنها رأت أن جميع الأطفال على هذا الشاطئ قد ابتلعهم الموج، وكان ذلك بسبب طفل كان يقوم بثقب السفن التي رست على الميناء، فتغرق تلك السفن وجميع من عليها. وقد كان هذا الطفل هو نفسه الطفل الذي رأته في المرآة في شهرها السادس.

استيقظت سوفيا على الفور لتحمد لله على أنه كان حلما فقط. نظرت إلى اثيودار ثم نهضت على الفور من جانبه. استغرب اثيودار من ذلك كثيرا، و بدأ ينادي عليها: "إلى أين يا سوفيا؟" توقفت سوفيا فجأة، وعادت إلى اثيودار. فسألها عن السبب الذي جعلها تنهض مسرعة هكذا، فصمتت قليلا ومن ثم قالت له: "لا شيء يذكر". و من ثم أخبرت اثيودار بحلمها، و الغريب في الأمر، أن سوفيا لم تخبر اثيودار أنها حينما استيقظت من نومها بعد الحلم المفزع، وبعد أن نظرت إلى اثيودار، لم تستطع أن تعرفه، فقد كان على هيئة مخلوق غريب وقبيح. وهذا سبب خوف سوفيا منه، والذي جعلها تهرب ومن ثم تعود لتجد أن اثيودار قد عاد لشكله الطبيعي. فاعتقدت أن ما رأته كان نتيجة تأثرها بحلمها الذي رأته.
عاد اثيودار وسوفيا إلى البيت ليجداه مقلوبا رأسا على عقب، و دون أن يسرق منه شيئا على الإطلاق. أخاف ذلك اثيودار كثيرا، وسوفيا كذلك. ولم يعرف حينها الفاعل، وما الذي كان يريده من اثيودار.

قرر اثيودار الرحيل من هذا البيت، ليعود إلى بيت أمه سونيا في تلك العمارة المكونة من خمسة وخمسين طابقا. وقد كانت شقة والدته في الطابق الثالث عشر. وافقت سوفيا على قرار زوجها بالرحيل، وقامت بتحضير حقائبهم للرحيل من بيتهم إلى بيت سونيا والدة اثيودار.

و بالفعل رحل اثيودار وسوفيا إلى شقة والدته، وقاما بتجهيزها وتنظيفها. وعلى الرغم من أن سوفيا حينما علمت أن الشقة موجودة في الطابق الثالث عشر تشاءمت كثيرا، لأن هذا الرقم يعتبر رقم الموت، و لكنها مجبرة على أن تسكنها نتيجة لما حدث في شقتهم، أضف إلى ذلك أن البيت مثير للاشمئزاز كثيرا.

قلق اثيودر مما حدث في شقته، وكان كثير التفكير به، وبمن كان وراء ذلك. فاثيودار بطبيعته جبان جدا، وما حدث معه زاده جبنا وخوفا. وكانت سوفيا تشعر و كأنها تعلم من فعل ذلك، ولكنها لم تطلع اثيودار على ذلك و اخفت عنه هذا الشعور. وهذا هو ما جعلها توافق على الفور بالرحيل إلى أي مكان آخر.


قام اثيودار بتأجير الشقة على الفور لزوجين قد تزوجا حديثا، وقد كان يتابع أخبارهما باستمرار، ويتردد لزيارتهم كثيرا، وكأنه ما زال يسكن تلك الشقة. وفي ذات يوم وبينما هو ذاهب لزيارة أولئك الزوجين، وقبل وصوله بلحظات، حدث انفجار كبير في تلك الشقة لينتج عنه موت الزوجين، وتحطيم المبنى عن بكرة أبيه. فاجأ هذا الشيء اثيودار كثيرا، حيث اعتقد أن المقصود من ذلك الانفجار هو و زوجته سوفيا.

شغل هذا الموضوع فكر وتفكير اثيودار كثيرا ، وبقي يحاول معرفة ما الذي يريده منه هذا الفاعل، فكل هذه الأحداث زادت الخوف في قلب اثيودار.

أخبر اثيودار سوفيا بما قد حدث بمنزلهم القديم، و أنه قد تم تدميره بالكامل. خافت سوفيا كثيرا، و لكنها لم تخبر اثيودار بحقيقة الأمر، و أن المقصود من وراء ذلك هي سوفيا و ليس اثيودار.

ذات يوم رجع اثيودار من عمله إلى البيت باكرا، و لم يجد سوفيا في البيت. خاف كثيرا من ذلك، فأتصل بها على هاتفها المحمول، ليجد أنها نسيت هاتفها في البيت، ولم تأخذه معها. بدأ اثيودار يبحث عنها في كل مكان، و اعتقد أنها ذهبت إلى رفيقتها لونا، وهي الصديقة الوحيدة لسوفيا والمقربة بها كثيرا. فاتصل بها ليسألها، ولكنها أخبرته بأنها لم ترى سوفيا منذ مدة.

أقلق هذا اثيودرا كثيرا، و لكن كلها لحظات حتى عادت سوفيا إلى البيت. إرتاح بال اثيودار وهدأت ظنونه، وسألها على الفور أين كانت؟ لتجيبه بأنها ذهبت للتسوق وشراء بعض احتياجات البيت. كان اثيودار ما يزال ثائرا لما حصل، فصرخ بوجهها ألا تكرر ذلك مرة أخرى.

بقي اثيودار قلقا من خروج سوفيا، فهو يشعر بأنها تكذب عليه، مما زاد من خوفه. دخلت سوفيا إلى غرفتها وهي تبكي، فاثيودار لأول مرة يكلمها بهذه الطريقة. ونامت تلك الليلة وهي حزينة وخائفة.

نامت سوفيا في تلك الليلة لوحدها في غرفتها، ونام اثيودار في الصالون وهو يفكر بأشياء كثيرة، والخوف قد ملأ كل أجزائه. وفي منتصف الليل استيقظت سوفيا وهي تصرخ بصوت مرتفع. إنه الشهر الثامن من حملها، و قد رأت هذه الليلة حلما مرعبا جدا، وقد أخافها كثيرا.

ركض اثيودار على الفور لغرفة سوفيا، ويحتضن سوفيا بين ذراعيه، ويحاول أن يهدئ من روعها. و بعد أن هدأت قليلا، سألها عما حدث، فأخبرته سوفيا بأنها رأت نفس الطفل العملاق الذي تراه كل مرة، وقد رأته يقتل اثيودار بطريقة غريبة، إذ أن هذا الطفل قام بثقب رأس اثيودار بأنيابه الحادة، وامتص دماغه، ليسقط على الأرض ويموت.

انزعج اثيودار من هذا الحلم كثيرا، وبدا الخوف عليه. لاحظت سوفيا ذلك، و حاولت التخفيف عنه، فبدأت تمازحه محاولة أن تنسيه قصة الطفل لعله ينسى خوفه. ولكن اثيودار عاد ليفتح موضوع البيت من جديد وما حصل به، وأن هناك من يلاحقه، ولكنه لا يعلم من هذا الذي يحاول قتله.

أدركت سوفيا أنها لا بد و أن تخبره بحقيقة الأمر، ومن هو هذا الشخص الذي يحاول قتلها وليس قتل اثيودار. وفعلا أخبرت سوفيا اثيودار بالحقيقة، وأن من قام بتفتيش البيت وتدميره هو شقيقها الأكبر، إذ أن سوفيا أخذت بعض المستندات المهمة والخطيرة، والتي قد توقع بشقيقها وتوصله إلى السجن. وسبب أخذها لهذه المستندات هو خوفها منه، فهو قد قام بقتل والدها، و ليس مستبعدا أن يحاول قتلها هي أيضا. لذلك أخذت هذه المستندات لتضمن حياتها. و هي اليوم عندما خرجت من البيت كانت عنده، وقد أعادت له تلك المستندات، وطلبت منه أن يتركها وشأنها، وقد وعدها بذلك وأخبرها أنه لن يعترض طريقها أبدا.

ضحك اثيودار حينها، و نظر إلى سوفيا نظرة غريبة بعض الشيء، مما جعلها تسأله عن سبب ضحكه. فأخبرها بأنه لا سبب لها، و بدأ يعاتبها لأنها لم تخبره بحقيقة المستندات، وأخفت عنه ذلك. فأجابته بأن هذا الأمر كان منذ زمن طويل، ومن قبل زواجهم. و قد أخفت هذا الشيء خوفا منها على حياتها، و لكن حينما تزوجت من اثيودار أصبحت تشعر بالأمان، و أن هذه المستندات قد تدمر حياتها إن بقيت معها، وسيستمر شقيقها بالبحث عنها ليقتلها، لذا قامت بإرجاعها له، وأخذت وعدا منه بأن يتركها وشأنها. وهذه هي كل القصة، وأنه لا أحد يعلم بسر هذه المستندات غير صديقتها لونا، وقد كانت تخفي هذه المستندات معها. وقد أخفت أيضا لديها نسخة عن تلك المستندات التي أعادتها لشقيقها، وذلك حرصا منها من مكر شقيقها.ليصمت اثيودار حينها و يسرح بخياله. فقد اعتقد اثيودار بأن الشيطان كان هو من فعل ذلك، و أنه يريد ما بقي من المصل كي يفشل تجربته ويفقده السيطرة على طفله. فكما نعلم بأن الحقنة الثالثة بعد الحمل هي الحقنة المسيطرة، ويجب أن تحقن بها سوفيا في الشهر التاسع من حملها لتكتمل التجربة، ويحصل على الطفل المعجزة ويتحكم به.

ارتاح اثيودار كثيرا مما سمعه من سوفيا، وهدأت روعته. لكنه كان خائفا من حلم سوفيا كثيرا، وشعر أن هناك خطأ لا يعرفه، ومع ذلك كان مقتنعا تماما من نجاح تجربته، وأن الوقت قد اقترب من تحقيق جميع أحلامه التي علقها على طفله.

كان اثيودار يحسب الأيام المتبقية لقدوم طفله، يوما بعد يوم. وكان شديد السعادة من اقتراب الموعد. ولزم البيت مع سوفيا، وكان يتابع حالتها باهتمام شديد، إذ لا يدع سوفيا تقوم بأي فعل، لأنها بحاجة للراحة التامة، حيث لم يبقى إلا شهر واحد فقط على الولادة.

سوفيا كثيرة السعادة في اخر شهر من الحمل، حيث شعرت براحة كبيرة خلال هذا الشهر، إذ أنها لم تشعر بالألم مطلقا. كما أنها تستطيع الحركة بحرية ودون أن تشعر بالتعب، وهذا دليل بأن تجربة اثيودار على وشك النجاح.

كانت سوفيا تحب والدها كثيرا وتتذكره باستمرار، وسيكون في منتصف الشهر التاسع من حملها هو يوم ذكرى مقتل والدها ووفاته. وقد كانت تريد زيارة قبره، و طلبت من اثيودار أن يصحبها لزيارته. وافق اثيودار على طلبها، واخبرها لتجهز نفسها ليذهبوا.

بالفعل حضرت سوفيا نفسها ولبست معطفا اسودا كان والدها قد أهداها إياه في عيد ميلادها. وكانت تبدو رائعة جدا وهي ترتديه، وقد لاحظ اثيودار ذلك. ولكن مهلا! اثيودار يرى في معصمها سوارا غريبا جدا، إنه نفس السوار الذي بحوزته، والذي أعطته إياه أمه سونيا قبل وفاتها، و أخبرته بأن والده هو من أتى به إليها. و أن هناك سوار آخر مماثل له بحوزة والده، وأن اثيودار يمكنه التعرف على والده من خلال ذلك السوار. لذلك اعتقد اثيودار حينها بأن، سوفيا قد أخذت السوار من خزانته. فطلب منها أن تنزعه، و أخبرها أن ليس لها الحق في ارتداءه لأنه من والدته. استغربت سوفيا كثيرا من كلام اثيودار، فهذا السوار هدية والدها لها، وليس سوار والدة اثيودار.


ذهب اثيودار على الفور إلى خزانته، ليجد السوار مكانه. إنها كارثة حقيقية بالنسبة لاثيودار، فهذا معناه بأن سوفيا شقيقته! لا، فوالدة اثيودار أخبرته بأن والده قد قتل ليلة رأس السنة.

ما الذي يحدث؟

اثيودار لم يفهم شيء، وسوفيا أيضا مستغربة كثيرا. ذهب اثيودار ليحضر تلك المحفظة، و أخرج منها صورة والده، لتراها سوفيا وتقول بأن هذه الصورة لوالدها. فسألته من أين حصل عليها، فأصيب اثيودار بذهول و بخيبة أمل كبيرة، فالطفل الذي تحمل به سوفيا، هو طفل حرام. وهذا معناه أن هذا الطفل سيقوم بقتله كما اخبره الشيطان من قبل، وهنا التجربة أخذت نهجا آخر و أبعاد أخرى على غير ما كان يتوقع.

لم يخبر اثيودار سوفيا بأي شيء، و تظاهر بأن هذه الصورة قد وجدها في المحفظة، و السوار أيضا، لا يعرف صاحبه، وحينما شاهد السوار بيدها تفاجأ، ولذلك سألها عنه، وكيف حصلت عليه؟ وأن صاحب هذه المحفظة والسوار هو والد سوفيا.

لم تصدق سوفيا ذلك حينها، لأن اثيودار اخبرها أن السوار لأمه. و أنها أهدته إياه قبل موتها. تظاهر اثيودرا حينها بأنه يمزح معها، و أنها مداعبة منه. تفاجأت سوفيا من هذا وشعرت بأن اثيودار يخفي عنها سرا كبيرا، ويجب عليها معرفته ولكن ليس الآن.
انطلق اثيودار وسوفيا إلى المقبرة لزيارة قبر والد سوفيا. و أثناء الطريق بقي اثيودرا سارحا في خياله، وكأنه لم يعد يستطيع السيطرة على عقله.

وصل الزوجان إلى المقبرة، نزلت سوفيا وكانت تمسك بيد اثيودار. و حين وصلوا إلى قبر والدها، قرأ اثيودرا الأسم المكتوب على القبر، "رود مايكل شن" إنه اسم والده. فقد أخبرته أمه بأن اسم والده "رود"، وهذا كل ما تعرفه من اسمه. لكن الآن قرأ اثيودار اسم والده بالكامل.

كان هذا بمثابة كارثة حقيقية لاثيودرا، أحبطت كل آماله وطموحاته. امتلأت عيناه بالدموع فاستغربت سوفيا من بكاء اثيودار، و اعتقدت بأنه يشاركها حزنها على والدها. لذا كانت سوفيا سعيدة بزوجها الحنون جدا، وقد قامت بتهدئته ومواساته. أذ كان هذا المنظر غريبا للغاية. لحظات حتى انصرفا وعادا للمنزل. لم يتكلم اثيودرا حينها مع سوفيا، والتزم الصمت والتفكير بخوف قاتل . (ما الحل؟)

بعد تفكير طويل أدرك اثيودار أن الحل هو أن يهرب ويبتعد عن سوفيا، ويراقب الطفل من بعيد. فالسيطرة هنا تكون عن بعد وعبر الانقلاب الفكري الغير مباشر فقط. فإذا ما عثر هذا الطفل على اثيودار فإنه سيقوم بامتصاص دماغه وقتله، وهذا الشيء أكده حلم سوفيا الأخير. كما وان اثيودار لم يستسلم بعد، وسيبقى وراء حلمه مهما كان.
اقترب موعد ولادة الطفل ويجب على اثيودرا المغادرة، وبالفعل هرب اثيودرا عن سوفيا قبل موعد الولادة بستة أيام. تفاجأت سوفيا كثيرا من اختفاء اثيودرا، وبقيت تفتش عنه في كل مكان. و خافت كثيرا أن يكون قد أصيب بمكروه، أو أنه قتل. وهي الآن بأمس الحاجة إليه. اتصلت مع صديقتها لونا و أخبرتها بان تقوم بالبحث عنه، فسوفيا لا تستطيع ذلك، لكون موعد ولادتها قد إقترب. كما وطلبت من لونا أن تمكث بجوارها لحين الولادة.

شغل غياب اثيودار فكر سوفيا كثيرا، إذ كانت لا تنام الليل وهي تفكر بما حل باثيودار، وإن هوعلى قيد الحياة أم لا.

كانت سوفيا تراقب هاتفها في كل حين لعله يتصل بها. في حين أن صديقتها لونا كانت قد سألت عنه في كل مكان، لكنها لم تجد له أي أثر.

بقي خمسة أيام على موعد الولادة ولكن سوفيا لم تشعر بأية أعراض لاقتراب ولادتها، و لم تصبها وخزات وطلق ما قبل الولادة مطلقا كبقية النساء. بل بالعكس، فهي تشعر براحة تامة وكأنها ليست في الشهر الأخير من حملها.

حجزت لونا لسوفيا في المستشفى، وقامت بتحضير أغراضها لتأخذها إلى المستشفى من أجل الولادة. وبقيت لونا بقرب سوفيا تنتظر معها موعد الولادة، وتقوم بخدمتها على أكمل وجه.

قبل الولادة بيوم واحد يقرع جرس الباب، فتفتح لونا لتجد أن مايك شقيق سوفيا قد جاء لزيارة شقيقته، والاطمئنان عليها. قامت لونا بإدخاله إلى البيت، وذهبت تستدعي سوفيا. وصلت سوفيا لغرفة الجلوس لتتفاجأ بشقيقها وبحضوره إلى بيتها، فهو أبدا لم يأتي لزيارتها منذ زواجها. ولكنها اعتقد للحظة أنه قد يملك معلومات عن زوجها اثيودار.

جلست مايك مع شقيقته سوفيا وكان في وضع طبيعي حينها. شعرت الصديقة لونا بان بقائها قد يسبب لهما الإحراج، فتظاهرت بأنها تريد الذهاب لشراء أغراض من السوق، و أنها ستعود بعد ساعة. لتذهبت لونا تاركة سوفيا وشقيقها لوحدهما.

لم يكن هناك سبب معين قد دفع مايك لزيارة سوفيا. كانت سوفيا خائفة بعض الشيء من مايك، فسألته عن سبب زيارته لها. فأخبرها مايك أنه اشتاق لها، و أراد الاطمئنان عليها، وخصوصا أنه عرف بأنها حامل، وقد إقترب موعد ولادتها. و سألها مايك عن زوجها اثيودار، و أين هو الآن؟ انه لا يراه،

صمتت سوفيا قليلا، ثم أخبرته أنه في عمله الآن وسيعود في المساء. كان مايك يحاول إصلاح الأمور بينهما، وقد سأل عن اثيودار لأنه يريده في موضوع مهم بخصوص العمل. حيث أنه كان يريد من اثيودار أن يعمل معه.


تأكدت سوفيا حينها بأن شقيقها مايك لا يعلم شيئا عن اثيودار، لذا أخبرته بأنها ستخبر اثيودار عن زيارته. وفي أثناء حديثهما شعرت سوفيا بوخزات قوية في أسفل بطنها، و كأنها ستلد. لحظات حتى استلقت سوفيا على الأرض. فخاف مايك جدا ولم يعرف كيف يتصرف. طلبت سوفيا من شقيقها كأس ماء، فذهب مايك على الفور ليحضره لها، وبعد أن عاد رأى سوفيا وهي تلد لوحدها، ودون أي مساعدة.

بقي مايك يراقب بشغف عملية الولادة، وقد ملأ الخوف قلبه. إذ كانت عملية الولادة مرعبة كثيرا، قد تغير لون وجه سوفيا، وبدأت الدماء تغطي أرجلها بشكل غير طبيعي، وكان الطفل يخرج لوحده. لحظات حتى أخرج الطفل يداه الأولى ومن ثم رأسه، وبقي يقاوم حتى خرج بأكمله. كانت سوفيا تتألم كثيرا وتشاهد ما يحدث امام عينيها، وما يلفت الانتباه هنا أن الطفل حينما خرج وقف على رجليه، و قد كان شكله مرعب وغريب جدا، تسكن الوحشية عيناه ويتحرك بحركات غريبة.

أغمي على سوفيا بعد ولادتها. وبدأ الطفل يلعق الدماء التي تغطيه، وكأنه ينظف نفسه بنفسه، و كان ينظر إلى مايك بنظرات مرعبة وغريبة، تثير الخوف والرعب داخل مايك. وبعد أن انتهى الطفل من تنظيف نفسه، نظر إلى أمه سوفيا، و التف حول رأسها ليقوم بكسر عنقها و قتلها. ليكبر هذا الطفل بعد قتل أمه بطريقة غير طبيعية، وفتح فمه على أوسعه.

كان هذا المشهد مخيفا للغاية، ليقوم الطفل بعد ذلك بقطع يد أمه و أخذ سوارها الفضي ليرتديه في يده. حينها لم يفعل مايك أي شيء، والتزم السكون والصمت وعدم الحركة من شدة الخوف.

بعد ذلك قام الطفل بالالتفاف حول مايك واشتم رائحته، ومن ثم أدار وجهه ليذهب إلى شرفة المنزل ويقفز من الطابق الثالث عشر ويختفي نهائيا.

خاف مايك كثيرا وهرب على الفور. وحينما وصل إلى السيارة رأته لونا، والتي كانت قد عادت من مشوارها، وقد لاحظت خوفه ورعبه.لتصعد لونا بسرعة إلى البيت، ودخلت لترى سوفيا غارقة بدماءها و قد قتلت. ولاحظت أنها قد أنجبت، ولكن الطفل غير موجود. فأيقنت بأن مايك قد قام شقيقته سوفيا، و أخذ الطفل. ولكن لونا لم ترى مع مايك أي طفل! إحتارت لونا وشعرت بالخوف كثيرا، وعلى الفور قامت بالإتصال مع الشرطة لتحضر على فورها.

وصلت الشرطة وقامت بأخذ البصمات، ولكنها لم تجد أية بصمات. كما وأن عملية القتل غريبة جدا لم يسبق أن تعاملت الشرطة مع شيء مشابه لها من قبل. فاستدعوا مايك على الفور، وأتى لينكر بأنه قد قام بقتل شقيقته سوفيا، أو أنه قد رأى من قتلها في وقت وجوده. لينتهي التحقيق ولم يثبت على مايك أي شيء، وقد قيدت جريمة القتل ضد مجهول.

قتلت سوفيا وبدأ الصراع الإرهابي الآن مع الطفل ووالده اثيودار. فالطفل الآن قد بدأ رحلته الإرهابية للبحث عن والده اثيودار ليقتله. وقد كان اثيودر لم يبتعد كثيرا لهذا الحين. و أن هذا الطفل يستطيع شم رائحته لتحديد مكانه. وكان اثيودار يعلم بذلك ويراقب رحلته من بعيد.

لتبدأ القصة الإرهابية مع الطفل المسمى هاب ووالده اثيودار ضمن الفكر الإرهابي وتطوراته والصراع التخريبي. فالعلاقة هنا الآن، علاقة فكرية وتحطيط وسيطرة.

فوفقا للسلوكيات الغير منظم والمتبعة والمتعددة نهجا وشكلا ومضمونا، وتطورات الارهاب وتفشيه السريع ما بين العالم، وعدم القدرة للتصدي له وكشفه في اكثره أن ما كان كله، يجب علينا التميز والعودة إلى السبب وليس المسبب فأن ما عرفنا السبب يسهل علينا ايقاف ومعالجة المسبب والسيطرة عليه، وأن كانت اسباب الأرهاب كثيرة ومتعددة ومتفاوتة في ما بينها "أصغر أو اكبر". لذلك نجد أن أكبر أسباب الأرهاب هو كيفية النشوء للفرد والأرتقاء بمعنى التربية والبيئة والزمان. أي مقدار ما يتلقاه الفرد من العناية والرعاية له في صغرة أو أهماله وتركه للحياة ومسبباتها وأستعماله من قبل النفوس الضعيفة التي تقوم على رعايته لتصنع منه رجل أرهاب يتلقى الأوامر ويقوم بتنفيذها.


إن العالم كله قائم على حرب فطيرة بشرية فلا تخلو دولة في هذا العالم من القتل والحرب ولو على مستوى الجماعات، وهو قانون الأرض ما يسمى: "من أجل البقاء" مما يجعل نسبة كبيرة من أطفال العالم تقع تحت كاهل الحرمان والتشرد والضياع. لتنساق بعد ذلك إلى هيمنة الأرهاب والنشوء تحت قبته والتماشي مع سلوكياته المحرمة شرعيا ودوليا. مما يصعب على المجتمعات كشف مخططاته وان كان يعيش وسطها. فتركنا للاطفال اليتامى و المشردة واللقيطة وعدم رعايتها منذ الصغر هو أكبر اسباب الأرهاب في عالمنا الصغير. فأطفل يكبر على ما يربى عليه "خيرا أو شر" فأن ما ترك متابعة ومراقبة للأستغلال من أصحاب النفوس الضعيفة والتي همها المال والدمار كان كارثة حقيقة على العالم فهذا معناه أن هذا الطفل سيربى على أفكارهم وينشئ عليها مما يصبح يعد ذلك سلعة رخيصة جدا تجلب لهم مال كثير أذا ما نثروها بين الناس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تابعوا أحداث الجزء الثاني من رواية "طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب" للكاتب العربي عماد العمرات حصريا على منتدى عبير

"طفل الشيطان تحت مس
مى الأرهاب"

رد مع اقتباس
قديم منذ /12-15-2015   #2 (permalink)

سعوطآليي
 
الصورة الرمزية سعوطآليي

عُضويتيّ 2
الجِنسْ man
مُشآركاتيَ 33,382
تـَمَ شٌـكٌريَ 9102
شكَرتَ 7584
حلاُليٍ 0
آلدوُلة السعوديه
هناَ سأكونُ facebook  flickr  tumblr twitter  youtube
SMS الجنون هو فعل نفس الشيئ مرارا وتكرارا وتوقع نتائج مختلفة

مزآجي
3

MMS
1

الأوسمة وسآم الألفيه 25 المركز الاول في فعالية ابل المركز الثالث بـ فعالية تفسير سوره مميز القسم الاسلامي مميز بقسم الطبخ مشارك بفعالية من وحي الصوره مميز بقسم بلاك بيري مميز القسم الرياضي مبدعين ريلاكسين 2015 معزوفات آنامل وسآم الرد آلخِورآفيُ وسـآم آلمدير آلرآقيُ اجمل بروفايل المركز الثاني تكريم دورة الفوتشوب للمبتدئين تويتر 



سعوطآليي غير متواجد حالياً
افتراضي رد: رواية طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب الرواية المرشحة لجائزة نوبل للأدب 2016


روايـــــــــــــــــــــــــــــة
طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب

مترجمة باللغة العربية


الجزء الثاني / الفصل الأول - (اليابان)

ـــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ

كان لهاب الطفل قوة كبيرة في شم رائحة والده اثيودار، حيث يرتبط هذا بطبيعة الرياح وتقلباتها في بعض الاحيان، كما أن هاب حتى يتمكن للرجوع إلى طبيعته وطفولته، يجب عليه العثور على والده وقتله فهذا ما أخبرت عنه تجربة اثيودار، وأكده ما قاله الشيطان له؛ لذا من الواجب على اثيودار أن يبقى بعيدا عن هاب. فاثيودار كان كثير الإصرار على تحقيق حلمه مهما كان الثمن. ولم يبقى لديه سوا السيطرة من بعد عبر الإنقلاب الفكري المؤقت الذي يحدث ما بينه وبين طفله هاب.

هرب اثيودار من مدينة الحب إلى مدينة بعيدة تسمى مدينة "مشرق الشمس أو (منبع) الشمس"(نيهون أو نيبون). وهي مدينة الحوسبة والتكنولوجيا العلمية. إذ عرف جميع سكانها بالذكاء والقدرة على الإختراعات والتميز العلمي. فهي مدينة منظمة جدا تحسب للوقت ألف حساب، وكأنها تقطع الوقت لا الوقت يقطعها. يسودها الفكر العلمي، والعلاقات المنظمة. تعمل على الأرقام أكثر من الكلمات. لم يتوقع لها قبل أكثر من عشرين عاما أن تثور بعلومها وتصل إلى هذه الدرجة من العلم والتكنولوجيا.

كان وصول اثيودار لهذه المدينة يعد بمثابة كارثة كبيرة، فمعنى ذلك أنه سيقوم بعملية إرهابية فيها، قد تؤدي بكثير من حياة الأبرياء إلى الموت والضرر. فقد استطاع الطفل هاب أن يشتم رائحة والده ليلحق به، ولكن مع وصوله يحدث الإنقلاب الفكري الأول له ليصبح الطفل ضعيفا جدا يتحرك بتعليمات والده وفكره دون فعل أي شيء.
كان اثيودار حينها يفكر بكيفية السيطرة عليه، ولكن دون أن يصاب هاب بأي ضعف فهو بحاجة لقوة هاب لا ضعفه، برغم أن ضعف هاب لمصلحة اثيودار، فهاب يبحث عنه لقتله، لكن اثيودار كان يبحث عن تحقيق حلمة لا حياته، ومن أجل تحقيق حلمه يجب أن تتضاعف قوة هاب إلى أضعاف مضاعفة.

أدرك اثيودار أنه لم يبقى له خيار غير خيار الإنقلاب الفكري، وأن يبقى بعيدا عنه، كما وأن ذهاب اثيودار إلى مدينة التكنولوجيا مقصودا على حد اعتقاد أثيودار، فقد اعتقد أن حلمه قد يكون هناك، وكان يعلم بأن هاب سيلحق به، وأنه حين وصوله سيحدث إنقلاب فكري شبة مؤقت، وأن هاب لن يقوم بفعل أي شيء إلا حينما يوحي له والده اثيودار بأن يتزوج وأن ينجب طفل، حينها تعود قوته له، فمن الواجب على هاب بعدها وبعد أن تعود قوته أن يقوم بتطبيق أفكار والده تماما، حتى تعود له قوه الشم وبعدها اللحاق بوالده والعثور عليه وقتله.

إن المسالة معقدة جدا، وتحمل الكثير من الألغاز ما بين هاب ووالده، وقتله، وما بين اثيودار وتحقيقه حلمه، وأيضا حياته، فالفكر هنا يلعب كل الدور بما قد يحدث ويدور ضمن دائرة ضيقة وواسعة في نفس الوقت.

كان هاب بعد وصوله إلى مدينة مشرق الشمس، وبعد الإنقلاب الفكري والضعف الشديد الذي ألم به يريد مكانا ليختبئ فيه حتى تعود قوته إلى سابق عهدها، وقد كان لا يعرف ماذا ألم به ولما هذا الضعف الذي ألم بجميع قواه، ولما فقد استطاعته على شم رائحة والده اثيودار، لم تكن مسألة سهلة بالنسبة له فقد شعر بالإحباط، ولكن هناك أفكار كبيرة تجول في عقله وهو أول مرة يشعر بقدرة عقلية عالية تكاد تقسم رأسه إلى نصفين.

يختبئ هاب في بيت أحد المسؤولين الكبار في تلك المدينة إذ قطن الطابق السفلي، وكان ينام في النهار ويبقى طوال الليل مستيقظا يشغل باله أفكار كثيرة مملوءة بالحقد والكراهية وأحلام أعظم من أحلام الخيال تشمل واقع الدمار بكل ما فيها، وكان كل ما يمضي به الوقت تزداد هذه الأفكار أكثر فأكثر.

في أثناء ذلك كان اثيودار يبحث عن حلمه في ضواحي هذه المدينة، إذ كان حلمة يقول أنه لا بد أن يكون هناك عملية دمار كبيرة تشفي غليله يكون هو مؤسسها والمسؤول عنها، ولكن أين؟ ومتى؟ وكيف؟ المسألة ليست سهلة كما هو متوقع فهي بحاجة إلى البحث والتفكير.

سكن اثيودار في فندق مشهور في المدينة وهو من الفنادق الضخمة والتي تمثل عظمة البناء لتلك المدينة، ورمزا كبيرا لسكانها، وكان قليل المكوث فيه إذ كان يتجول دائما في أزقة المدينة، وقد زار الكثير من معالمها وأثارها الجميلة، وقد قيل بأن هذه المدينة العلمية قد وقعت في ما مضى لأكبر كارثة عالمية أصابت أجزاءها ودمرت الكثير منها، ففي أثناء الحرب العالمية كانت هذه المدينة أكثر صلابة وقوة مما أدى لإلقاء عليها بقنبلتين نوويتين أهلكت قواها تماما، وأدت إلى استسلامها والرجوع بها إلى الوراء كثيرا، إلى غير ذلك من التشوهات الخلقية والأمراض التي تفشت بها إثر هذه القنابل الفتاكة التي تفتك بالعالم البشري بشكل جماعي.

هذا وعرفت القنبلة النووية أو السلاح النووي بـ "أنه سلاح تدمير فتاك يستخدم عمليات التفاعل النووي، حيث يعتمد في قوته التدميرية على عملية الإنشطار النووي أو الإندماج النووي؛ وناتج هذا أن انفجار قنبلة نووية صغيرة الحجم أكبر بكثير من قوة انفجار أضخم القنابل التقليدية حيث أن بإمكان قنبلة نووية واحدة تدمير أو الحاق أضرارا فادحة بمدينة بأكملها. لذا تعتبر القنبلة النووية أو الأسلحة النووية أسلحة دمار شامل، ويخضع تصنيعها واستعمالها إلى ضوابط دولية حرجة، مع أن السعي لامتلاكها يمثل هدفا تسعى إليه كل الدول".

استعملت القنبلة النووية أو السلاح النووي لأول مرة من العام 1945م حيث أطلقت اول قنبلة نووية "ذرية" على مدينة هيروشيما في السادس من أغسطس باسم كودي "الولد الصغير" من قاذفة القنابل بي-29 "إينولا جاي" والتي كان يقودها الكولينيل بول تيبيتس من السرب 393 من القوات الجوية الأمريكية. حيث تعتبر هذه القنبلة هي أول سلاح نووي يتم استخدامة. أضف إلى ذلك وبعد ثلاثة أيام تم إلقاء القنبلة الثانية باسم كودي "الرجل البدين" (Fat Man) على مدينة ناجازاكي.
علما بأن أول قنبلة نووية فجرت للتجريب كانت في صحراء الأموغوردو "Alamogordo" الواقعة في ولاية نيو مكسيكو في الولايات المتحدة وسميت القنبلة باسم القنبلة (أ) (A-bomb) حيث اعتبر هذا الإختبار بمثابة ثورة في عالم المواد المتفجرة والأسلحة المدمرة، وبهذه العملية فإن شكلا صغيرا بحجم كف اليد يمكن أن يسبب انفجارا تصل قوته إلى قوة انفجار تحدثه مئات الألاف من الأطنان من مادة "تي إن تي"

لقد تمكن شعب هذه المدينة العريقة التي تسمى "منبع الشمس، أو أرض الشمس المشرقة" (نيهون أو نيبون) من النهوض مرة أخرى على أقدامها والمضي قدما عبر مسيرة العلم والتكنولوجيا، اذ وصلت إلى قمة العلم والنظام وبناء نفسه بنفسه، وهذا بحد ذاته النجاح والصبر والمثابرة والعزيمة على البناء والتقدم، إذ أصبحت الأولى على العالم في صناعاتها وخصوصا التكنولوجية منها.

كان اثيودار يرى حلمه فيها، فقد زار الكثير من مدنها، وفي أثناء تجواله يعثر بصديق قديم له قد عرفه أثناء عمله في المستشفى الذي كان يعمل فيه في الماضي وهو "كاميكو" المعنى للاسم "طفل السلحفاة يعني العمر الطويل" لقد التقاه بطريقة الصدفة، إذ أن "كاميكو" عرف اثيودار على الفور في حين أن اثيودار قد نسيه تماما. فرح كاميكو بلقاء اثيودار كثيرا وقرر اصطحابه إلى منزله لتناول الغداء معه ومع أسرته.

هل يا ترى كانت صدفة؟!

لقد أصبح "كاميكو" مسؤولا كبيرا بعض الشيء وذا شأن ومكان مرموق، وما كان معروف عن "كاميكو" أنه رجل طماع جدا، وباستطاعته بيع أي شيء من أجل الوصول إلى السلطة والمال، وهذا ما أوصله إلى هذه الدرجة الرفيعة، والمرموقة. كما وأنه يحمل ذكاء كبيرا وقدرة على المراوغة والجدال.

قبل اثيودار دعوة "كاميكو" ورحب بها، وتحرك معه على الفور إلى منزله، إذ وفي أثناء الطريق يتبادلا الحديث عن الماضي وعن ما قد حصل في الحاضر وكيف ألت الأمور بهما ألان، وكان حديثهما شيق، إذ بدت السعادة والسرور على وجه كل منهما.

وصل "كاميكو" وضيفه اثيودار إلى المنزل وطلب كين تحضير الغداء لهما، كما وقام بتعريفه بعائلته وأطفاله، وكان منزل "كاميكو" من الخارج يبدو عليه في غاية من الجمال والعظمة، وأنه باهظ الثمن.

تم تجهيز المائدة، واجتمع الجميع على طاولة الطعام بصحبة الضيف العزيز اثيودار، كان الغداء عبارة عن (السوشي) وهي من المأكولات الشعبية ذات الطعم الفريد لسكان تلك المدينة وصحن من الارز.


كان هناك عصاتان يجب على اثيودار الأكل بهما. حاول اثيودار أن يقلد الأطفال وأن يأكل بتلك العصاتين لكنه لم يستطع فعل ذلك مما جعله أن يضع العصاتان في الصحن ويبتعد عن الأرز، مدعيا عدم رغبته بالأرز، ولكن الأطفال والجميع تشائموا من اثيودار، لأنه أبقى العصاتان في صحن الأرز، وهذا مدعاة للشاؤم على حد الإعتقادات السائدة لسكان المدينة.

عند الإنتهاء من الطعام قام اثيودار باستعمال عود تنظيف الأسنان، ولكن دون أن يضع يده الأخرى على فمه، وهذه أيضا عادة سيئة لدى سكان هذه المدينة، أن تستعمل عود تنظيف الأسنان دون أن تضع يدك الأخرى على فمك، فمن الواجب أن تضع يدك الأخرى على فمك حين استعمال عود تنظيف الأسنان.

بعد الغداء الفاخر جلس "كاميكو" واثيودار لشرب فنجان من الشاي والحديث عن سبب مجيء اثيودار إلى هذه البلاد، وفي أثناء الحديث قام اثيودار بتنظيف أنفه بمنديل ورقي أمام "كاميكو" وإلقاء المنديل في مكتة السجائر، مما جعل "كاميكو" يشمئز من هذه الحركة فهي أيضا عادة سيئة، إذ لا يجوز تنظيف انفك بمنديل ورقي أمام أي شخص، وهذا عيب ومدعاة للإشمئزاز. ومع ذلك فقد التزم "كاميكو" الصمت ولم يظهر لضيفه شيء.

أخبر اثيودار "كاميكو" عن سبب مجيئه وأنه يريد التنزه وإعطاء نفسه إجازة مفتوحة يتخلص فيها من عناء وتعب العمل، والتمتع بمناظر هذه البلاد العريقة. لكن "كاميكو" كان يشعر أن وراء اثيودار سر كبير، ولكن ما هو؟ هذا ما يتوجب على "كاميكو" معرفته، فقد تنوعت المواضيع بين "كاميكو" واثيودار إذ نزلا إلى الحديقة وهما يتحدثان وتناولا بعضا من الحلويات اللذيذه.

كان اثيودار كثير السعادة بالصديق "كاميكو" حيث إن اثيودار طلب من "كاميكو" أن يتعرف على أجزاء منزله الكبير والضخم، وبالفعل قام "كاميكو" باطلاعه على المنزل، اذ بداء بالمطبخ، وبعدها انتقل إلى غرف الأطفال وغرفة الزوجية والصالون الواسع، وكان البيت أكثر جمالا من الداخل إذا كان يحتوي على أربع غرف معيشة وصالون واسع ومطبخ وحمام فاخر، حيث تكثر في البيت السلالم فالغرف متفرقة عن بعضها.

لقد كان هناك طابق سفلي يحتوي على ثلاث حجر متفاوتة الحجم ما بين الصغيرة والكبيرة على نسق مثلث قائم الشكل إذ كان يستخدم لتخزين فائض المنزل وكملجاء في حالات الحرب، يتم النزول إليه عبر سلم خشبي طويل قائم النزول، وقد قام "كاميكو" بإطلاعه على هذه المخزن من فوق دون النزول، وقد لفت انتباه اثيودار هذا المخزن كثير مما أدى به للنزول إليه عبر السلم.

استغرب "كاميكو" من اهتمام اثيودار بهذا المخزن حيث إن اثيودار نزل إلى المخزن دون "كاميكو" ، وفي أثناء اطلاعه عليه رأى (هاب) نائما في الحجرة الصغيرة باتجاه الشرق، لم يتفاجاء اثيودار كثيرا فكان وكأنه يعلم بوجود هاب، نظر إلى طفله وهو نائم ثم ترك الطابق، ولكن هناك شيء غريب ففي أثناء صعود اثيودار على السلم الخشبي الذي ينزل إلى هذا الطابق وقبل وصوله إلى الأعلى قام بالضغط على الدرجة الرابعة من الأعلى بكعب قدمه ليحدث بها شعرا بسيط.

اثيودار يعتقد بأن الأقدار تساعده في حلمه الذي يسعى إليه. فالقصة الآن أخذت مأخذ الجد ولا تقبل لأي خطاء مهما كان، لأن الخطاء فيها يعني حياة اثيودار نفسه فهاب يبحث عنه من أجل قتله كي ينفصل المصل الشيطاني ويعود طفلا ينمو بشكل طبيعي ولكن دون أب وأم.

مضى هذا اليوم وكان يوما ممتعا وجميلا لاثيودار، إذ شعر بسعادة كبيرة. هذا وأن "كاميكو" قد طلب من اثيودار أن يمضي بقية إجازته عنده في المنزل ولكن اثيودار رفض وبإصرار، وذلك لوجود هاب في المنزل، فهاب يستيقظ في الليل وإذا ما كان اثيودار في المنزل كان باستطاعته شم رائحته لقربه، لذلك قرر هاب المكوث في الفندق، وأنه سياتي كل يوم لزيارته. هذا وإن "كاميكو" قد وعد اثيودار بأن يصطحبه لزيارة الكثير من الأماكن السياحية الجميلة التي تحويها المدينة، وقد رحب اثيودر بذلك وفرح كثيرا، فهو يريد معرفة كل شيء عن هذه البلاد حتى يتمكن من تحقيق حلمه.

في صباح اليوم التالي يتلقى اثيودار مكالمة هاتفية من "كاميكو" وأنه قد أخذ إجازة من عمله يتفرغ بها إلى صديقه اثيودار ليكون رفيقه خلال فترة مكوث اثيودار في البلاد. ولم يكن هذا القرار من فراغ فـ "كاميكو" ذكي جدا حيث شعر بأن وراء اثيودار مصلحة مالية ضخمة، قد تزيد من ثروته لكون أن اثيودار ثري جدا، لذا فإن الصداقة قائمة على المصلحة الشخصية ما بين "كاميكو" واثيودار. أما اثيودار فالمصلحة قائمة على تحقيق حلمه المنشود.

سر اثيودار بهذا كون أن الأمور تسير نهج ما يريد. إذ قام بتحضير نفسه ليذهب مع الصديق "كاميكو" للتنزه والإطلاع على معالم هذا البلد العلمي العظيم، وقد كانت أول الزيارات إلى المعبد والتعرف على طقوس العبادة لهذه المدينة والمعتقدات السائدة فيها، وهذا بالطبع يهم اثيودار كثيرا لمعرفة السيطرة والتحكم بطفله هاب حسب ما يريد، وانتهاج الخطة المناسبة لحلمه المزعوم في إحداث دمار كبير يكون هو سببه ومؤسسه.

عرف عن هذه المدينة العلمية بأن الدين السائد لها هي الشنتورية وهي مزيج من الأساطير والطقوس الخاصة بالإله إذ تعتبر الامبراطور المقدس، كما وإنها الدين الرسمي لهذه البلاد

وصل اثيودار و "كاميكو" الى المعبد المسمى "إينرياكو-جي" (اوتير او تير) وهي الكلمة التي ترمز للمعبد وهو من أشهر المعابد في هذه البلاد حيث يكون الدخول إلى داخل المباني الرئيسية لمعظم التيرا مقصورا على الرهبان والقليل من العامة، بينما تكون الزيارات العامة مقصورة على الحديقة الخارجية للمعبد، حيث تكون الوظيفة الأساسية للتيرا هي لحفظ الممتلكات التراثية الهامة وتدريب الرهبان أكثر منها كمكان للعبادة لعامة الناس. وفي أثناء هذه الجولة كان اثيودار يحمل في يده دفترا صغيرا وقلما حيث كان يقوم بتسجيل كل شيء وبعناية ودقة فائقة وكان يسأل عن كل ما يراه، وهذا ما زاد الشك في قلب "كاميكو" إذ أن وراء اثيودار موضوع خطير، فقد كان "كاميكو" يتعامل مع اثيودار بحذر وحرية في نفس الوقت حتى يعرف ما وراءه.

انتهت زيارة المعبد وحان وقت الغداء، حيث كان "كاميكو" قد جهز لاثيودار وليمة غداء فاخرة في منزله، وقد قبل اثيودر بذلك لكون أن الوليمة في منزل "كاميكو" ، وقبل مغادرة المعبد وفي أثناء خروجهم إذا بمرور قط أسود من أمامهم مما جعل "كاميكو" يشمئز كثيرا من هذا القط، فما عرف عن هذه المدينة أنه إذا مر قط أسود من أمامك فهو مدعاة للتشاؤم، وقد سأل اثيودر "كاميكو" عن سبب اشمئزازه من هذا القط وأخبره "كاميكو" أن القط الأسود مدعاة للشتائم والإحباط إذ يحمل طابع السوء.

ركب كل من "كاميكو" واثيودر بالسيارة وقد عرض اثيودار على "كاميكو" أن يقوم هو بقياده السيارة بدلا عن "كاميكو" ، وقد لبى طلبه وانطلقا إلى المنزل لتناول طعام الغداء والذي أسماه "كاميكو" بأنه وليمة كبيرة قام بتحضيرها من أجل الصديق اثيودار.

في أنثاء الطريق لم يتكلم "كاميكو" مع اثيودار إطلاقا إذ امضى الطريق كلها في فكر عظيم ماذا وراء اثيودار؟ وبالرغم بأن اثيودار قام بالحديث معة أكثر من مرة إلا أن "كاميكو" كان شارد الذهن يفكر في موضوعه.

لاحظ اثيودار ذلك على "كاميكو" وأدرك أن "كاميكو" يدرك أن وراء اثيودار سر كبير يريد معرفته.

اثيودار ذكي جدا وقد كان يفكر بورقة وقلم دائما ويجمع الأرقام ويحسب للوقت ألف حساب وليس من السهل استغفاله بسرعة يملك قدرة عالية في تميز الناس ومعرفة ما تحمله قلوبهم ونفوسهم وهذه الموهبة كانت تلازمه منذ الصغر.

وصل اثيودار و"كاميكو" إلى البيت أخيرا حيث كان الصمت رفيقهما إلى البيت وحين الوصول استغرب "كاميكو" من اثيودار، فاثيودار لم يزر "كاميكو" إلا مرة واحدة، أي بمعنى دقيق "العنوان"، فاثيودار عرف العنوان لوحده دون أن يقم "كاميكو" بتوجيهه، أضف إلى ذلك أنه وفي المرة الأولى كانت الطريق ليست نفسها وأن من المستحيل أن تدل على العنوان لمجرد الزيارة لمرة واحدة، فالبيت له أكثر من طريق؛ كل طريق تختلف تماما عن الأخرى. وهذا أدهش "كاميكو" كثيرا وجعله يطرح الأسئلة على نفسه أكثر من السابق، فقد زاد موضوع شكه وقلقه. لم يشعر "كاميكو" اثيودار بأي شيء واحتفظ بهذا الموضوع لنفسه.

بالفعل كانت هناك وليمة ضخمة بانتظار اثيودار فقد عملت الوليمة في حديقة المنزل الواسعة، وكان عبارة عن أصناف كثيرة من المأكولات الشهية والمشاوي وقد شارك الجميع في المنزل بتجهيزها حتى الأطفال. كانت أصوات الضحك والمرح وأجواء الاستمتاع قد خيمت على الجميع.

كان الغداء كثيرا جدا، ولذيذا، وكان اثيودار شديد السعادة والسرور، فبعد الانتهاء جلس كل من اثيودار و"كاميكو" يتبادلان الحديث، وكان "كاميكو" قد أرهقه فكره وتفكيره في موضوع اثيودار، فقام بمصارحة اثيودار بما قد يدور في ذهنه، ضحك اثيودار حينها وتظاهر بأن لا شيء هناك، وأن إجازته قد تنتهي قريبا وأنه سيعود إلى بلده.

لم يصدق "كاميكو" ذلك وبقي مصرا على معرفة الأمر حينها أخبره اثيودار أن كل شيء يكون بوقته فقام "كاميكو" باطلاع اثيودار على موضوع خطير يهمه كثيرا إذ أخبره عن هاب الذي يسكن الطابق السفلي من منزله منذ قدوم اثيودار وأن "كاميكو" قد لاحظ على اثيودار سبب إصراره التعرف على البيت والطابق السفلي بالذات.

تفاجأ اثيودار كثيرا بهذا وطلب من "كاميكو" الإحتفاظ بحقيقة هذا الأمر وأن يبقى سرا وأن يقوم بحماية هاب الطفل، حينها طلب "كاميكو" إخباره بحقيقة الأمر، التزم اثيودار الصمت وقال لـ"كاميكو" ن بأنه سيخبره لاحقا فلا يستعجل الأمور؛ لتبتسم شفاه "كاميكو" ويشعر بالراحة، إذ شعر بمصلحة كبيرة مع اثيودار تجلب له المال الوفير فالتزم الصمت حينها.

أخبر "كاميكو" اثيودار بأن الطفل هاب يبقى طوال الليل مستيقظا لا ينام وأن نومه يكون في النهار فقط، كما وأن وليمة الغداء كانت لاثيودار والطفل هاب فهو يأكل كثيرا في الليل.

طلب اثيودار من "كاميكو" الإحتفاظ بحقيقة هذا الأمر وان يبقى سرا بينهما وانه سيخبره بكل شيء ولكن في الوقت المناسب وبالفعل هذا ما قام به "كاميكو".

أتى المساء وكان اثيودار ينوي أن يقضي وقت ممتعا إذ طلب من "كاميكو" أن يأخذه على أشهر وأكبر الملاهي الليلية في المدينة، وهذا ما قام به "كاميكو" إذ أخذه إلى أشهر ملهى ليلي في المدينة وفي حين جلوسه وبعد أن تناولا كأسا من المشروبات الروحانية قامت فتاة جميلة جدا بتقديم استعراض رائع وملفت للإنتباه، هذا وأن اثيودار أشاد بإعجابه الكبير بها فقد كان يراقبها بشغف فاستعراضها كان في غاية الروعة والجمال.

اليوم العاشر لاثيودار في المدينة الشرقية. وكان قد اتفق مع "كاميكو" بأن يذهب إلى بعض مصانع هذه المدينة وكان "كاميكو" قد رتب له الذهاب إلى أحد المصانع المعروفة وهو مصنع المواد الغازية والطاقة النووية. كانت الزيارة في غاية المتعة فقد شاهد اثيودار بأم عينه عظمة الصناعة في المدينة.

في أثناء جولته الى المصنع وقبل الإنتهاء، دبت مشاجرة ما بين عمال هذا المصنع وكان الأمر لا يتعلق بالمصنع إنما هي اعتقادات فكرية دينية لبعض المتشددين دينيا. لاحظ اثيودار ذلك واهتم بأمر هذه المشاجرة كثيرا وقد ركز على أولئك الرجال المتشددين دينيا وطلب من "كاميكو" أن يعرف أسمائهم وكل شيء يتعلق بهم بأسرع وقت ممكن.

علم ونفذ، هكذا أخبر "كاميكو" وأن غدا ستكون معلوماتهم لديه، وغادر كل من اثيودار و"كاميكو" المصنع، ثم ذهبا بعد ذلك لشراء سيارة إلى اثيودار ذات مواصفات رائعة وباهظة الثمن.

قام اثيودار و"كاميكو" بتجريبها وقد كان ذلك على الشارع القريب من طريق القطار الكهربائي حيث بدأت السيارة تتفوق في سرعتها على سرعة القطار الكهربائي الذي عرف في هذه المدينة بالسرعة العالية، ولقد أدهش اثيودار هذا القطار وطلب من "كاميكو" أن يأخذه على محطة القطار أو مترو الأنفاق.

بالفعل ذهب الصديقان إلى محطة القطار التي تضج بالناس وهي منظمة جدا وذات رونق عالي من الإتقان والفن ودقة التكنولوجيا العلمية. شعر اثيودار حينها بان حلمه قد يكون في محطة القطار هذه فتجول فيها كثيرا وأخذا وقتا كبيرا فيها، إذ كان يسجل كل شيء على دفتره الصغير.


انتهت الجولة وعاد اثيودار إلى الفندق ليأخذ قسطا من الراحة والنوم وفي المساء يتلقى اتصالا هاتفيا من "كاميكو" يخبره بأن المعلومات عن الرجال الذين تشاجروا في المصنع قد جمعت.

سر اثيودار بهذا كثيرا وإن "كاميكو" يمكن الإعتماد عليه وأنه مصدر ثقة كبيرة، فطلب من "كاميكو" أن يحضر إلى الفندق، وبالفعل حضر "كاميكو" لفوره وكان اثيودار جائعا وأنه وقت العشاء، لذلك طلب اثيودار من "كاميكو" أن يتحدثا وهم يتناولا طعام العشاء، ولكن وقبل الحديث لفت انتباه "كاميكو" الإسوارة التي في معصم اثيودار فهذه المرة الأولى التي يراه بها، كما وأن هاب يرتدي نفس الإسوارة، حينها طلب "كاميكو" من اثيودار أن يرى هذه الإسوارة عن قرب، وبالفعل قام اثيودار بإعطائه ذاك الإسوار، لقد كان "كاميكو" يطالع هذا الإسوار بشغف لدرجة أنه لبسها لمدة تزيد عن خمس دقائق وحين نزعها من على معصمه تركت أثرها عليه.

أعطى "كاميكو" تقريرا كاملا لاثيودار عن هؤلاء الرجال وأن بإمكان اثيودار الإلتقاء بهم متى ما شاء لكن اثيودار قال لـ "كاميكو" أنه ليس هو من سيلتقي بهم، وأنه سيخبره لاحقا بمن سيلتقي بهم.

كان اثيودار حذرا جدا ويحسب لكل شيء حسابه، ولكن الوقت ليس بصالح اثيودار كما وأن الريح تحدد أيام الإنقلاب الفكري، فإذا غيرت الريح اتجاهها قبل أن يتزوج هاب يصبح انقسم فكري يودي بحياة هاب إلى الموت أو الجنون، إذ لا يستطيع السيطرة على الكم الكبير من الأفكار، أضف إلى ذلك في تغير الريح وجهتها ستقوم بنقل الأفكار الدخيلة والسر الذي يفكر به اثيودار، لذا من الواجب على اثيودار بعد مضي ثلاثة أشهر على الأقل الإبتعاد عن هاب والمراقبة من بعد، أي معنى ذلك هو إنفصال الإنقلاب الفكري، ولا يتم ذلك إلا بزواج الطفل هاب من امرأة وهذا ما حددته تجربة اثيودار.

أنهى اثيودار عشائه وكانت الساعة تشير إلى التاسعة مساءا لينطلق بعد ذلك كل من "كاميكو" واثيودار بسيارة اثيودار الحديثة بإتجاه سكة القطار الكهربائي.

استغرب "كاميكو" حين وصوله وراح على الفور يسأل ما سبب مجيء اثيودار إلى هنا حيث أجاب اثيودار أنه ينوي إطلاعه على سر خطير وبالفعل أمضى كل من "كاميكو" واثيودار قرابة الثلاث ساعات وهم في نقاش مدور، بالرغم أن الساعة الأولى لم يتحدث "كاميكو" بها مطلقا وكان مستمعا جيدا لاثيودار.

انتهى الحديث ليغادر "كاميكو" بسيارة اثيودار الحديثة تاركا هذا المكان على الفور، حيث لم يرافق اثيودار "كاميكو" ، كلها دقائق ليختفي اثيودار.

عاد "كاميكو" على الفور إلى منزله يتجه مباشرة إلى الطابق السفلي في منزله لرؤية الطفل هاب، وحين نزوله على السلم الخشبي الذي ينزل إلى الطابق السفلي تكسر الدرجة الرابعة من الأعلى ليسقط "كاميكو" تحت أقدام هاب.

كان المنظر مخيفا جدا، فالشيء الملفت للإنتباه هو أن من ينظر إلى هاب من الأسفل إلى الأعلى يرى شيئا غريبا ومرعبا، حيت تتغير جميع ملامح هاب كليا وهذه أحد الأسرار التي تكمن في الطفل هاب، والتي لا يعلم بها هاب نفسه، لكن والده اثيودار كان يعلمها.

وقف "كاميكو" بعد مضي خمسة دقائق أمضاها في رعب قاتل، لدرجة أن هاب قد مد يده لكي يساعده في الوقوف، لكن "كاميكو" من شدة الرعب رفض مساعدة هاب و وقف لوحده. وفي حين وقوف "كاميكو" تتغير الرؤية تماما ليعود شكل هاب إلى ما هو عليه في السابق أو كما رآه "كاميكو" في أول مرة. استغرب "كاميكو" من ذلك كثيرا لتدور في رأسه الكثير من الأسئلة التي لا جواب لها في ذلك الوقت.

جلس "كاميكو" مع الطفل هاب قرابة الثلاث ساعة وفي الساعة الأولى كان هاب مستمعا فقط لـ"كاميكو" دون أي نقاش. وفي النصف الثاني من الساعة الثانية عم الصمت والسكون لمدة نصف ساعة، ليعود الحديث ولكن كان هاب هو من يتكلم و"كاميكو" مستمعا فقط، أما في الساعة الأخيرة فقد أخرج "كاميكو" من جيبه قصاصات ورق مسجل عليها تواريخ مستقبلية، حيث أن "كاميكو" حصل عليها من اثيودار ، وعاد النقاش ما بين "كاميكو" والطفل هاب لحين انتهاء الساعة الثالثة، ليصعد كل من "كاميكو" وهاب إلى الطابق الأول، وقد كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف من منتصف الليل.

نام الطفل هاب يومها في الطابق الأول من بيت "كاميكو" وكانت عائلة "كاميكو" حينها قد ذهبت إلى المصيف لقضاء الإجازة دون "كاميكو" ، فقد تحجج بانشغاله وعمله، كما أن ذهاب العائلة في الإجازة يفتح له المجال للمضي في الموضوع الكبير الذي كلف به من قبل اثيودار دون قلق أو خوف على أطفاله وعائلته، كما أنه لا يريد منهم العلم بآي شيء على الإطلاق أو رؤية هاب في الوقت الحالي على الأقل.

استيقظ "كاميكو" مبكرا من نومه وقام بايقاظ هاب من نومه أيضا، فساعة العمل قد دقت، ويجب أن يكون هاب على أهبة الإستعداد. كان أول ما فعله "كاميكو" أن قام بعمل حمام لهاب وتنظيفة، فهاب لم يعرف الإستحمام أبدا أو الاغتسال بالماء وقام بحلقه وإلباسه ملابس جديدة، حيث بدا هاب بصورة رائعة ووسامة كبيرة تجذب أي شخص له، ولكن هناك شيء غريب بدت ملامح هاب بعد الحمام تقارب كثيرا لملامح "كاميكو" أو بلغة أخرى ملامح سكن موطن "كاميكو" ، وقد لاحظ "كاميكو" ذلك واستغرب كثيرا.

كانت مظاهر الضعف واضحة على هاب حيث كان هزيلا جدا لا يقوى على الحركة بصورة طبيعية، لكن عقله وتفكيره عميق جدا حيث كان قليل الكلام عميق التفكير بما يدور حوله.

تحرك كل من "كاميكو" وهاب في جولة سريعة في المدينة عبر السيارة الخاصة التي اشتراها اثيودار ولكن حين صعود هاب في السيارة كان وكأنه اشتم رائحة والده اثيودار مما اشتعلت عيناه بنار القوة بعض الشيء، كانت الجولة بمثابة تدريب لهاب على السيارة الخاصة وبسرعة فائقة. تمكن هاب من التعلم على السيارة، علما بان الجولة السريعة في المدينة شملت سكة القطار الكهربائي.

وفي أثناء طريق العودة يحدث شيء غريب حيث اعترضت سيارة هاب سيارة أخرى تقودها فتاة جميلة في أول عمرها، مما أسفر عن ارتطام سيارة هاب بحافة الطريق لتتوقف السيارة على الفور، نزل كل من "كاميكو" وهاب ونزلت أيضا تلك الفتاة التي تسمى "أراتا" ويعني هذا الاسم بالمعنى للسكان هذه البلاد بـ"الجديده" حيث كانت ترتدي ملابس فاضحة بعض الشيء.

حاولت "أراتا" الإعتذار إلى هاب عما حدث، وبما تسببت به من آذى لهاب، وكانت نظراتها لهاب جذابة وغرامية أضف إلى ذلك أنها كانت تعتذر لهاب باللغة الإنجليزية، وليس بلغة سكان المنطقة علما بأنها من أهل هذه البلد، هذا وإنها لم تلقي أي اهتمام لرفيقه "كاميكو".

تدخل "كاميكو" على فوره وحاول استدراك الموقف حيث أركب هاب في السيارة وطلب من "أراتا" الذهاب، وحين ركوب هاب و"كاميكو" إلى السيارة قامت أراتا" بالتحدث مع هاب من نافذة السيارة وقبلته على خده دون سابق معرفة، وركبت سيارتها.

أدرك "كاميكو" أنه قد رأى هذه الفتاة من قبل لكنه لا يتذكر أين؟ وكيف؟ ومتى؟ إلا أن ملامح وجهها لا تبدو غريبة عليه أبدآ. انطلق كل من "كاميكو" وهاب في السيارة وبقي هاب في صمت كبير ولم يتكلم مع "كاميكو" أي كلمة إلى حين العودة إلى المنزل، والغريب في الأمر أن هاب قد عرف عنوان منزل "كاميكو" والعودة من طريق أخر مختصر، وهذا ما لفت انتباه "كاميكو" جدا، حيث أن والد هاب اثيودار قد قام بنفس الشيء مسبقا.

وصل كل من هاب و"كاميكو" إلى البيت وكانت الخادمة قد قامت بتجهيز غداء فاخر لهما، وفي أثناء تناول الغداء لاحظ "كاميكو" أن هاب يأكل بشهية حيث أنه تناول الأرز بالعصاتين بمهارة كبيرة ودون تعلم. إلى هذه اللحظة لم يكن لـ"كاميكو" أي تعليمات بما سيقوم به.

مكالمة هاتفيه إلى "كاميكو".

من يا ترى؟

انه اثيودار، استمرت المكالمة لمدة خمس دقائق فقط، حيث كان "كاميكو" يتلفظ بكلمة واحدة فقط طيلة هذه المكالمة وهي (حاضر) لقد وصلت أوامر جديدة إلى "كاميكو".

جلس كل من "كاميكو" وهاب في الحديقة، بعد تناول الغداء ليتناولا كاسا من عصير الليمون، وفي أثناء جلستهما تحدث حادثة غريبة بعض الشيء حيث مر قط من أمام هاب مما أدى بأن هاب قام بقتل هذا القط بصورة مفجعة، مما أثار الإشمئزاز والخوف في قلب "كاميكو" حيث قام هاب بفصل رأس القط عن جسده وألقى به خارج سور حديقة المنزل.فبعد هذه الحادثة شعر هاب بالقوة بعض الشيء، وبعد صمت دام لأكثر من ثلاث دقائق تكلم "كاميكو" ليقول لهاب عليه بأن يتزوج، تفاجاء هاب بعض الشيء، ليقول "كاميكو" حينها أنه يريد فتاة تشبه تلك الفتاة التي رآها اليوم. ليتذكر "كاميكو" وقتها أين رأى هذه الفتاة التي تسمى "أراتا" أنها تلك الراقصة الإستعراضية التي رآها هو واثيودار في الملهى الليلي، وكان اثيودار كثير الإعجاب بعرضها، مما قاد "كاميكو" على الفور لأن يقول له سأزوجك نفس الفتاة. ابتسم هاب كثيرا وقال لـ "كاميكو": (حقا). صمت "كاميكو" قليلا ثم قال: حقا.

هنا لغز كبير جدا لا يفهم من تلك الفتاة، وكيف عرف هاب طريق المنزل، وما هي المكالمة السرية التي بقيت لخمس دقائق، وكيف تعلم هاب طريقة الآكل بالعصاتين، ولماذا قام بقتل القط الأسود وكيف لـ "كاميكو" أن يزوجه نفس الفتاة؟

عرف عن مناخ هذه المدينة التي تسمى مدينة أرض الشمس المشرقة أو منبع الشمس، أن الطقس يتغير باختلاف الفصول، فيبدأ الربيع في مارس حيث تزهر أشجار البرقوق وتليها أزهار الخوخ، وفي أواخر مارس أو أوائل إبريل تزهر أشجار الكرز، أما الصيف الذي يمتد من مايو حتى أوائل سبتمبر فهو حار ورطب في جميع أنحاء البلاد، ما عدا المدينة كانت تسمى" ييزو" وهو الاسم القديم. حيث يعتدل الطقس إلى حد كبير، وفي أغسطس يذهب الكثيرون للإقامة في معسكرات أو صعود الجبال أو السياحة، أما الخريف فيمتد من سبتمر حتى نهاية نوفمبر ويصبح فيه الطقس أكثر جفافا واعتدالا. إذ يحصد الأرز وغيره من المحاصيل في فصل الخريف. وفصل الشتاء يمتد من أواخر نوفمبر وحتى نهاية فبراير حيث تهب رياح باردة. حيث البرد القارص ونزول الثلج.

كما نعلم بأن تغير الريح يسيطر على عملية الإنقلاب الفكري بعض الشيء، والمناخ بشكل عام يسيطر على الفكر وطريقة التفكير سواء كان فكره إيجابي أو سلبي ويعتبر العالم بآسره مهددا تحت المناخ وتقلباته إذ أن تقلبات المناخ بشكل عام مشكلة كبيرة تهدد العالم بآسره في الوقت الحالي.

بعد الراحة والقيلولة التي آخذت ساعتان قام "كاميكو" بآخذ هاب بجولة أخرى في المدينة (العاصمة) لتعريفه على الأماكن السياحية والمعابد والتنزه.

هذا وتعرف العاصمة والتي تسمى " إيدو" أو "باب الخليج" وهو الإسم القديم، وإليها نسبت الفترة المعروفة بـ"فترة إيدو" من أكبر العواصم أمنا و نظافة، وهي نقطة جذب دولية للأنشطة التجارية و تتميز أيضا بثرائها الثقافي المتعدد، كما وأنه مقر حكومة البلاد، ومسكن صاحبي الجلالة إمبراطور و إمبراطورة البلاد.

عند المعبد يلتقي هاب بنفس الفتاة التي تدعه "أراتا" ولكن هذه المرة كانت تردي لباس غير، إذ يعتبر لباسها من الألبسة والزي الرسمي للمدينة، كانت تبدو أكثر جمالا بهذا اللبأس وعلى الفور قام هاب بالتحدث معها، حيث بدا سعيدا جدا، طلب "كاميكو" من "أراتا" أن ترافقهما في الجولة وليتعرف هاب عليها أكثر. رحبت "أراتا" بذلك وانطلقا على الفور وفي أثناء الطريق جعل هاب يسال "أراتا" عن نفسها وهل هي مرتبطة فأخبرته بأنها ليست مرتبطة فرح هاب أيضا بذلك وبفوره طلبها للزواج منه صمتت "أراتا" لحظتها وقالت له ستخبره بجوابها يوم غد.

انتهت الجولة وافترق كل من هاب و"كاميكو" عن الفتاة، وأتى المساء حيث كان العشاء في مطعم راق ومرموق يقدم أشهى وألذ المأكولات الشعبية لسكان هذه البلاد، ولكن لم يكن العشاء لهاب و"كاميكو" فقط إنما كان هناك أربعة رجال أيضا.

من هؤلاء الأربعة رجال ياترى؟


إنهم الرجال الذين رآهم اثيودار في المصنع وطلب من "كاميكو" معلومات كاملة عنهم، حيث كانت المقابلة شبه رسمية سرية فقد كان الكلام بالألغاز.

انتهت المقابلة وذهب كل من "كاميكو" وهاب إلى المنزل، وفي أثناء العودة يحدث شيء لم يكن متوقعا، حيث تقلب الريح وجهتها مما يجعل هاب بثورة كالمجنون حيث لا يستطيع السيطرة على عقله، إذ يكاد أن يتفجر. توقف "كاميكو" على الفور وقام بالعصب على عيني هاب والمحاولة للسيطرة على الأمر، ففي حين تغير الريح وجهتها في عملة الإنقلاب الفكري يصبح الموضوع خطرا على هاب، إذ يجب الإنفصال الفكري حينها أو بمعنى آخر يجب على هاب أن يتزوج في أسرع وقت ممكن.

وصل "كاميكو" وهاب إلى المنزل وكانت في انتظارهما "أراتا" تلك الفتاة التي أحبها هاب أو المفروض أن يتزوجها هاب حسبا لأوامر والده اثيودار ليتم الإنفصال الفكري ما بين هاب ووالده اثيودار.

فرح هاب برؤية "أراتا" وجلس معها لحين طلوع الفجر وقد قامة "أراتا" بإخبار هاب بكل حياتها، وفقا لتعليمات الأب اثيودار، في حين أن هاب لم يستطع أخبارها بأي شيء عنه، فهو لا يعرف أي شيء عن حياته، ومن هو، سوى أنه يبحث عن شخص لا يعرفه ولا يعلم اين هو يراود فكره وتفكيره لقتله، وإن رائحته تلازمه دائما فقد كانت هاب يعتقد بأنه حين قتل هذا الرجل ستعود له ذاكرته، ولكن كيف؟

الغريب في هذا اللقاء الذي استمر إلى طلوع الفجر أن هاب قد مارس ال*** مع "أراتا" قبل الزواج منها، وما يزيد الإستغراب أكثر أن عملية ممارسة ال*** قد تمت على أوراق الجرائد، ولكن ليس هاب من فكر في ذلك، أنما "أراتا" فقد استغرب هاب كثيرا من هذا، ففي أثناء دخوله على الغرفة وجد شمعة واحدة فقط أشعلتها "أراتا" ومرآة سداسية الشكل و أوراق الجرائد التي تملؤ أرض هذه الغرفة.

لم يكن هاب يفكر بأي شيء، ولكنه كان في ذهول من هذا، ففي حين انتهاء عملية الجماع وممارسة ال*** قام هاب دون سابق أي إنذار بكسر المرآة السداسية المعلقة على الحائط لتلك الغرفة، وصرخ بصرخة مرعبة ليدب الرعب بقلب "أراتا" هذا ولم ينطفئ القنديل في ذلك الحين، فعلى الفور بعد الإنتهاء قامت "أراتا" بالخروج لوحدها من الغرفة وتركت هاب لوحده.

بقي هاب في الغرفة لمدة ثمان ساعات وبعدها خرج وقد كانت ملامح وجهه متغيرة بعض الشيء، حيث أن "أراتا" لم تقم بالدخول عليه، وقد تركته لحين خروجه لوحده. ولا نعلم ماذا فعل هاب طوال الثمانية ساعات في الغرفة، ولماذا ثمانية ساعات بالتحديد؟ ابتدأت من الساعة الواحدة ليلا وحتى الساعة التاسعة صباحا.

قدمت "أراتا" لهاب بعد خروجه من الغرفة كأسا من الماء يحوي نقطة من دماء "أراتا" فقد قامت "أراتا" بوخز إصبعها بالدبوس قبل خروج هاب من الغرفة بدقائق، وكأنها كانت تعلم بموعد خروجه من الغرفة لتسقطه نقطة من دمائها في كأس الماء، وبعد ذلك تقدمه لهاب. شرب هاب الكأس بفوره ودون أن ينتبه له فقد كان عطشا جدا للماء.

بعد ذلك جلس هاب على الكنبة مستلقيا على بطنه ويغمض عيناه حيث أصبح تغير مفاجأ لملامح وجه هاب، إذ أصبحت تشبه ملامح حيوان مرعب وقبيح، أضف إلى ذلك أن أذناه قد تطاولت بصورة مدببه كرأس الهرم، وأيضا تكوين الوجه.

لم تلاحظ "أراتا" أي شيء من هذا فقد ذهبت للإستحمام فبعد مضي ثمان دقائق تقريبا قام هاب بفتح عينيه ليعود إلى شكله الطبيعي.

خرجت "أراتا" من الحمام بعد الإستحمام وقد وجدت هاب يقوم بخدش يده بأظفر يده وكان أظفره مدببا بعض الشيء لتسقط من يده الدماء، حينها أسرعت "أراتا" على الفور لوضع يدها على موضع الجرح وامتصاص الدم بفمها ليشعر هاب بقوة غير طبيعية.

قام هاب بلبس ملابسه والإستعداد للخروج لحين إكمال "أراتا" لباسها وبعد الإنتهاء وقبل الخروج من المنزل يحدث شيء غريب، فحين وصولهما إلى الباب عاد هاب إلى كأس الماء الفارغ الذي شرب منه وكسره بيده، ثم خرج مع "أراتا" ولم يفهم هذا أيضا، وحين وصول هاب و"أراتا" إلى الشارع تظاهرت "أراتا" بالتعب وقررت العودة إلى المنزل وأنها غير قادرة على الذهاب معه.

لم يعرف حينها هاب ماذا يفعل فقرر العودة إلى منزل "كاميكو" وحين وصوله وجد "كاميكو" في انتظاره، كانت الساعة حينها تشير إلى العاشرة والنصف صباحا، وكان "كاميكو" يجلس في حديقة المنزل يشرب فنجان من القهوة السادة دون سكر، فجلس هاب بجوار "كاميكو" وأخبره أنه يريد الزوج على الفور من "أراتا" ابتسم "كاميكو" حينها وقال له لقد رتبت لكل هذا فغدا سيكون زواجك. لم يتفاجأه هاب بما قاله "كاميكو" لكنه شعر بالراحة قليلا.

في صباح اليوم التالي تم تقرير عقد القران والزواج وفقا لعادات وتقاليد هذه البلد، وقد كانت العادات والتقاليد السائدة للزواج في هذه البلد جميلة ورائعة، فمن الواجب على هاب أن يتعرف على الفتاة بطريقة البطاقات، وإن تم القبول وجب الزواج ما بين العروسين، هذا وقد تم عقد قران الزوجين في حديقة كبيرة وجميلة بالرغم أن عادات هذه البلاد توجب أن يتم عقد القران في المعبد، حتى لو كان الزوجين على دين أو ملة أخرى.

ارتدت "أراتا" ثوب زواج رائع وهو من الزي الشعبي لسكان البلاد حيث يدعى بـ"الكيمونو أو شيروموكو" وهو أبيض اللون، وغطاء أبيض على شعرها يمنع من الحسد، وأيضا لتبدو أكثر جمالا، كما أن هاب أيضا ارتدى الزي الرسمي للزواج إذ يدعى "المونتسوكي" وهو عبارة عن "كيمونو" أسود اللون وجاكيت، هذا ولا ننسى بأن "كاميكو" قد أخبر عائلة العروس بأن هاب يكون ابن أخيه الذي يسكن في مدينة الجمال ومتزوج منها، وقد أصدر له بطاقة وجواز سفر يثبت أنه ابن أخيه باسم "آيكو" ومعناه المحبوب.

من ضمن العادات السائدة في هذه المدينة بالرغم أنها تختلف بعض الشيء ما بين الشمال والجنوب، أنه لابد لعائلة الزوج أن تقدم هدايا لعائلة الزوجة، ويجب على عائلة الزوجة أن تقدم هدايا أيضا بنصف قيمة الهدايا لعائلة الزوج، أضف إلى ذلك أن من يقوم بتكاليف الزواج ليس عائلة الزوج ولا عائلة الزوجة أنما الضيوف المدعون لحفل الزفاف.

كان حفل الزفاف مثيرا وممتعا للغاية، فقد استمتع الجميع بهذا الحفل حيث شمل طقوس الرقص والموسيقى وطقوس الشرب إذ يقدم المشروب الرسمي وهو مشرب (الساكي) وهو نوع من أنواع الخمور، يشرب العرسين رشفة منه ثم يمرر للجميع في أكواب خاصة، ويكون في العادة لون هذا المشروب أحمر، ليغادر بعد ذلك العروسين إلى منزل الزوجية.

في أثناء الليلة الدخلة يحصل ما لم يكن متوقعا إذ قام هاب بفرش غرفة خاصة في المنزل بأوراق الجرائد مثلما فعلت "أراتا"، وقد استغربت كثيرا من هذا، ورفضت النوم في تلك الغرفة وعلى اوراق الجرائد تحديدا، واقترحت أن يناما على السرير، ولكن على ضوء الشمعة وبوجود المرآة، لم يعترض هاب على ذلك ابدآ بل رحب بهذا على الفور، فقد كان الاعتقاد السائد لدى هاب أن "أراتا" تحب النوم بمثل تلك الطريق وهذا الذي دعاه لفرش غرفة خاصة في المنزل بأوارق الجرائد.

أشعلت "أراتا" الشموع حيث لم تكن شمعة واحدة كما كان في تلك الليلة انما ثلاثة شمعات، وكان إشعالها بالتوالي فما بين إشعال كل شمعة وشمعة قرابة الخمس دقائق ثم فتحت التسجيل على أغنية صاخبة جدا، ولكن بصوت منخفض. وقامت بالتعري أمام هاب بصورة رائعة وملفتة للإنتباه، فبعد تعريها تماما قامت بالرقص وهي عارية على أنغام تلك الموسيقى، هذا وقد أستمرت بالرقص لحين انطفاء الشمعة الأولى لتلقي بنفسها على هاب بعد ذلك، وتتم عملية الجماع، حيث استغرقت عملية الجماع لحين انطفاء الشمعات الثلاث المتبقية، أي بمعنى أن عملية الجماع استغرقت خمسة عشر دقيقة، وحين الإنتهاء قام هاب بالإلتفات إلى المرآة المعلقة على الحائط وكسرها بنظرات عينيه دون استخدام أي وسيلة أخرى، أو مادة حادة، ومعنى ذلك أن قوة هاب أصبحت تعود إليه.

تستيقظ "أراتا" من نومها فلا تجد هاب بقربها فقد اختفى تماما وقد ترك خلفه قصاصة ورق مكتوب عليها تاريخا مسبقلا، ضحكت "أراتا" حينها، وكأن الأمر لا يعنيها بشيء لحين أن دق جرس الفاكس الموجود في المنزل ليأتي فاكس يقول بأنه تم وضع نصف مليون دولار في رصيدها، فرحت كثيرا وكادت تطير من الفرح، ولبست ملابسها على الفور، وقبل خروجها يقرع جرس الباب لتفتح، فإذا بطرد بعث لها على هذا العنوان.

استلمت الطرد وقامت بفتحة فإذا هو شال أسود جميل يعبق برائحة برفان رائعة وجذابة. قامت "أراتا" بأخذ الشال وتركت المنزل متجة في طريقها إلى البنك لسحب المبلغ فهي لا ترغب ان يبقى في البنك انما تريد الإحتفاظ به في منزلها.

مر شهر والأمور هادئة وليس هناك من جديد، ولكن "أراتا" حامل. لقد كان هذا الخبر لـ"أراتا" بمثابة كارثة، فهي لا تريد الإنجاب وخصوصا من هاب، لذا حاولت أن تتخلص من الجنين بكل الطرق لكن دون جدوى. فكلما حاولت التخلص من الجنين زاد الألم والوجع والضعف بكل جسدها.

في الشهر التاسع من الحمل أي وقت الولادة لم تستطع "أراتا" الذهاب إلى المشفى فقد تمت عملية الولادة في البيت، ودون قابلة توليد، حيث أغمي على "أراتا" حينها، وبعد ساعة من الولادة استيقظت لترى بجانبها طفلا صغيرا. وللوهلة الأولى وحين ما فتحت عيناها وشاهدت طفلها رأته كمخلوق مرعب وقبيح لدرجة أنها انتفضت منه وحاولت الإبتعاد عنه، لكن سرعان ما هدئت فقد تغيرت هذه الملامح لتصبح ملامح طفلها جميلة جدا، حينها اعتقدت بأن ما حدث هو من واقع الألم والتخيل فعادت لتحمل طفلها لكن لم تستطع حمله مما أعاد الخوف لقلبها.

أدركت "أراتا" أن هذا الطفل قد يجلب لها المشاكل كما أنه ابن زنا ولا تملك أي معلومات عن والده هاب فقد اختفى نهائيا لذلك قامت "أراتا" بوضع هذا الطفل أمام باب ميتم الأطفال وتخلت عنه.

الساعة العاشرة صباحا تنقل وكالات الأنباء المحلية والعالمية عن تنفيذ عملية إرهابية في متر الأنفاق بسكة القطار الكهربائي على شكل خمس هجمات منسقة بغاز السارين قام بتنفيذها جماعة تدعى "اوم شيزيكو" وهي الجماعة التي قابلها هاب من قبل.

لقد أسفرت العملية عن مقتل ما يقارب أو يفوق 13 شخص وإصابة أكثر من ألف شخص أصابتهم ما بين الخطيرة والمتوسطة.

هذا ويعتبر غاز السارين غاز أعصاب سام وخطير جدا ذا مفعول قوي حيث تبلغ قوته وتأثيره 26 ضعف غاز السيانيد وهو عنصر كيماوي عالي السمية في حالتيه الغازية والسائلة ويعتبر غاز عضوي يدخل في تركيبه الفسفور حيث يمتاز بأنه عديم الرائحة واللون والطعم كثيف جدا يبقى أسابيع وأشهرا وهو أثقل من الهواء إذ يهاجم الجهاز العصبي في الإنسان، تم اكتشافه في عام 1939م على يد الألمان كما ويعرف كذلك بـ (جي بي) وهو أحد عوامل الحرب الكيميائية بشري الصنع ويصنف كعمل أعصاب.

يتم التعرض له عن طريق الجلد أو العيون أو طريق التنفس هذا وأنه يستخدم أيضا لتسميم المياه فبمجرد أن تلمس الماء أو تشربه تتسمم أضف إلى ذلك أنك بمجرد التعرض لبخاره تستمر ملابسك في إطلاق السارين لمدة حوالي 30 دقيقة بعد التعرض له، ومع أنه خطر إلى أنه قليل الأمد.

كانت ملابسات هذه الحادثة غريبة بعض الشيء فقد تم استغلال هذه الجماعة عن طريق الحقد الطبقي والكراهية والعنصر العقائدي. حيث أن هاب استخدم الفكر والعقل لا القوة، ومعنى ذلك أنه استخدم فكر والده أثيودار بزرع روح الفتنه ما بين أفراد المجتمع وإلقاء الكراهية في قلوبهم وكل ذلك لم يستغرق أياما، أضف إلى ذلك التنسيق المحكم وعامل الوقت ففي بعث روح الحقد ما بين الناس.

نقف هنا عند عامل الزمن وتنسيقه ففي المجتمعات المتعلمة كلما زاد الوقت فضح الأمر أضف إلى ذلك العامل العقائدي وترسيخ العمل الإرهابي كقيمة لا يمكن فصلها بتاتا لتبقى بعد ذلك جذور الإرهاب موجودة، في أي لحظة يمكن أن تثور من جديد.

ومع ذلك فإن هذه العملية الإرهابية لم تكن حلم أثيودار مما دفعه لمغادرة البلاد على الفور فإذا ما بقي فيها فان هاب يستطيع شم رائحته الأب والعثور عليه وقتله. فكما قالت التجربة بعد كل عملية إرهابية تزداد قوة هاب أكثر، أين كانت هذه العملية سواء كانت كبيرة أو ضعيفة، ومعنى ذلك ازدياد قوة هاب وازدياد حاسة الشم له، لذلك من الواجب على اثيودار المغادرة على الفور والبحث عن حلمة الإرهابي في بلد آخر. مع الأخذ بالاعتبار أن أثيودار لم يخسر فقد قام على رفع قوة هاب.

بقي هاب في المدينة وكان لديه اعتقاد كبير بأن والده أثيودار يختبئ في مكان ما. فكان هاب طوال الليل يبحث عنه ويحاول أن يشتم رائحته إذ يبدأ البحث من الساعة الواحدة ليلا وينتهي الساعة التاسعة صباحا إذ يعود إلى نفس المنزل الذي تزوج فيه.

كان "كاميكو" لم يتقاضى بقية أتعابة من اثيودر إذ اختفى كليا، فشعر بأنه وقع في مصيدة النصب، لذا حاول البحث عن اثيودار لكنه لم يعثر عليه، فأدرك أن الحل الوحيد ليحصل على بقية أتعابة هو العثور على هاب وحبسه فكما عرف من اثيودار بأن روحه معلقة بهاب فحينما يمسك بهاب لابد أن يعود اثيودار فيحصل على بقية أتعابة، وأيضا فدية مالية ضخمة.

اثيودار ذكي جدا فهو لم يخبر "كاميكو" بأن هاب بعد تنفيذ العملية الإرهابية سيكون ذا قوة عالية وقدرة تكون أشبه بالقدرة الشيطانية الخيالية.

بداء "كاميكو" البحث عن هاب ولم يبقى مكان إلا وقد بحث فيه لحين تذكره بيت هاب الذي قام بشرائه اثيودار كي يتزوج فيه هاب. وأنه يمتلك نسخة من مفتاحه فانطلق على الفور.

كانت الساعة تشير إلى 3 صباحا، قام بفتح المنزل والبحث عن هاب لكنه لم يجده فشعر بخيبة أمل وأنه قد فقد الخيط الأخير في الحصول على بقية أتعابة، فجلس على الأريكة مكتئبا بعض الشيء ليشاهد على الطاولة بقايا لطعام من ليلة البارحة، حينها أدرك "كاميكو" أن هاب قد يكون خارج المنزل فجعل ينتظر عودته، وقد جهز كمين له، كما وفي اعتقاد "كاميكو" أن هاب سهل السيطرة عليه بسهولة فهو عرفه ضعيف وهزيل لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا يملك إلا بعضا من الأشكال المرعبة والتي لا تفيد بقوته شيئا، لذا كان مطمئنا جدا وواثق من أنه سيحصل على بقية أتعابة وأيضا فدية مالية من اثيودار مقابل هاب.

الساعة التاسعة صباحا لقد عاد هاب إلى المنزل ليس من الباب وإنما من الشباك، كان "كاميكو" حينها ينام على الأريكة لم يراه حينها هاب فقد كان جائعا ليتجه مباشرة إلى المطبخ.
يستيقظ "كاميكو" من نومه ليعلم بوجود هاب، أصبح يتسلل بخفة إلى المطبخ وكان بحوزته مسدس وحبل، وبينما كان هاب يقلب ما بالثلاجة حتى صرخ عليه "كاميكو" أن يتوقف ويرفع يداه إلى الأعلى، لم يبالي هاب حينها بكلام "كاميكو" وكأنه لم يسمع شيئا وتابع تقليبه عن الطعام في الثلاجة، كرر "كاميكو" العبارة أكثر من مرة ورمى الحبل تحت أقدام هاب وطلب منه أن يقيد نفسه وإلا قتله، حينها التفت هاب إلى "كاميكو" لتأتي أنظاره أولا على يده التي تمسك بالمسدس، فكان وكأنة يرى الإسوار على معصم يده لتتغير حينها ملامح وجه هاب كليا من وجه بشري إلى وجه شيطاني مرعب جدا، ثم يسلط أنظاره بعدها إلى عيني "كاميكو" ليراه حينها بشكل والده اثيودار فاعتقد حينها بأنة قد وجد من يبحث عنه.

تصلب "كاميكو" في مكانه من الخوف إثر ما رآه فلم يستطع فعل أي شيء ولا حتى الضغط على الزناد لقتله مثلا. فالموقف في غاية الرعب والذعر بالنسبة لـ "كاميكو".

أصبح هاب يتقدم باتجاه "كاميكو" وأنظارة لم تنزل عن عينا "كاميكو" وكان كلما يتقدم خطوة تصبح ملامحه أكثر ذعرا ورعبا وقباحة، إذ تغير شكله تماما وكأنه يظهر على شكل وحقيقة أخرى لم يعهدها "كاميكو" من قبل.

انتزع هاب المسدس بسهولة من يد "كاميكو" ثم أمسك يد "كاميكو" ليحدق بها جيدا فيرى آثار الإسوارة التي لبسها "كاميكو" حين كانا في الفندق حيث كان "كاميكو" حينها قد جلب لاثيودار أسماء الرجال الذين تشاجروا في المصنع.

بالواقع الخيالي لهاب كان يرى الإسوارة ذاتها على يد "كاميكو" وكان أيضا يرى شكل والده اثيودار لا "كاميكو" فقام هاب على الفور وبطريقة مثيرة للاشمئزاز بقطع يد "كاميكو" بأسنانه وقذفها بعيدا، بعد أن قام بمضغها بين أسنانه، ثم زرع بعد ذلك أنيابة بصدر "كاميكو" ليخرج قلب "كاميكو" بيده حتى خر على الأرض ميتا في تلك اللحظة. لتزول التخيلات عن عيني هاب ويرى بأنه لم يقتل الشخص المطلوب أو والده اثيودار. فقد عادت الصورة الحقيقية لـ "كاميكو" بعد موته، أنه ليس اثيودار ولكن بقيت عينا "كاميكو" كما هي، تشبه عينا اثيودار فقام هاب باقتلاع عينا "كاميكو" ووضعها في كيس صغير ووضعها في جيبه وعاد إلى الثلاجة كي يأكل وقد عادت حينها ملامحه البشرية إلى وجهه.

في ذلك الوقت تقرر "أراتا" أن تترك المدينة وتذهب للإستجمام والتنزه فقامت بإخراج الحقيبة التي تحمل نصف مليون دولار من مخبأها ثم بدأت بتحضر ملابسها وأمتعتها، وحين الانتهاء تذكرت الشال الاسود وأنه يبدو عليها رائعا فأخرجته من الصندوق الورقي التي تبدوا بأنها قد صنعت خصيصا إلى الشال.

في حين أخرجت الشال من الصندوق الورقي تلاحظ بأن هناك مغلفا ملصقا بأسفلها لم تنتبه له من قبل، فقامت بفتح هذا المغلف لتجد أن بداخله ورقة مكتوب عليها بأن هناك مليون دولار آخر في الجهة اليسرى من الباب تحت بلاط الغرفة المفروشة بأوراق الجرائد في منزل الزوجية التي تزوجت فيه بهاب والتي تركته في اليوم الثاني من الزواج.

جلست "أراتا" على طرف السرير وفكرها قد رحل بعيدا وشفاهها تبتسم شيئا فشيئا، وفجأة أسرعت إلى الخزانة تفتش لتجد مفتاح تلك الشقة، قامت "اراتا" بنقل أمتعتها وملابسها وأيضا الحقيبة التي تحمل المال إلى السيارة العجيبة أي بمعنى آخر تلك السيارة التي اشتراها اثيودار خاصة لهاب وعلمه عليها إذ كانت ذات مواصفات رائعة ولكنها في حين تركها الشقة في المرة الأولى وجدتها تحت العمارة ومفاتيحها بالشقة فأخذتها واعتبرتها ملكا لها.

انطلقت "أراتا" بإتجاه العمارة التي توجد فيها تلك الشقة حيث كانت ترتدي الشال الأسود على عنقها وملامح الفرح والسرور تبدوا على وجهها، ومستمتعة جدا برائحة البرفان التي تعبق بهذا الشال، وحين الوصول قامت بوضع سيارتها أمام العمارة ونزلت منها وبينما هي تصعد على الدرجات العشر التي تتقدم باب العمارة تلاحظ وجود رجلان يجلسان على الحائط المجاور للعمارة وكانت تبدو عليهم ملامح التشرد والتسكع، كما وكانا ينظرا إلى سيارة "اراتا" بنظرة عجيبة، حينها عادت "أراتا" إلى السيارة وآخذت الحقيبة التي تحمل المال وصعدت عبر المصعد الكهربائي إلى تلك الشقة التي كانت تقطن في الطابق الثالث عشر من العمارة. فبعد ركوب "أراتا" بالمصعد الكهربائي قام الرجلان بكسر شباك السيارة ومحاولة سرقتها لكنهم لم يعرفوا كيف تشغل هذه السيارة ولا كيفية قيادتها مما دفعهم بسرقة حقائب "أراتا" التي تحمل ملابسها فقط.

وصلت "أراتا" إلى باب الشقة وقامت بفتح الباب وإغلاقه بعد أن دخلت، كان هاب حينها قد أنهى آكله وذهب لينام في غرفة النوم. اتجهت "أراتا" على الفور إلى تلك الغرفة التي كانت مفروشة بأوراق الجرائد لتتجه إلى الجهة اليسرى من الباب لتزيل أوراق الجرائد عنها، فتجد البلاطات التي أخبرت عنها الرسالة التي كانت في المغلف، تقوم برفع تلك البلاطات بسهولة لتجد كيسا معبئ بحزم الدولارات، قامت بوضعها في نفس الحقيبة التي تحمل نصف المليون دولار فقد كانت الحقيبة تكفي لحمل أربع ملايين دولار لا مليون ونصف، كان "أراتا" سعيدة جدا وأنها الآن مليونيرة وهذا كان حلم حياتها كلها أن تصبح صاحبة أموال وملايين طائلة.

خرجت "أراتا" من تلك الغرفة وقد كانت عطشة وعرقها يصب من على جبينها، فذهبت إلى المطبخ لتشرب الماء ثم ترحل، وحين دخولها إلى المطبخ تفاجئت بـ "كاميكو" حيث كان ملقا على أرض المطبخ مقتولا بطريقة بشعة ويده مقطوعة وعيناه مخلوعتان من مكانهم، لم تحتمل "أراتا" هذا المشهد لتقوم بالصراح بأعلى صوتها فيستيقظ هاب من نومه، ولكن حينما استيقظ هاب من نومه عبقت في أنفه رائحة البرفان الذي كان على الشال، ليدرك وجود والده كما ظن في الشقة، قفز بفوره إلى المطبخ لتره "أراتا" فتصمت وتهدأ خوفها برؤية هاب فقد أطمئنت قليلا بوجود هاب، وبدأت تمسك بيديها الاثنتين أطراف الشال المتدليتان من على كتفيها لتزداد رائحة البرفان أكثر، حينها بدئت تتغير ملامح وجه هاب لتصبح مرعبة وتشوش الرؤية عليه أو يأخذه الإنقلاب الخيالي حيث أصبح يرى "أراتا" بشكل أمه سونيا التي قتلها حين ولادته ليعتقد بأنها لم تموت بعد ويجب عليه قتلها، فتقدم إلى "أراتا" وكان أيضا كلما تقدم أكثر تغيرت ملامح وجهه أكثر إذ تصبح أكثر بشاعة وذعرا.

كانت "أراتا" تصرخ وترجو هاب أن يبتعد عنها ولكن هاب لم يكن يسمعها أطلاقا لحين مسك هاب الشال ولفه على عنقها وقتلها فحين وقوعها على الأرض مقتولة عادت ملامح هاب البشرية له فرأى "أراتا" بصورتها الحقيقية، حينها قام بسحب الشال من على عنق "أراتا" ووضعه على كتفة وذهب يجلس في صالون الشقة على تلك الأريكة والفكر لديه قد توقف.

أدرك هاب أن لا وجود لشخص المطلوب أو والده اثيودار في هذه المدينة وأن من المستحيل الآن العثور عليه، وبينما هو جالس على الأريكة يرى تلك الحقيبة التي تحوي المليون والنصف دولار ليهب على الفور لها ويفتحها فيجد النقود فيها، في تلك اللحظة قرر هاب مغادرة الشقة.

بالفعل غادر هاب تلك الشقة معه الشال الأسود وعينان "كاميكو" وحقيبة النقود، وعند وصوله إلى بوابة العمارة رأى سيارته العجيبة ليركب فيها بسرعة وكان يعرف تشغيلها حتى دون المفتاح.

قام هاب بتشغيل السيارة وانطلق بها ولكن إلى أين هو يذهب؟. لا يعلم! فقد كان يلف أنحاء المدينة كالتائه الذي فقد العنوان استمر يتجول في أنحاء المدينة قرابة الساعة الا ربع دون توقف، وبعد مضي هذا الوقت كان وكأنه فقد سيطرته على السيارة حيث اتجه به نحو مطار هذه المدينة وعلى بعد ما يقارب الثماني مئة متر عن المطار توقفت السيارة أمام محطة للوقود كانت قريبة إلى المطار، حيث نفذ وقودها كانت المحطة تضج بحافلة محملة بالناس منهم من عاد من الخارج عن طريق الطيران ومنهم من هو ذاهب إلى الخارج.

في ذلك الوقت ودون سابق أنذار نزل هاب من السيارة يحمل حقيبة النقود تاركا السيارة أمام محطة الوقود، إذ كان ذاهبا باتجاه العودة إلى المدينة. لينادى عامل المحطة عليه كثيرا لكن هاب كان وكأنه لا يسمع شيئا حيث أوقف سيارة أجرة وركب بها وطلب منه العودة إلى المدينة، فعندما رأى عامل محطة الوقود أن هاب قد ركب بسيارة أخرى قام بركوب السيارة ومحاولة إبعادها قليلا عن مضخة الوقود لكي يفسح المجال أمام الحافلات ويفتح الطريق ولكنه لم يجد المفتاح فيها فحاول بالضغط على جميع المفاتيح الموجودة على لوحة خاصة توجد بجوار المقود وبينما هو يحاول بها وصل إلى مفتاح أحمر يحمل أشارة اكس باللغة الانجليزية. فقام بالضغط عليه لتنفجر السيارة فتسبب دمارا وحريقا كبيرا في محطة الوقود، وحرق الحافلات التي تقل عددا كبيرا من المسافرين والعائدين والسياح.

بعد هذا التفجير بدقائق طلب هاب من سائق سيارة الأجرة بأن يتوقف قليلا فهو بحاجة للوقوف على رجليه فقد كان هاب يشعر بقوة كبيرة أصبحت تداهم جسده، وبالفعل توقف سائق سيارة الأجرة على الفور ونزل هاب من السيارة يقف على رجليه تملكه قوة كبيرة إذ أصبح قادرا على أن يشم رائحة والده لكنه لا يستطيع تحديد مكانه. (كيف ذلك فجاءة؟)

إن التجربة تقول في كل مرة يقوم بها هاب بعملية إرهابية لاحقة ما بعد ساعة بعد العملية الارهابية الأولى اي ان الزمن مابين العملية الارهابية الأولى والثانية لا يقل عن ساعة ولو قل عن ساعة فهو لا يساعد على تحديد مكان والده انما تتظافر قوته وتصبح كبير. ولكن اي عملة ارهابية لاحقة لا تقل في الوقت عن ساعة أو تفجير وينجح بها أو يكون سببا أو مسببا لها تزداد قوته إلى جانب انه يستطيع شم رائحة والدة وتحديد مكانه حتى لو لم تكن عن قصد، فيكفيه أن يكون طرف خيط، لذا فإن انفجار السيارة في محطة الوقود يعتبر عملا إرهابيا لاحق قد قام به هاب بالرغم من أنه لم يقم بتفجيرها أو يعلم بأنها ستنفجر، فيكفي علمه بأن هذه السيارة دون مفتاحه تعتبر بمثابة قنبلة موقوتة تخلف الكثير من الدمار خلفها، لذا من الواجب علينا أن لا نعبث بأي شيء نجده ولا نعرف حقيقته أو لم يسبق لنا أن تعاملنا معه خصوصا مع الأجهزة التي تكون محملة في حقائب ملقاة في الأماكن العامة أو السيارات التي لا نعرف أصحابها وتكون ملفتة للإنتباه في الأماكن العامة، فكثيرا منها يكون مفخخا ومعبئة بالقنابل لتخدم صالح الإرهاب.

بعد توقف لعشر دقائق أو فيما دون تقلب الريح اتجاهها وتتضاعف قوة هاب حيث أصبح يشتم رائحة والدة اثيودار وتحديد مكانه عن طريق الريح. إنه في مدينة "الأرض البيضاء" ركب مجددا في سيارة الأجرة وطلب من السائق العودة إلى المطار وبالفعل عاد سائق سيارة الأجرة بهاب الى المطار، وفي أثناء عودته على المطار مر بجانب تلك المحطة للوقود قد كان الإسعاف والشرطة تملؤ المكان حيث سقط الكثير من الضحايا جراء هذا الإنفجار ومن نجى منهم تسببت النار بتشويه جسده.

تابع هاب طريقه إلى المطار ولم يلقي أي اهتمام لكل ما شاهده، وحين الوصول أعطى سائق سيارة الأجرة أجرته ودخل إلى المطار يريد السفر على عجل إلى مدينة "الارض البيضاء" أو "أرض الثلج" (كييف روس)، وقد كان سفره الى هذه المدينة بالايحاء من والده اثيودار فكريا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"رواية طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب" للكاتب العربي عماد العمرات







  رد مع اقتباس
قديم منذ /12-15-2015   #3 (permalink)

سعوطآليي
 
الصورة الرمزية سعوطآليي

عُضويتيّ 2
الجِنسْ man
مُشآركاتيَ 33,382
تـَمَ شٌـكٌريَ 9102
شكَرتَ 7584
حلاُليٍ 0
آلدوُلة السعوديه
هناَ سأكونُ facebook  flickr  tumblr twitter  youtube
SMS الجنون هو فعل نفس الشيئ مرارا وتكرارا وتوقع نتائج مختلفة

مزآجي
3

MMS
1

الأوسمة وسآم الألفيه 25 المركز الاول في فعالية ابل المركز الثالث بـ فعالية تفسير سوره مميز القسم الاسلامي مميز بقسم الطبخ مشارك بفعالية من وحي الصوره مميز بقسم بلاك بيري مميز القسم الرياضي مبدعين ريلاكسين 2015 معزوفات آنامل وسآم الرد آلخِورآفيُ وسـآم آلمدير آلرآقيُ اجمل بروفايل المركز الثاني تكريم دورة الفوتشوب للمبتدئين تويتر 



سعوطآليي غير متواجد حالياً
افتراضي رد: رواية طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب الرواية المرشحة لجائزة نوبل للأدب 2016


روايــــــــــــــــــــة
طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب
الجزء الثاني / الفصل الثاني - ( روسيا)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

تابع هاب طريقه إلى المطار ولم يلقي أي اهتمام لكل ما شاهده، وحين الوصول أعطى سائق سيارة الأجرة أجرته ودخل إلى المطار يريد السفر على عجل إلى مدينة "الارض البيضاء" أو "أرض الثلج" (كييف روس)، وقد كان سفره الى هذه المدينة بالايحاء من والده اثيودار فكريا

يعود أصل تسمية هذه البلاد (الارض البيضاء) الى أول دولة للسلاف الشرقيين التي أنشأت في عام 988 على يد القديس فولوديمير الذي نقل العقيدة الأورثودكسية للدولة السلافية. وهي دولة داخلية في أوروبا الشرقية، حيث تقع في شرق أوروبا، وتمتد على طول القسم الشمالي من آسيا،. وأرضها سهلية تقل فيها المرتفعات باستثناء منطقتين الأولى هي سلسلة جبال الأورال الواقعة في المناطق الوسطى من البلاد والثانية هي منطقة شمالي القوقاز.هذا وقد عرفت هذه البلاد بالتكنولوجيا الفيزيائية والكيماوية ورائدة الفضاء.

أخبر مسؤول المطار هاب بأن يقوم أولا بحجز تذاكر للطيران من مكاتب الطيران، كمان أن هناك رحلتين فقط يوميا تسافر لهذه البلاد الأولى الساعة التاسعة صباحا والثانية الواحدة بعد منتصف الليل، وكانت الساعة حينها تشير إلى الثالثة عصرا فذهب وحجز تذكرة للرحلة الثانية التي تتحرك بعد منتصف الليل.

بقي هاب في المطار ينتظر موعد الرحلة وفي أثناء انتظاره يجلس عجوز كبير في العمر بجانب هاب في صالة الإنتظار حيث قام بمحاولة التعرف على هاب، لكن هاب لم يفسح له المجال للمعرفة والتزم الصمت لكن هذا العجوز كثير الكلام إذ يتضح من كلامه أنه شديد الوله بالأطفال حيث جعل يروي قصصا كثيرة لهاب تكاد أن تكون أشبة بالخيالية التي تروى للأطفال ليشعر هاب بالاستمتاع بما يقوله هذا العجوز أذ جعل يتحدث لهاب لحين إعلان موعد اقتراب إقلاع الطائرة.

ودع هاب حينها هذا العجوز وانطلق ليقوم بإجرائات السفر وبعدها يصعد إلى الطائرة، وأثناء ذلك تفاجأ أن كرسيه بجانب كرسي ذلك العجوز الذي قابله في غرفة الانتظار، سر هاب بذلك لأنه وجد من يسليه طيلة ساعات هذه الرحلة. هذا وأن العجوز استغرب كثيرا إذ سأل هاب بعض الأسئلة التي لا تفهم منها أين والده؟ وكيف يسمحوا لمن في عمر هاب السفر؟ وإلى أين يريد هاب الذهاب؟ وهل هناك من في انتظاره في المطار؟ إن هذه الأسئلة وغيرها تدل بأن هذا العجوز يرى هاب على هيئة طفل صغير وليس بالهيئة التي عليها وهذا آمر غريب يكمن ورآه سر كبير.

انطلقت الرحلة وبدأ العجوز بالتكلم مع هاب وسرد قصصه ومغامراته في الطيران إذ بدا واضحا من كلامه وطريقة تعامله مع هاب أنه يتعامل مع طفل صغير لا رجلا عاقلا، فمن ضمن القصص التي ذكرها أنه كان يعمل بمهنة طيار فيما مضى وأنه سافر إلى كل بلاد العالم حيث كان يملك طائرة خاصة به ينقل بها الأطفال والألعاب والطيور والحيوانات إذ عاد يتحدث كما كان في صالة الانتظار إلى حين أن وقت هبوط الطائرة في مطار "شيريميتييفو الدولي" حينها تظاهر هذا العجوز بالاشمئزاز من هذا المطار فسإل هاب عن السبب فبدأ العجوز بإخباره بقصة خرافية لا تمت للواقع في شيء من نسج خياله إذ أخبره بأن هذا المطار يفقد فيه كل يوم طفل صغير في العمر إذ تبتلعه أرض هذا المطار ويختفي. في تلك اللحظة شعر هاب بالخوف الشديد كما وأنه لا يعلم لماذا شعر بالخوف.

يعرف مطار "شيريميتييفو الدولي" بأنه أكبر مطار دولي في البلاد يبعد عن العاصمة حوالي 24 في الإتجاة الشمالي الغربي، ويعتبر المطار البوابة الجوية للعاصمة، حيث يعتبر المطار المقر الرئيسي ومركز عمليات شركات الخطوط الجوية، اذ يعود تاريخ إنشاء المطار الى عام 1959م أثناء حقبة الإتحاد، حيث يضم ثلاثة مباني للركاب وقرية للبضائع. ومن العام 1982م ذكر بتحطم طائرة ايروفلوت الرحلة411 من طراز إليوشن إي أل-62 اثناء إقلاعها من المطار، وقتل فيها جميع ركاب الطائرة البالغ عددهم 90 شخصا


وصل هاب والعجوز إلى المطار وقام هاب بمساعدة العجوز لإكمال اجرائات الدخول وحين وصلهم على الشباك سأل موظف المطار العجوز هل هذه أول رحلة سفر لك في حياتك فأجاب العجوز نعم. لم ينتبه هاب إلى ذلك أو لم يعر أي اهتمام فقد كان خائفا وكل ما يرجوه مغادرة هذا المطار على الفور.

فارق هاب العجوز وغادر المطار بعد أن أنهى إجراءات الدخول بسرعة، و مشى على أقدامه مسافة كبيرة حتى ابتعد عن أرض المطار ولا يدري إلى أين يذهب، إذ فقد هاب حينها شم رائحة والده اثيودار وبدت قواه تضعف شيئا فشيئا ومعنى ذلك أنه قد تم الإنقلاب الفكري الثاني بمجرد دخول هاب هذه البلاد. جلس هاب بعد قطع شوط كبير على حافة الطريق لا يعلم ماذا يفعل وإلى أين يذهب وماذا سيحدث له. حيث كان لا يعلم أنه في عاصمة هذه البلاد "مولودة النهر" حيث تدعى بـ"بيضاء الصخر" أو "العرش الأول".

وقف هاب حائرا، وبمرور سيارة تقودها امرأة تتوقف لمساعدته، فقد عرف عن نساء هذه البلاد أنها تحب المساعدة فإذا ما ضللت طريقك أو تقطعت بك الأسباب بتلك البلاد فإن أول من يتوقف لمساعدتك و مد يد العون هم من النساء، وهذه صفة حميدة عرفت عن نساء هذه البلاد.

ركب هاب بجانب تلك الفتاة التي تبدو بجمال خلاب كالسحر تماما دون أن يتكلم معها أو أن تأذن له بالركوب فقد كان متعبا جدا كما وأنه اعتقد بأن توقفها من أجل أن يركب فقط استغربت تلك الفتاة من هاب وانطلقت بالسيارة.

بقيت تلك الفتاة قرابة نصف ساعة دون أن تكلمه، إلى حين وصولها إلى مطعم يقدم بعض المأكولات السريعة والشهية، لتوقف السيارة و تترجل منها فسألته إن كان جائعا، فأجاب: "نعم أتضور من الجوع" ابتسمت له وذهبت لإحضار بعض من السندويشات، هذا وقد طلبت من هاب أن لا يغادر المركبة لحين عودتها.

عادت الفتاة و بوحزتها وجبات طعام شهية وزجاجة مشروب روحاني (خمره)، قدمت وجبة له ويلتهمها في غضون ثواني مما أدهش تلك الفتاة لتقدم له وجبة أخرى، فقد شعرت بأنه جائع جدا، وبعد أن أنهى طعامه سألها عن اسمها، فابتسمت وأجابت: "ماريا" (ومعناه المرأة البيضاء البراقة) لتسأله عن اسمه فيخبرها أنه يدعى هاب، ثم سألت "ماريا" هاب عن موطنه ومن أين هو، فأجاب أنه لا يعرف، استغربت "ماريا" من هذا و سألته عن السبب لمجيئه إلى هذه البلاد، فأجاب هاب أنه يبحث عن شخص لا يعرفه ولا يعرف اسمه أو شكله، ولماذا يبحث عنه، فكان كل ما يعرفه هو شكل عينا هذا الرجل، ورائحة العطر التي كانت تعبق بالوشاح الذي على عنقه وكانت قد اختفت بالنسبة إليه ولكن "ماريا" تشتمها بوضوح.


لم تسأل "ماريا" أو تتحدث عن العطر و الشال إنما سألت عن هيئة عيناه، أخرج هاب من جيبه عينان تعودان إلى كين.. فيقول: هكذا.. اثار الذعر بـها فركنت المركبة على حافة الطريق مرتعبه، أعاد هاب العينين إلى جيبه والتزم الصمت، بقيت "ماريا" متوقفة لبضع دقائق ثم تحركت ولم تطلب منه مغادرة المركبة. باعتقاده انه يعاني من مرض نفسي أو أنه فاقدا الذاكرة فقررت مساعدته.

بعد وقت طويل من الصمت والتفكير سألت "ماريا" هاب عن ماهية الحقيبة الحمراء التي بحوزته، فأجاب هاب بأنها تحتوي على (2) مليون دولار و أراها إياهم، مما جعلها أن تنصحه بضرورة وضع هذا المبلغ الكبير في أحد المصارف حفاظا عليه. فأجابها بأنه لا يعرف كيف.! فتوجهت "ماريا" إلى أقرب مصرف مالي.. وترجلوا من المركبة و حقيبة النقود، وحال وصولهم إلى موظف البنك طلب من هاب وثيقة إثبات كبطاقة شخصية أو جواز سفر حينها صمت هاب، لتقوم "ماريا" بأخذه جانبا و تقول له يجب ان يكون هناك ما يثبت هويتك وإلا لن يستطيع وضع النقود في البنك، حينها تذكر هاب جواز سفره ليخرجه من جيبه ويعود إلى موظف البنك ويعطيه إياه.

تم فتح حساب إليه وإيداع المبلغ فيه ثم غادرا وركبا السيارة وانطلقا.. قبل الإنطلاق طلبت "ماريا" من هاب أن يريها جواز سفره، فأعطاها إياه.

الغريب في الأمر أن هاب مسجل باسم غير ما قاله لها "آيكو" كما أن جواز السفر يحمل اسم موطن مدينة "منبع الشمس" ومكان السكن يحمل اسم موطن الحب، وهذا غريب جدا أضف إلى ذلك ومن خلال جواز السفر عرفت أن هاب لم يسافر أبدآ في حياته، تلك هي الرحلة الأولى له ، أمر محير ومعقد جدا.

استمرت "ماريا" صامتة تقود المركبة ولا تعرف إلى أين تذهب فكل ما يشغل بالها هو حل هذا اللغز الكبير، ولكنها لم تستطع التوصل إلى شيء مطلقا، حينها قررت أن تبقي هاب معها فإن وراءه سر كبير يجب أن تعرفه، إلى جانب ذلك أنه يملك الكثير من المال وهي بحاجة إليه، فقد تظفر منه بكل المال الذي يملكه كما أن هاب لا يعرف شيء وفاقدا للذاكرة وبحاجة إلى مساعدة وأنها الأنسب لمساعدته.

هذا ما كانت تفكر به "ماريا" طيلة فترة صمتها لتقوم بعد ذلك بالإتجاه نحو منزلها، وفي أثناء وصولها طلبت من هاب أن ينزل معها وأنها ستستضيفه هذه الليلة، رحب هاب بذلك وفرح كثيرا فقد شعر بالراحة تجاه "ماريا".

دخل كل من "ماريا" وهاب إلى المنزل وكانت "ماريا" ترحب به كل الترحيب، كان منزلا جميلا جدا، يتكون من ثلاثة غرف غير متساوية الحجم و متباعدة عن بعضها البعض، فقد كان المنزل غريب النظام بعض الشيء، غرفتان متقابلتان يفصل بينهما صالون كبير يلتف بدورانه كالبار أو ما شابهه مطبخ فاخر، يشبه في تشكيلته سلة فاكهة، و درج للصعود من فوق المطبخ بمنحنى لولبي يصل إلى غرفة كبيرة مستطيلة الشكل لا باب لها أو نافذة ممتدة إلى شرفة ذات أعمدة ثلاث تطل على حديقة للورد بجانب المنزل، وفي الجهة اليسرى من هذه الغرفة حمام صغير، كما أن هذه الغرفة ملونة بألوان الطيف، يعود منها درجا للنزول إلى صالة المنزل فالصعود لتلك الغرفة يتم من الدرج اللولبي فوق المطبخ والنزول يتم عن طريق درج يؤدي إلى صالة المنزل، بالإضافة إلى انتصاف عامود وسط الصالة يحمل في شكله الفن التجريدي، وحمام كبير بجانب الغرفة التي على يسار المنزل قريب إلى باب باللون الأسود، تتخلله عروق كعروق العنب حملت اللون الفضي، يحتوي المنزل على الكثير من المرايا، إذ لا يخلو ركن من المنزل إلا وبه مرآة، وذلك يعود لأن "ماريا" جميلة جدا وهي تحب جمالها كثيرا مما يجعلها ترى نفسها وجمالها أينما نظرت.

هذا ولا ننسى أن إضاءة المنزل لم تكن من السقف كما هو متعارف عليه بل من أرضية هذا المنزل، بالرغم أن سقف المنزل يحمل الكثير من الثريات التي لا تحتوي على إضاءة فقد كانت هذه الثريات المتدلية من السقف تحمل المرايا أيضا، مرتبة بطريقة هندسية مبهرة فقد كانت الإضاءة من أرضية المنزل تعكس على تلك المرايا، التي تحملها تلك الثريات لتقوم بعد ذلك بتوزيع الإضائة على أركان المنزل بالتساوي وهي إضاءة صحية كما تعتقد "ماريا" ومن الجهة اليمنى وبجانب باب الغرفة من اليمين للغرفة المقابلة التي تجاور الحمام والباب سلم خشبي تصعد من خلاله إلى غرفة توجد على السطح ذات شكل هندسي ثماني الشكل والأبعاد، قد ألصقت جميع جدرانها بالفسيفساء بأشكال للطيور الكاسرة والأسود.

وهناك سور يلف المنزل بأكمله مطلي باللون الأزرق يتخلله خطوط متساوية باللون الأبيض، له مدخلا واحدا يستوعب دخول سيارة "ماريا" فقط، وستة أشجار ذات الخضرة الدائمة والنوع الواحد إلى جانب حديقة الورد التي تطل عليها شرفة المنزل بالغرفة العلوية، أما أرضية هذا المنزل فقد اختلف في شكله ونوعه ما بين الغرف والقصد هنا أن أرضية الصالة والحمام والغرفتان المتقابلتان تختلف عن أرضية الغرفة ذات الدرج اللولبي، وأرضية الغرفة التي فوق السطح بتكوين ثلاث طبقات متقاربة فيما بينها في المنزل، متباعدة الأشكال والتصاميم، فأرضية الصالون والغرفتان المتقابلتان والمطبخ والحمام كان مدمجا بلون الصحراء أما الغرفة المستطيلة في الشكل وحمامها وشرفتها حملت أرضية ذات لون أخضر خماسي وسداسي وسباعي وثماني الشكل، أي بمعنى أن القطعة الواحدة قد تكون خماسية الشكل أو سداسية أو سباعية أو ثمانية منسقة في تركيبها، لتعطي منظرا خلابا، أما أرضية الغرفة التي فوق السطح فهي مربعة الشكل أخذت اللون الأحمر.

بيت جميل جدا أليس كذلك؟

اندهش هاب كثيرا من روعة هذا المنزل وجماله فقد قامت "ماريا" بجولة سريعة بصحبته إلى جميع أنحاء المنزل لتشعره بأنها ذات ثروة ومال وأنها لا تطمع به والعكس هو الصحيح.

كانت "ماريا" من متابعي السياسة والمهتمين بالأخبار لدرجة أنك ترى أوراق الجرائد في كل مكان من منزلها، أضف إلى ذلك شاشة عرض كبيرة متواجدة في الصالة، تبث وبشكل دائم الأخبار والأوضاع السياسية في العالم أجمع.

"ماريا" يبدو عليها الذكاء أيضا بجانب جمالها، وقدرة المراوغة يملكها حلم وفرة المال الكثير والسيادة. ودودة وتحب المساعدة ولكن ليس في كل الأحوال، مزاجية ومتعصبة لقراراتها نشيطة جدا وذات حركة دائمة، فهي لا تجلس في مكان واحد أكثر من نصف ساعة، لذا تراها كثيرة التنقل، خبيرة في أماكن بلادها لها صديق أو عشيق مهووس بها ومهووسة هي أيضا به يسمى "يوري" يسكن مدينة أخرى بعيدة عن مدينة "ماريا" لذلك لا تراه كثيرا، ففي كل ثلاث أشهر تراه مرة، أما أن يأتي لها ويمكث أسبوعين أو أن تذهب هي له فتقضي أسبوعا واحدا هناك.

"ماريا" تحب الموسيقى الصاخبة والرقص الفوضوي الذي يكون بعد درجة كبيرة من الثمالة والسكر.

قامت "ماريا" بتحضير الحمام لهاب كي يستحم ويغتسل من جراء السفر، أعطته بنطالا و بلوزة من ملابس عشيقها "يوري"، قام هاب بالاستحمام حيث مكث وقتا طويلا ليخرج بعد ذلك بهيئة جميلة جدا، فقد كانت جميع المرايا في المنزل تحمل شكله الوسيم والملفت للانتباه، لتندهش "ماريا" بما رأته من وسامة ورجولة هاب بعد الاستحمام لتصحبه على الفور إلى الغرفة ذات الدرج اللولبي لتجلس معه على الشرفة مقابل ورد الحديقة، حيث أحضرت كأسان وزجاجة كبيرة من الكحول فاخر النوع ويشربان الخمر، وتستلطفه وتتمتع برؤيته فكلما نظر هاب إلى ورود الحديقة زاد جماله ووسامته وبانت روح رجولته.

شرب هاب ما يقارب الثلاث كؤوس من الكحول بينما شربت "ماريا" ثمانية كؤوس مضاعفة لتصل إلى درجة عالية من الثمالة والسكر، لتتجه إلى الصالة الواسعة تشغيل جهاز التسجيل بصوت مرتفع و موسيقى صاخبة فترقص هي وهاب بجنون حتى يتعب الإثنان فيلقيا بأنفسهم بأرضية المنزل ويناما نوما عميقا استغرق أكثر من أربعة عشر ساعة مستمرة، ليستيقظ هاب على حلم مرعب فيصرخ بصرخة غريبة ويقول انقذوني أنا أموت فالأرض تبتلعني.

استيقظت "ماريا" من نومها مفزوعة لتقترب بسرعة من هاب في محاولة منها لتهدئته ومواساته لتسأل بعد ذلك ما سبب صراخه، حينها أجاب هاب أنه رأى شيئا مرعبا في منامه أي كابوس وهذه أول مرة يرى فيها هاب حلما في منامه، إذ رأى أن أرض المطار قد كادت أن تبتلعه وكان الكثير من الناس يراه فلم ينقذه أحد منهم وقبل أن تبتلعه بالكامل استيقظ من نومه.

ضحكت "ماريا" حينها وقالت له أن هذا حلم والحلم من الخيال، لم يفهم هاب ذلك إذ أصر بأنه حقيقة، حينها شعرت "ماريا" بأن هاب لم يسبق أن رأى مناما في حياته أبدا، وهذا جعلها تحتار أكثر في أمر هاب وتسأل نفسها عشرات الأسئلة التي لا يوجد لها أجوبة في الوقت الحالي على الأقل.

هدأ هاب قليلا لتقوم "ماريا" بتحضير مائدة من الطعام اللذيذ ويتناولا الطعام سويا بروح الدعابة والنكتة فـ"ماريا" تحب النكات كثيرا، وبالمجمل قد عرف عن سكان بلاد "ماريا" رغم جمود ملامحهم وجوههم إلا أنه شعب يحب النكتة والضحك، فبعد الطعام اللذيذ قررت "ماريا" أن تصحب هاب في رحلة قصيرة للتنزه وقضاء وقت ممتع بصحبتها وتعريفه ببعض الأماكن الأثرية والسياحية في البلاد والإطلاع على حضارتها ومعرفة أماكنها.

رحب هاب بذلك حيث قامت "ماريا" بإحضار ملابس لهاب من ملابس معشوقها "يوري"، لبس هاب تلك الملابس وبدا أكثر أناقة فيها، ثم انطلقا، كان أول مكان يذهبان إليه كان كنيسة "كاتدرائية سانت فأسيل" والتي تتميز بالقباب بصلية الشكل وذات الألوان المبهجة. وهي أشهر مباني في البلاد ورمز دولي للعاصمة. بنيت في القرن 16 إذ أنها فن معماري فائق الجمال حيث لا يوجد لها مثيل وقد قيل في الإعتقاد السائد أن أيفان الرابع قد فقأ عيني المهندس المعماري "بوستنك ياكوفلف" الذي صممها لمنعه من تقديم شئ أعظم من هذا الشيء. لكن الحقيقة أن "ياكوفلف" قام بتصميم عدة كنائس بعد هذه الكاتدرائية أحدها في قازان.

تابع "ماريا" وهاب جولتهم لمعلم أثري يعرفه العالم أجمع بروعته وجماله إنه "الساحة الحمراء" أو "الميدان الجميل" "كراسنيا بلوشتشاد" وهو الإسم القديم. واسم الميدان الأحمر لم يشتق لا من لون الطوب حوله ولا من الرابطة بين اللون الأحمر والشيوعية. اذ يعتقد أن التسمية تعود إلى كون الكلمة كراسنيا يمكن أن يعني إما أحمر أو جميل. إلى جانب الرواية التي تقول بأن اييفان الرابع أقام فيها مذبحة عظيمة بسبب وفاة زوجتة ولذلك سميت الميدان الأحمر. و يعتقد أنه حصل على اسمه الحالي في القرن السابع عشر. إذ يعتبر أحد أجمل المعالم الأثرية في العالم.

أمضى كل من "ماريا" وهاب وقتا ممتعا بالتجوال ومشاهدة الأماكن الأثرية التي تبرز عراقة وتاريخ "أرض الثلج" حيث تناولا طعام الغداء سويا في مطعم بسيط يقدم أشهى وألذ المأكولات الشعبية المتعارف عليها لدى سكان البلاد.

كان الغداء عبارة عن طبق يحتوي على أصناف السمك الأحمر والقشدة، ودقيق الجودار. ويعتبر هذا الطبق من أشهر المأكولات التي تتميز بها "أرض الثلج" إلى جانب (الكافيار، الشي، اوخا، و بليني)

بعد أن أنهيا طعامهما تابعا جولتهما السياحية حتى وصلا إلى نهر موسكوفا سميت العاصمة نسية له. فعلى الطرف الأيسر من النهر يقع معلم أثري بالغ الجمال إنه كرملين مدينة تولا – الذي شيد في القرن 16 وكان حصنا منيعا بوجه غزوات الأعداء. وللكرملين 9 أبراج يوجد بأربعة منها بوابات ولكل برج اسم خاص به. والكرملين عبارة عن مدينة بداخل مدينة حيث كان يعيش بداخله عمليا جميع السكان العسكريين منهم والمدنيين وجاء في المدونات التاريخية لعام 1625 و 1685 أن كرملين المدينة كان يتضمن 107 مبان وكان يمر فيه اقدم شارع وهو شارع الكرملين الكبير. كما تقع ضمن حدود الكرملين كاتدرائية صعود العذراء المبنية على طراز باروكو عام 1766 وكاتدرائية ظهور المسيح المبنية عام 1855 المبنية تخليدا لضحايا الحرب الوطنية.

اندهش هاب كثيرا من عظمة هذه المدينة، وكان في غاية السعادة والسرور وكان متشوقا لرؤية المزيد، فقد لاحظت "ماريا" عليه ذلك لتصحبه إلى معلم أثري آخر بالعاصمة ألا وهو "كنيسة الصعود" ذات البناء الأثري الفريد والأهمية التاريخية، حيث شيد بناءها عام 1532 بأمر من الأمير "فاسيلي الثالث"، وتعتبر من أول المعابد القديمة في البلاد المبنية من الحجارة، وقد تميزت عمارتها بأنها على شكل خيمة. بارتفاع 62 مترا لأعلى نقطة فيها. وكان بناء هذه الكنيسة إحتفاءا بميلاد إيفان الرهيب إبن الأمير "فاسيلي"، تحول بعدها هذا النمط من البناء إلى نموذج معماري فريد كان يحتذى به في ذلك الوقت.
ومن الجدير بالذكر هنا أن بلاد الثلج حملت على أرضها 23 موقعا أثريا مدرجة ضمن قائمة الآثار العالمية لمنظمة اليونسكو، منها 3 أماكن أثرية سبق ذكرها، تقع ضمن حدود مدينة العاصمة للبلاد.

.أوشك هاب و "ماريا" على إكمال جولتهم السياحية حيث انتهت بالتجوال في أنحاء المدينة ليذهل هاب بقبب الكنائس الذهبية ودرجة تنظيم الشوارع والبحيرات. كان هاب مستمتعا جدا وسعيدا بما يراه، وأيضا "ماريا" كانت سعيدة جدا بصحبته. حيث شرحت له عن أدبهم العريق وفي هذا الموضوع بالذات كانت متشددة جدا في شرحها عن أدبهم وعلمهم، بالرغم أن هاب كان مستمعا ولم يناقش في شيء أبدا، فقد قيل لا تجادل أي من أفراد شعب "بلاد الثلج" في أدبهم لأنك خاسر، فهم ملمين جدا بكتبهم وأدبهم وأدبائهم وشعرهم وشعرائهم، كما أن شعب هذه البلاد يميلون لمدح بلدهم كثيرا فهم يتفاخرون بها ويكرهون انتقاد بلدهم وتاريخها، وهذا ما عرف عنهم.

عادت "ماريا" وهاب إلى المنزل بعد جولة رائعة حملت المعرفة والاستمتاع بالأماكن السياحية والمواقع الأثرية لبلاد الثلج العريقة.

دخلت "ماريا" للإستحمام وظل هاب جالسا بمفرده، لقد بدت ملامح الضعف تظهر شيئا فشيئا على هاب أضف إلى ذلك بعضا من الأفكار الغريبة والمشوشة بعض الشيء، وبينما هو يجلس على الأريكة في الصالة لفت انتباهه ذلك السلم الخشبي الذي يصعد إلى الغرفة العلوية، ليصعد متجها نحوها. ففي حين وصوله أخذ يتأمل الصور الفسيفسائية الموجودة على جدرانها إذ لفت انتباهه صورة لنسر جارح وهو ينقض على فريسته ويمزق أشلائها بشراسة. في ذلك الوقت أنهت "ماريا" الاستحمام و أخذت تنادي عليه لكنه لم يكن يسمع نداءها.

استغربت "ماريا" من عدم وجوده وقلقت عليه و خشت أن يكون قد رحل، فبدأت بالبحث عنه في أنحاء المنزل لتصعد أخيرا إلى تلك الغرفة لتجد هاب يقف بصمت رهيب أمام صورة ذلك النسر إذ أنه من شدة تأمله بصورة النسر، لم يشعر بقدوم "ماريا" ولم يسمع صوتها أيضا بالرغم أنها كانت تكلمه حين وصولها للغرفة، لتصمت وتبقى بعيدة عنه و تقف ورائه على بعد بضعة أمتار تطالعه.

دقائق حتى التفت هاب إليها وشعر بوجودها، لتصاب "ماريا" بالذعر المفاجيء حين نظر لها هاب وتضع يداها على عينيها فقد كانت عينا هاب تبرق بنار حمراء، ليمسك هاب بيدها فتنظر مرة أخرى لعينيه فلا تجد ما رأته، فيقوم هاب بوضع رأسه على صدرها طالبا الحنان كما لو كانت أمه.

استمر هاب بإبقاء راسه على صدرها قرابة ربع ساعة، لتسأله عن سبب صعوده إلى هذه الغرفة، ليجيب أنه لا يعرف وفجأة رفع رأسه ومسك يدها مسرعا و مغادرا الغرفة، وبالفعل نزلا ليجلسا على الشرفة التي تطل على حديقة الورد، إذ كان هاب خائفا جدا.

كانت "ماريا" مستغربة من كل ما دار وتسأل هاب ما باله؟ وماذا دهاه فجأة؟ ولماذا هو خائف؟ ليعود هاب من جديد يضع رأسه بين أحضانها ويقول لها وهو يبكي أنه لا يحب تلك الغرفة ففيها عفاريت. ضحكت "ماريا" من قول هاب وقالت لها أن العفاريت لا توجد إلا في الخيال، لكن هاب يؤكد ذلك فشعرت "ماريا" بأن صورة النسر قد نسجت شيئا في خيال هاب ويعتبرها عفريتا، فأخذت تمسح على شعره بيدها وتقول له لا تقلق سأطرد العفريت منها، حيث كانت تعامله كما الأطفال فهي شعرت بوجود طفل داخل هاب، أي أن قلبه وتفكيره مثل الأطفال وبالفعل هدأ هاب بدأت ملامح وجهه بالابتسام، فقد شعر براحة وحنان كبير وهو بأحضان "ماريا".

يقرع جرس الباب فتذهب "ماريا" لتتفقد القادم، حيث بقي هاب جالسا لوحده على الشرفة، تفتح "ماريا" الباب لتجد ساعي البريد وقد أحضر لها مغلفا يحمل رسالة لها، وقعت على وصل استلامها ليذهب حامل البريد وتغلق الباب بعده، لتقوم "ماريا" على الفور بفتح المغلف لتقرأ محتوياتها، وأخرجت ورقة بيضاء فارغة من الحروف، استغربت "ماريا" وعادت إلى المغلف لترى العنوان، فلم تجد أي كتابة أو عنوان عليها، لتفتح الباب بسرعة محاولة اللحاق بساعي البريد لكنه اختفى فجاءة.

عادت "ماريا" إلى هاب وبدى عليها الاستغراب مما حدث، سأل هاب ما الأمر ومن كان بالباب لتجيب لا أحد إنه ساعي البريد أحضر لي رسالة وسكتت لبضع الوقت. ثم ذهبا للنوم فقد كان يومهما شاقا وممتعا.

صباح اليوم التالي تستيقظ "ماريا" لتقوم بتحضير وجبة إفطار دسمة ومن ثم توقظ هاب لتناول الإفطار معها، فبعد الانتهاء تطلب من هاب تجهيز نفسه للخروج من أجل شراء بعض الحاجيات للبيت وأيضا ملابس له، كما سيتناولان طعام الغداء في الخارج.

سر هاب بذلك وذهب لتجهيز نفسه، وأيضا "ماريا" ذهبت لتجهيز نفسها وهي مشغولة البال مشوشة الفكر جراء تلك الرسالة الغريبة التي وصلتها ليلة البارحة.

جهزا الإثنان نفسيهما وانطلقا بالسيارة، كان الصباح في تلك المدينة يعبق بالقلب جمالا وبشوارعها إذ يدب بالحياة والإستمرارية رغم برودة الطقس. اشترت "ماريا" لهاب ملابس جميلة وكل ما يلزمه على حسابها الخاص. كما واشترت مستلزمات البيت وأيضا فستانا في غاية الجمال وباهظ الثمن، ثم ذهبا إلى مطعم مرموق يقدم أشهى وألذ المأكولات، إذ تناولا الكافيار وهي من الأصناف المشهورة في هذه البلاد.


كان الغداء لذيذا بالفعل، فقد بدا ذلك من طريقة أكل هاب إذ كان يأكل بسرعة وشهية كبيرة. أنهيا الغداء ليتحركا بعدها بجولة سريعة على الأقدام في بعض شوارع المدينة.

وبينما هما يتجولان في أزقة المدينة، يصادفان أمرا غريبا للغاية إذ شاهدا ثلاثة أطفال لم تتجاوز أعمارهم الثانية عشر يصعدون إلى سطح مبنى مكونا من ستة طوابق ليقوموا برمي أنفسهم من عليها والانتحار. كان الأمر غريبا للغاية ومحزنا جدا فما هو الشيء الذي يدفع هؤلاء الأطفال للإنتحار وهي ظاهرة غريبة أصبحت تنتشر في أنحاء هذه البلاد. وقد تمتد إلى بقية أنحاء العالم.

اتجه هاب سريعا إلى جثث هؤلاء الأطفال وبدأ ينظر لهم بنظرة حزن عميقة وهو يبكي وكأنه يعرفهم، اندهشت "ماريا" مما رأته حيث اجتمع حشد كبير من الناس على هذه الحادثة وأتت الشرطة الأمر الذي جعل "ماريا" تقوم بسحب هاب بقوة ومغادرة المكان على الفور. خوفا من أن يعتقد البعض أن هناك علاقة لهاب بما حدث. فيتعرض للسؤال والمسائلة القانونية كون أن هاب كان يبكي ويزيد البكاء والصراخ.

أخذت "ماريا" هاب إلى (كفتيريا) قريبة وطلبت له كأسا من عصير الليمون لتهدئة أعصابه فهاب كان في غاية الإنزعاج والحزن لما رآه، فمنظر الأطفال وانتحارهم جعل من هاب في غاية الضعف.

كانت "ماريا" مندهشة جدا من تصرف هاب، وما فعله وبكائه على هؤلاء الأطفال وكأنه يعرفهم، فقد شعرت حينها بأن هاب حنون ويحمل قلبا طيبا جدا. وما فعله قد أكد لها ذلك.

لم تتكلم "ماريا" مع هاب إلى حين أن هدأت أعصابه تماما، لتقوم بعد ذلك وتقرر أن يعودا إلى المنزل، وبالفعل تحرك هاب و "ماريا" باتجاه السيارة للعودة إلى هناك، حيث طلب هاب من "ماريا" أن يتولى قيادة السيارة ملبية طلبه وانطلقا في طريق العوده إلى المنزل. ليعم السكوت على وجها أثناء الطريق، فقد عاد موضوع الرسالة يشغل تفكير "ماريا" ، إضافة إلى ذلك ما حدث من هاب أمامها تجاه الأطفال، فقد تجمعت جميع الأفكار في رأسها حتى غابت في لاوعي عميق حتى وصولها إلى المنزل.

وعندما وصلا استغربت "ماريا" كثيرا إذ شعرت أنها وصلت بسرعة إلى المنزل وذلك لغيابها بالتفكير أثناء العودة بموضوع الرسالة وموضوع هاب. ولكن كيف لهاب أن يستدل عنوان المنزل دون أن يسأل "ماريا" عن شيء، فعنوان المنزل من الصعب أن تستدل عليه بسرعة ومن أول أو ثاني مرة. حينها شعرت "ماريا" بأن هاب رجل ذكي ولا ينسى، ولكن كيف فهو لا يعرف من أين هو ولا من تكون عائلته، أو أشياء عن حياته. إن في الأمر سرا كبيرا. كل هذا وأكثر كان يدور في عقل "ماريا" من وقت نزولها من السيارة وحتى دخولها إلى غرفة نومها الخاصة.

بدلت "ماريا" ملابسها وكان هاب لم يكمل بعد تبديل ملابسه في الغرفة المقابلة لغرفة نوم "ماريا" الخاصة، هذا وأن "ماريا" قد قامت بتجهيز تلك الغرفة لهاب مسبقا، وأنها مكان نومه لحين أن يغادر.

جلست "ماريا" في صالة المنزل تطالع التلفاز وتنتظر هاب لكن هاب تأخر في تبديل ملابسه، لتذهب فترى ما الأمر ولماذا تأخر هاب في تبديل ملابسه.

وصلت "ماريا" إلى الغرفة وقامت بفتح الباب بهدوء لترى هاب يقف أمام المرآة يرى نفسه في الملابس الجديدة. ابتسمت "ماريا" في تلك اللحظة وتأكدت أن هاب كما الأطفال، ثم دخلت وهي تصفق بإعجاب مندهشة لأناقة هاب بالملابس الجديدة. فقد مسكت يداه لتقوم بلفه لفة إعجاب وهي تصفر له بإعجاب كبير، وبعد ذلك تلقي برأسها على صدره وتطوق بشوق ذراعيها خصره وهي تقول: "أنت جميل ووسيم جدا" ثواني لتقوم بتقبيله على شفتيه قبلة سريعة ثم تخرج وهي تقول له: "بدل ملابسك بسرعة واتبعني لصالة المنزل".

بدل هاب ملابسه بسرعة كما قالت له "ماريا" ولحق بها ليرى أنها بدلت ملابسها أيضا ولبست قميص نوم شفاف يحمل اللون الأسود. فقد بدت فيه أكثر جمالا وأنوثة، حيث كانت تتمدد على الأريكة الشبه دائرية التي توجد أمام التلفاز في الصالة. وكأنها بهيئة فتاة ممدة على شاطئ البحر وهي تبتسم.

تفاجأ هاب بما يراه من جمال وأنوثة طاغية تفتك بأي رجل، لتطلب منه أن يجلس بقربها، لتمسك يده حينها وتضعها على وجهها وتقوم بتقبيلها. لحظات حتى تقوم "ماريا" بالوقوف وسحب يد هاب تأخذه إلى الغرفة ذات الشرفة المطلة على حديقة الورد حيث صعدت لها عن طريق درج النزول لا درج الصعود.

حينها خالفت أحد قرارات بيتها، والتي تعمل بها وتطبقها كمنهج وقيمة لا يمكن تبديلها. وصلت إلى الغرفة ومعها هاب وفي منتصف الغرفة قامت بتقبيل هاب بحرارة وجنون من شفتيه حتى أجبرته أن ينزل على ركبتيه من حرارة التقبيل لتقوم بتمزيق ملابسه بشراسة وقوة وأنوثة. كان هاب مذهولا كثيرا مما يحدث لكنه لم يفعل شيء وكأنه مسلوب الإرادة.

أرضية هذه الغرفة باردة كما وأن هذه الغرفة ليس لها باب ولا يوجد فيها سرير أو أريكة أو أي شيء غير المرآة المعلقة على حائطها ومجموعات الجرائد القديمة المرتبة فوق بعضها البعض فكما نعلم أن "ماريا" تحب مطالعة الجرائد والإحتفاظ بها.

تتوقف "ماريا" فجآة عن تقبيل هاب لتقوم بتغطية أرض الغرفة بتلك الجرائد القديمة وإطفاء الضوء، كان جسد "ماريا" ينير كما الضوء في عتمة الغرفة من شدة جمالها، وكان هاب مستلقيا على ظهره لا يغطي جسده أي شيء؛ لتقترب "ماريا" منه بخفة وأنوثة طاغية فتجلس فوقه وتلف يديها على عنقه لتسحب رأسه على صدرها فيقوم بشم عطرها "البرفان"، ومداعبة نهديها بيده دون أن يكشف عنهما، حينها أصبح هاب يتعامل معها كما لو كان طفلا صغيرا يطلب الحنان، فقد ذهبت منه نشوة ال*** في تلك اللحظة. لم تنتبه "ماريا" لهذا فقد شعرت بنشوة كبيرة فهذه أول مرة تشعر بمثل هذه المداعبة من رجل.

كاد هاب أن ينام لولا أن "ماريا" قامت و فجأة بتقبيل شفاهه لتبدأ بعدها عملية الجماع وال*** بإثارة وعنف وشبق من "ماريا" أولا ومن ثم هاب، فقد استغرق جماعهما أو عملية ال*** بينهم قرابة الساعة والنصف، ولكن دون أن تكشف "ماريا" عن صدرها "نهديها" لهاب. ففي حين نزول المني من هاب كسرت المرآة المعلقة على حائط الغرفة بصورة غريبة حيث تناثرت أجزاءها في جميع أنحاء الغرفة، مما أسفر عن تطاير جزء منها فيصيب كتف "ماريا" بجرح عميق بعض الشيء لتسقط دمائها على تلك الجرائد.

لم يعرف هاب بماذا يتصرف حين شاهد الدم، لتطلب منه "ماريا" أن يذهب ليأتي بحقيبة الإسعاف الموجودة بالخزانة الصغيرة التي بقلب العمود ذا الفن التجريدي في الصالة، ليذهب فورا و يحضر حقيبة الإسعاف فيقوم هو بتعقيم الجرح الذي بكتف "ماريا" والربط عليه ثم حملها إلى غرفة نومها ووضعها على السرير والجلوس بجانبها ومواساتها والتخفيف عنها حتى أقفلت عينيها لتنام، حينها نهض هاب ليغادر غرفتها فمسكت "ماريا" يده وطلبت منه أن ينام بجانبها هذه الليلة.

وافق هاب على طلب "ماريا" و استلقى بجانبها لتقوم "ماريا" بوضع رأسها على صدره فتنام، لينام بعدها بقليل هاب أيضا، وفي منتصف الليل يحلم هاب نفس الحلم ألا وهو حلم المطار ليستيقظ مفزوعا من نومه وهو يصرخ فيوقظ "ماريا" معه وهي خائفة وتسأل "ما الأمر" فيخبرها أنه نفس الحلم الذي حلم به ليلة البارحة.

قامت "ماريا" بامتصاص الخوف من قلب هاب وتهدئته حتى أقفل عيناه لينام لتعود فتضع رأسها على صدره وتنام هي أيضا، وفي الحقيقة أن هاب لم ينم إنما تظاهر بالنوم من أجل أن تنام "ماريا"، حيث بدأت الأفكار تجول في رأسه وتتكاثر دون أن يعرف أو يصل إلى شيء حتى طلوع الفجر فينام حينها.

استيقظت "ماريا" من نومها وهي تشعر براحة كبيرة جدا لم تسبق وأن شعرت بها من قبل طوال حياتها كلها لتفتح ستائر الغرفة وتقبل هاب على جبينه وتذهب كي تعد وجبة الإفطار. هذا وإنها لا تشعر بأي ألم في كتفها نتيجة الجرح ليلة البارحة. لتقوم باعداد الإفطار وأخذته إلى غرفة النوم لتناوله على السرير برفقة هاب.

استيقظ هاب بابتسامة كبيرة لتقوم "ماريا" بإطعامه بيدها وهو أيضا كان يطعمها بيده، وكأن "ماريا" عشقت هاب، أنهيا الإفطار وقامت "ماريا" للإستحمام في روعة صباح فريد وجميل بالنسبة لها.

دخلت "ماريا" الحمام ونزعت ملابسها وتمددت في مغطس الحمام تنعم بدفء الماء وتلعب في رغوة الصابون لتقوم بعدها بدعك جسدها وفجأة ونتيجة الماء يفك الرباط الملصق على الجرح الذي بكتفها لتغطي الجرح رغوة الصابون، لتقوم على الفور بمسح رغوة الصابون عن كتفها فلا تجد أي خدش في كتفها أو جرح إنما احمرارا شديدا ينتج عن لطمة قوية لم تتسبب بجرح. استغربت "ماريا" كثيرا فالدم قد غطا بعض أوراق الجرائد في الغرفة ليلة البارحة نتيجة الجرح الذي تسبب به كسر المرآة المفاجأ ودون سبب وتناثر أشلائها لتصيب كتفها.

أكملت "ماريا" استحمامها وخرجت تتجه إلى الغرفة ذات الشرفة المطلة على حديقة الورد والتي مارست ال*** فيها مع هاب على أوراق الجرائد لترى أن المرآة محطمة كليا لدرجة أن البرواز الخشبي الثقيل لها كان مكسورا من النصف وأوراق الجرائد ملطخة بكثير من الدماء. لتصاب حينها بالخوف الذي يحمل علامات كثيرة من الاستفهام، "ماذا حدث؟" "وكيف تحطمت المرآة وبقوة تناثرت" "ومن الذي حطمها؟" "أين الجرح الذي بكتفها؟" وإذا كانت لم تصب أو تجرح "فمن أين هذه الدماء؟"

قامت "ماريا" بتنظيف الغرفة والتخلص من الجرائد التي غطت أوراقها الدماء وأعادت كل شيء كما كان لدرجة أنها وضعت مرآة أخرى مكان المرآة التي كسرت، وعادت إلى غرفة النوم لتسريح شعرها فوجدت هاب قد عاد للنوم. سرحت "ماريا" شعرها ولبست لباسا منزليا خفيفا، ثم قامت بإيقاظ هاب من نومه ثانية بعد أن جهزت له حوض الاستحمام.

قام هاب للإستحمام حيث لم يمض وقتا طويلا في الإستحمام إذ كان سريعا جدا لم يزد عن خمس دقائق، وهذا لفت انتباه "ماريا" كثيرا لكنها لم تسأله أي شيء. كانت الساعة حينها تشير إلى الحادية عشر صباحا لتجلس "ماريا" أمام التلفاز ومعها الجريدة تطالع ما فيها من أخبار ومشاكل سياسية حيث كانت تستاء كل لحظة أكثر وتتأفف، ليسألها هاب ماذا هناك؟ فتقول: لقد طالعت مواضيع سياسية غريبة قد أثارة استيائي، حينها بدأ هاب يتكلم عن السياسة وكأنه خبير سياسي، إذ تفاجأت "ماريا" بما يقوله وزاد استلطافها لهاب أكثر.

يقال إذا أردت أن تكسب مزيدا من الإستلطاف من شعب المدينة التي تقطنها "ماريا" "الأرض البيضاء" تكلم في السياسة حيث أنهم يستلطفون ويتقربون لكل من يعرف ويتحدث في السياسة.

"ماريا" كل لحظة يزيد إعجابها وتعلقها بهاب أكثر حيث كانت تشعر بسعادة كبيرة وهي بجواره، آتى المساء بسرعة فنهار هذه البلاد قصير لترتدي "ماريا" الفستان الجميل الذي اشترته بثمن باهظ وأيضا ارتدى هاب ملابسه الجديدة حيث بدو الإثنان في غاية من الأناقة والجمال، فخرجا للسهر خارج المنزل.

جلست "ماريا" وهاب في مكان رومانسي هادئ تملأه الموسيقى الهادئة الرومانسية التي تهديء الأعصاب وتخلق أجواء من الحب، حيث كانت "ماريا" تبادل هاب النظرات ويداها فوق يداه، لقد كانا في جلستهما ملفتين للنظر فالجميع ممن يجلس بجوارهم التفتوا لهما وكانوا يراقبوهم بابتسامة وإعجاب، ثم ذهبا لتناول طعام العشاء في مطعم راقي يتوسط المدينة إذ قدم لهم (ستوذين) وهي إحدى المأكولات الشعبية المتعارف عليها في هذه المدينة، وبعد العشاء ذهبوا للرقص في أحد المراقص المرموقة والتي لا يدخلها إلا الأغنياء ورجال الأعمال، ثم عادا إلى المنزل بعد إمضاء ليلة مميزة وجميلة.

في حين دخولهم إلى المنزل أو قبل فتح الباب بدأت "ماريا" بتقبيل هاب على شفاهه ومعانقته بشدة وفك أزرار قميصه ليقوم هاب بفتح الباب بسرعة وحملها بين ذراعيه والدخول بها إلى غرفة النوم ناسيا باب المنزل خلفه مفتوحا.

وضع هاب "ماريا" على السرير وكانت في نشوة قوية لممارسة ال*** لكن هاب قد دب في جسده الضعف بعض الشيء ومع هذا لم تكترث "ماريا" لهذا فقد كان جسدها يعبق بنار الرغبة، وبينما كان هاب فوقها يفتح باب غرفة النوم

"من يا ترى؟"


إنه "يوري" معشوق وصديق "ماريا"، حيث تفاجأت "ماريا" بقدوم "يوري" لتقوم بفورها حتى تهدأ من روعه لكنه كان يصرخ بصوت مرتفع ليقبل على هاب ويضربه بقوة كبيرة حتى نزفت دمائه ليترك الغرفة بعدها ويخرج إلى الصالة.

قامت "ماريا" بأخذ هاب إلى غرفته وأحضرت حقيبة الإسعاف لتطبب جرحه الذي ينزف وبينما هي تطبب جرحه لاحظت أن هذا الجرح ليس من جراء لكمات "يوري" بل نتيجة أداة حادة، كما يبدو على الجرح أنه ليس هذه الساعة بل مرت عليه ساعات طويلة.

لم تبدي "ماريا" لهاب أي شيء وقامت بالربط على الجرح وتمديده على السرير حتى نام، لتخرج "ماريا" بعدها فترى "يوري" يجلس في صالة المنزل والغضب يتفجر من عينيه. لتجلس "ماريا" بقربه محاولة اكتساب وده ولتخبره بسر كبير إذ قالت له بأن هاب يملك مليونا دولار وهو تائه وفاقد الذاكرة وأن ما تفعله الآن هو كسب ود هاب ومن ثم الإستيلاء على المليونا دولار وبعدها طرده من المنزل.

حين سمع "يوري" أن بالموضوع مال ابتسم وقال: لها "حقا"، لتجيب "ماريا" نعم! هي الآن بحاجة لفرصة وأن "يوري" قد أفسد عليها ما كانت تخطط له، والسبيل الوحيد لإكمال ما قد بدأت به هو أن يعتذر "يوري" إلى هاب، حينها صمت "يوري" قليلا ليقول: لها

"ولما لا أعتذر ما طالما أن الموضوع فيه مال كثير"

ليقوم من مكانه كي يذهب للإعتذار من هاب لكن "ماريا" قالت: له ليس الآن بل غدا فإن هاب الآن نائم.

جلس "يوري" بجانب "ماريا" يتباحث معها الموضوع وأنه على استعداد للمشاركة معها ومساعدتها حتى تتمكن من الإستيلاء على مال هاب ولكن بشرط اقتسام المبلغ، وافقت "ماريا" بسرعة ودون تردد، ثم بدأ "يوري" باستلطاف "ماريا" وتقبيلها وحملها إلى غرفة النوم وممارس ال*** معها.

في الصباح استيقظت "ماريا" باكرا ومثلت النوم في الصالة ليستيقظ هاب ويراها هناك ويوقظها من نومها. استيقظت "ماريا" وقامت بإعداد الإفطار ليقوم "يوري" من نومه ويذهب إلى هاب للإعتذار منه، قبل هاب الإعتذار على الفور ثم جلس "يوري" بجانبه يحدثه ويضحك معه وكأن شيئا لم يكن.

أحضرت "ماريا" الإفطار وتناوله معا بابتسامة ومرح كبيرين وبعد الإفطار جلس هاب و "يوري" على شرفة المنزل مقابل حديقة الورد لتقوم "ماريا" بتحضير القهوة لهما. وفي أثناء جلوسهما اقترح "يوري" على هاب أن يتزوج "ماريا"، صمت هاب حينها ولم يتكلم، لتأتي "ماريا" ومعها القهوة فيقول لها "يوري" بأن هاب قد قام بطلب يدها للزواج فما رأيها، ابتسمت "ماريا" حينها وقالت بأنها موافقة دون تفكير، حينها بارك "يوري" للعروسين ودعاهم في الليل إلى سهرة عشاء على حسابه الخاص. دون ان يتكلم هاب اي كلمة.

أتى المساء وقام هاب و "ماريا" بتحضير أنفسهم وتحركا مع "يوري" لتناول العشاء معا والإحتفال بالخطوبة، وفي أثناء وصولهم إلى المطعم نظر الجميع إلى هاب بنظرات غريبة حتى الأطفال منهم، وهذا كان طبيعيا فلا تستغرب أن نظر لك سكان هذه البلاد من رأسك إلى قدميك حتى لو كان صغيرا فهم لم يتعودوا على الغرباء.

تضايق هاب من هذا كثيرا وطلب أن يعودوا إلى المنزل لكن "يوري" قام بشرح له وأنه سوف يحل هذه المشكلة بتاتا وغدا مساء سيكون معه الحل، أكملا العشاء ثم انطلقا للعودة إلى المنزل وفي الطريق أوقف "يوري" السيارة أمام استديو للتصوير وأنزل هاب ليلتقط له بعضا من الصور الشخصية حيث سأل هاب عن السبب ليقول له حتى يقوم بالتحضير لحفل زفافهما.

في اليوم التالي وفي المساء أتى "يوري" إلى المنزل وكان يحمل بحوزته جواز سفر وبطاقة شخصية يحملان إسما جديدا لهاب وصورة هاب حيث أعطاهم لهاب وقال له أنت الآن منا واسمك (فيكتور) " المعنى المنتصر أو الفائز و كثيرا ما يتكرر هذا الاسم في العاب الأطفال" ، سر هاب بما قام به "يوري" واعتقد أن الناس الآن لن ينظروا له على أساس أنه غريب، بهرت "ماريا" بذكاء "يوري" وأدركت أنهما سيحصلان على المال في وقت قصير.

نامت "ماريا" في غرفة النوم لوحدها وهاب في غرفته و "يوري" في صالة المنزل، وفي منتصف الليل يستيقظ "يوري" و "ماريا" على صوت صياح هاب، ذهبا إليه على الفور ليعرفان ما الأمر، انه ذات الحلم الذي يراود هاب وهو حلم المطار.

قاموا بالحد من روعه وخوفه حتى نام ليجلس كل من "ماريا" و"يوري" في الصالة وتخبر "ماريا" "يوري" بموضوع هذا الحلم الغريب الذي يلازم هاب منذ أن وصل إلى البلاد.

ضحك "يوري" من هذا وأخبرها أن تكون جاهزة لعقد قرانها بهاب خلال يومين. حينها سألت "ماريا" "يوري" ما الذي ينوي فعله فأجابها: (كل شيء في وقته) فهو يخطط بعقل وذكاء كبير. لم تكن "ماريا" مقتنعة بما يقول لكنها موافقة على كل ما يريد لينام الإثنان بعدها.

لقد تم التجهيز لحفل الزفاف وفقا لعادات وتقاليد هذه البلاد والزواج فيها نوعان الحفل الأرثوذوكسي حيث يذهب العروسان إلى الكنيسة ليعقد عقد قرانهما، إذ يكون الاحتفال ما بين مدة 30 دقيقة إلى 120 دقيقة، حيث يكون في الكنيسة قطعة بيضاء يقف على أطرافها الزوجين ويقوم الزوج بالإنحناء أمام عروسه على ركبتيه ويبادلها التراتيل المستقبلية.

أما الحفل المدني يذهب العروسان إلى قاعة الزواج حيث يستقبلهما الضيوف بالخبز والملح ويرمزا للإزدهار والعمر المديد والصحة، ثم يأتي الموظف لأخذهما إلى داخل القاعة لمدة 15 دقيقة يتبادلوا الخواتم ثم يخرجوا للإحتفال في مكان أخر على طريقتهم.

وصل العروسان إلى قاعة الحفل وقامت الضيوف باستقبالهم بالخبز والملح ليدخلا إلى قاعة الاحتفال، حيث بدت "ماريا" فائقة الجمال فهي ترتدي فستان زفاف رائعا وباهظ الثمن، فما عرف عن العرائس في هذه البلاد يرتدون أفخم اللباس حتى لو كانت ميزانيتها لا تستطيع تحمله.

بدآ حفل الزفاف حيث الموسيقى الصاخبة وأجواء الفرح والسرور ليتناول الجميع بما فيهم "ماريا" وهاب النخب من "الشمبانيا" إذ وبعد الشرب بدأ الجميع يلقي الكؤوس على الأرض، فمن التقليد لهذه البلاد أن يلقوا كؤوس "الشمبانيا" على الأرض حيث يعتبروها بالحظ الطيب إذا ما كسرت.

انتهى حفل الزفاف وذهب العروسان في شهر عسل لثلاثة أشهر حيث أمضت "ماريا" مع هاب أجمل أيام عمرها، وبعد الإنتهاء من شهر العسل وعودة العروسان يتبين بأن "ماريا" حاملا مما فاجأ "ماريا" بذلك لتحسب كل مواعيد الجماع مع هاب و"يوري" فيتضح لها بأن هذا الطفل "ليوري" وليس لهاب فهي حسبت الليلة التي أتى بها "يوري" وقام بضرب هاب ثم مارس معها ال***، فهاب ليلتها لم يكمل معها عملية ال*** غير متذكرة الليلة التي سبقتها وممارستها ال*** مع هاب بمتعة فائقة.

أخبرت "ماريا" "يوري" بهذا وبأن الطفل الذي تحمله هو له ليتظاهر حينها بفرحته وسعادته، إذ يجب عليهما الآن الإستيلاء على المال وقتل هاب بسرعة، إذ قام "يوري" بأخبارها ببقية الخطة ففي قتل هاب الآن تصبح "ماريا" الوريث الوحيد له لتقوم بعد ذلك بسحب المال من البنك ويعيشا معا بقية عمرهم. لتضحك "ماريا" حينها باستهزاء ليسألها "يوري" ما الأمر فتخبره لما لم تخبرني بهذه الخطة مسبقا، فهو أخطأ خطأ فاحشا وكبيرا بذلك، استغرب "يوري" وقال لـ"ماريا" أي خطأ فأنا خططت لهذا بذكاء، حينها قالت "ماريا" أن عقد الزواج قد تم باسم (فيكتور) وليس باسم هاب وأن النقود في البنك مسجلة باسم هاب وليس باسم (فيكتور) وأن "يوري" قد ارتكب خطأ كبيرا.

استاء "يوري" كثيرا من هذا وتعجب كيف لم ينتبه لهذا، ما العمل الآن؟

أخبر "يوري" "ماريا" أن تخبر هاب بأن الطفل هو ابنه وأن تتعامل معه بلطف أكثر لحين أن يقوم برسم خطة جديدة للنيل من هاب والحصول على ثروته، حينها طالبت "ماريا" من "يوري" أن لا يفكر وحده وأن يطلعها على كل شيء ينوي عمله، وأنها ستقوم بالتفكير أيضا حتى يتمكنوا من الحصول على المال.

يعود هاب إلى المنزل فقد كان في الخارج ليرى "يوري" موجودا في البيت إذ أتى ليبارك للعروسين، سر هاب برؤية "يوري" وتبادلا الحديث وتناولا فنجانا من الشاي ليغادر بعدها "يوري" المنزل.

بعد ذهاب "يوري" وقبل النوم أخبرت "ماريا" هاب بأنها حامل حيث فرح كثيرا بحملها وطلب منها التزام الراحة وعدم الحركة من أجل الجنين. لقد لاحظت "ماريا" الفرق الواضح بين هاب و "يوري" في تلقي الخبر لكنها لم تبالي بذلك فهي تحب "يوري" كثيرا وكانت سعيدة بأن الطفل هو ابن "يوري وليس ابن هاب بالرغم أن العكس هو الصحيح.

مارس هاب ال*** ليلتها مع "ماريا" لتشعر "ماريا" حينها بقوة غير طبيعية لم تعهدها من قبل تكمن في جسد هاب، إذ شعرت بمتعة كبيرة جدا، وبعد الإنتهاء ينظر هاب إلى مرآة غرفة النوم لتكسر بفورها ومن نظرة عينه، لم تلاحظ "ماريا" ذلك لكنها تعجبت من كسر المرآة دون سبب ونامت بسرعة عجيبة بعد كسرها.

نامت "ماريا" بعمق لكن هاب لم ينم فقد كان عقله في تفكير كبير وأفكار كثيرة شائكة ومعقدة لا يفهم منها شيء، ليترك الغرفة حينها ويصعد إلى الغرفة التي فوق السطح دون خوف منها كما سبق وليمكث بها حتى الصباح.

تستيقظ "ماريا" من نومها فلا تجد هاب بجانبها فتقوم لتتفقده، ليجيبها هاب أنه في الغرفة العلوية، استغربت "ماريا" من صعود هاب إلى تلك الغرفة وطلبت منه النزول وبالفعل لبى طلبها بالحال ونزل وفي أثناء نزوله على السلم الخشبي الذي يصعد إلى تلك الغرفة قام بالضغط على الدرجة الرابعة من الأعلى ليحدث فيها شعرا بسيطا.

سألت "ماريا" ما الذي جعله يصعد إلى تلك الغرفة كونه يخاف لوجود عفريت فيها مثلما هيأت له حين صعد لها أول مرة، فأجاب هاب بأنه لا يعلم. كما وأنه لم يستطع النوم ليلة البارحة فأراد الصعود إلى السطح ليتنفس هواء الليل فيرتاح فقد كان يشعر ببعض من الضيق على حسب قوله.

صدقت "ماريا" ما قاله هاب وقامت بإعداد وجبة الإفطار، وبينما هما يتناولان الطعام أخذت "ماريا" بتذكير هاب بليلة البارحة إذ كان قويا جدا وعنيفا في ال*** لقد استمتعت كثيرا، ولكن كيف انكسرت المرآة؟ وكيف نامت بهذه السرعة؟ وماذا حدث بعد نومها؟.

فأجابها هاب لم يحدث شيء، ولا يعرف سبب كسر المرآة كما وأنه لم يعرف النوم ليلتها، لتعود "ماريا" بالسؤال لماذا؟ فأجاب أنه لا يعرف، كل ما يعرفه أنه شعر بقوة كبيرة تهب في جسده وأفكارا كثيرة تشغل عقله دون أن يفهمها، فطلبت منه "ماريا" أن يخبرها عن هذه الأفكار كما كان يفكر بها لتحاول مساعدته لتستطيع أن تصل إلى سر هاب، حينها أخبرها بحلم المطار وتهيؤاته بسماع أصوات انفجارات كبيرة، وأيضا ذاك الرجل المجهول الذي يبحث عنه ومن يكون؟ ولماذا يريد قتله؟ وأين يكون؟ وكيف يعثر به؟ كل هذه الأسئلة كان يطرحها هاب على نفسه ويفكر بإجابتها.

لم تفهم "ماريا" حينها أي شيء من ما قاله هاب وطلبت منه أن يذهب إلى الطبيب فقد يجد الحل عنده لكل هذه الأفكار فقد أقنعته أنه بحاجة إلى طبيب أعصاب.

لبس هاب ملابسه وخرج من المنزل وحده دون "ماريا" حيث كانت "ماريا" متعبة ولا تستطيع الخروج هذا وقد سألته عن سبب خروجه في هذا الوقت فأجابها بأنه يود الذهاب إلى الطبيب مثلما قالت له ليودعها بقبلة حارة ويذهب.

وبعد ذهابه قلقت "ماريا" كثيرا فهاب لا يعرف شيئا في هذه البلاد كما وإنها لم تعطيه عنوان طبيب الأعصاب، ماذا فعلت؟! كان يجب عليها أن تذهب معه.

بقي هاب يدور بالسيارة قرابة الساعة في أنحاء المدينة ليتوقف عند بائعة عجوز تعمل في دكان صغير لها ليشتري منها شيئا يشربه ويسألها عن طبيب أعصاب لا يعرف اسمه، قد يكون في هذا الحي، لتخبره العجوز نعم إن عيادته في الشارع المقابل من هذا الشارع فهذا الطبيب جديد في هذا الحي إذ فتح عيادته قبل ثلاثة أشهر ويقال بأنه طبيب بارع جدا يدعى الطبيب (اندري، Andre) "معنى الاسم المدينة الخربة".

شكر هاب تلك العجوز وتحرك بسرعة نحو عيادة هذا الطبيب "اندري"، وحين وصوله لم يجد أحدا فقد كانت العيادة خالية تماما وهي مفتوحة ومواعيد الطبيب المعلقة على الباب في المدخل تقول بأن هذا الوقت يكون وقت تواجد الطبيب فيها.

جلس هاب على كرسي الإنتظار لعل الطبيب يأتي بعد قليل، وبينما هو جالس يشعر بالنعاس لينام بعمق وبعد عشر دقائق من نومه يقوم بإيقاظه الطبيب نفسه ليطلب منه أن يغسل وجهه ثم يلحقه إلى غرفة العيادة، وبالفعل غسل هاب وجهه ولحق بالطبيب وحين دخوله جلس مقابل الطبيب ليطلب الطبيب منه أن يشرح حالته في مدة لا تتجاوز الساعة فاخبره هاب بكل ما يشعر به إذ أكمل جميع ما لديه بانتهاء الساعة ولم يقاطعه الطبيب بأي شيء فقد كان مستمعا له خلال هذه الساعة، ثم بدأ الطبيب بالكلام طيلة ساعتين كاملتين وكان هاب حينها ساكتا ولم يتكلم بشيء ليقوم بعد ذلك من أمام الطبيب والعودة إلى المنزل وقد شعر بالراحة قليلا. ولكن مهلا ذلك الطبيب "اندري" يشبه الى حد كبير لك العجوز الذي رافقه طيلة رحلته الى هذه البلاد في الطيارة. أمر غريب!!

عاد هاب إلى المنزل وكان "يوري" موجودا هناك، إذ كان هو و "ماريا" في غرفة النوم ليتعمد هاب استراق السمع من خلف الباب ليسمع "يوري" يقول لها لا بد أن نسرع في الموضوع وأن نتخلص من هاب في أسرع وقت ونستولي على المال.

عاد هاب بعدها إلى الباب وقام بقرع الجرس لتفتح له "ماريا" فيجد "يوري" يجلس في صالة المنزل أمام التلفاز وكأنه ينتظره، استغربت "ماريا" من قرع جرس الباب وسألت هاب عن مفتاحه فأجابها أنه نسيه في المنزل.

سلم هاب على "يوري" ورحب به، لتسأل "ماريا" هاب إن كان ذهب إلى الطبيب أم لا، فأجاب هاب بأنه لم يذهب، وبقي طوال اليوم يسأل عن عنوان طبيب أعصاب فلم يجد، حينها تكلم "يوري" وقال إنه يعرف طبيب أعصاب مشهور جدا وسيأخذه إليه غدا، لكن هاب رفض ذلك وقال أنه نسي هذا الموضوع، ثم دخل للنوم وتركهما.

نام هاب من عصر اليوم وحتى الساعة الواحدة ليلا ليستيقظ فجأة ويخرج. استيقظت "ماريا" بعد ذهابه بلحظات وحاولت أن تلحق به لكنه سرعان ما اختفى.

بقيت "ماريا" مستيقظة طوال الليل وهي تنتظر هاب حتى غفت على أريكة الصالة وفي الساعة التاسعة صباحا يعود هاب لتستيقظ "ماريا" وقت حضوره، وتسأله أين ذهب البارحة؟ ليتفوه قائلا "لابد أن أجد هذا الشخص مهما كلفني الأمر" فهاب يظن أن حياته متوقفة عليه.

لتتكلم "ماريا" حينها وتقول: "إنك لا تعرف عنه شيئا فكيف ستعثر به، هذا أمر مستحيل"، لتجلس بجانبه تقترح عليه أن يوكل هذا الأمر إلى "يوري" مقابل إعطائه ما يريد من مال شريطة أن يعثر به. ليوافق هاب بسرعة ويطلب منها أن تكلم "يوري" وتطلب منه أن يأتي حالا. وهذا ما قامت به "ماريا" حيث اتصلت بـ"يوري" كي يحضر فورا.

أتى "يوري" بسرعة يسأل ما الخبر وما سبب استدعائه بهذا الوقت الباكر. حينها عرض هاب على "يوري" مليون دولار إذا قام بإحضار الرجل المجهول الذي يبحث عنه، فطلب "يوري" من هاب أن يعطيه بعضا من ملامحه أو اسمه، حينها صمت هاب وأخرج من جيبه الكيس الذي يحمل عينا "كيمكو" والتي يعتقد بأنها تشبه عينا الرجل الذي يبحث عنه.

شعر بالخوف "يوري" حينها وقال: "ما هذا الهراء" كيف له أن يبحث عنه من خلال هذه العينين، حينها قامت "ماريا" بوخز "يوري" من خاصرته وتشير له أن يوافق.

وافق "يوري" وقتها ليذهب هاب بعدها إلى النوم تاركا "يوري" و "ماريا" في غرفة الصالة. دون إكمال الحديث حيث اكتفى بموافقة "يوري" ودون أن يعرف ماذا سيفعل "يوري" وكيف سيعثر به.

بعد أن تأكدت "ماريا" من نوم هاب أحضرت الشال وأعطته لـ"يوري" كي يستنشق رائحة "العطر" الذي يعبق بالوشاح، لتخبره بعد ذلك حكاية هذا الوشاح، وأن هاب الآن لا يستطيع أن يشتم العطر الذي علق به وأن الرجل الذي يبحث عنه هاب يضع نفس هذا العطر.

سخر "يوري" حينها من "ماريا" وقال: "ليس من الممكن أن يكون رجلا واحدا في هذه البلاد يستخدم هذا العطر". حيث اعتقد أن هذا العطر يمكن الحصول عليه بسهولة. وهذا يظهر فيما اكمل من حديث حيث قال" "ولكن سأقوم بإحضار رجل يتعطر به". فسألت "ماريا" كيف؟ ليجيب "يوري" هذا سر أخبرك به لاحقا ليغادر المنزل ومعه الوشاح.

يستيقظ هاب من قيلولته وقد كان يشعر بالعطش الشديد وطلب من "ماريا" أن تحضر له الماء، لتسرع له به وهي مستغربة فهاب أول مرة يطلب منها أن تحضر له شيئا او يأمرها بشيء، ليطلب بعد ذلك منها أيضا أن تقوم بتجهيز نفسها لكي يقوما بجولة تنزه والإبتعاد قليلا عن أجواء المنزل التي تشعر بالإشمئزاز.

لم تمانع "ماريا" في ذلك وقامت على الفور بتجهيز نفسها تدعوه لتناول طعام الغداء على حسابها الخاص شريطة أن يقبلها على شفتيها قبل الخروج، وقد فعل هاب ذلك وخرجوا.

كان الغداء شهيا ولذيذا فقد كان في أحد المطاعم المرموقة في المدينة. فبعد الانتهاء من الغداء طلب هاب من "ماريا" أن يتجولا في أنحاء المدينة مشيا على الأقدام.

رحبت "ماريا" بهذا إذ بدت أكثر سعادة في هذا الطلب فهي تحب التجوال على أقدامها مع هاب في أرجاء المدينة، وتستمتع به كثيرا، حيث يمسك يدها هاب وتشعر بشعور الحرية والإطمئنان والأمان.

بدأت جولتهم وكان الطقس جميلا وباردا بعض الشيء حيث الزحام والناس وضوضاء الشارع وشقاوات الأطفال وابتسامات الفتيات، وغيرة "ماريا" وأصوات بائعي الجرائد وشرطة المرور والبخار المتصاعد من أفواه المارين. بدت "ماريا" أكثر سعادة وجمالا ويدها تمسك بيد هاب وبعض الضحك والعناء والمداعبه في الشارع.

اشتاقت "ماريا" لتقبيل هاب على شفتيه لكن هاب رفض ذلك أمام الجميع من المارة والناس، لتقوم "ماريا" بسحبه من يده إلى شارع فرعي والإبتعاد قليلا عن أجواء الضوضاء، إذ كان هذا الشارع يقل بعض المباني التي هي طور الإنشاء وقليلة جدا حركة الناس فيه. وبينما ابتعدوا قليلا عن الشارع الرئيسي قامت "ماريا" بسحب هاب من يده إلى داخل مبنى طور الانشاء بعد أن تأكدت من عدم وجود أحد يرقبهما، وقد كانت تدب فيها نار الشوق والنشوة لتقبيل هاب على شفتيه وممارسة ال*** معه فهي لم تستطع الصبر حتى عودتهم إلى البيت. كانت "ماريا" تقبل هاب بشراسة الأنثى وتعطشها ورغبتها العنيفة وقد كان هاب خائفا من أن يراهما أحدا وقد كان يقبلها وهو يتلفت يمينا وشمالا.

بعد دقائق معدودة من هذا العناق والتقبيل العنيف بين "ماريا" و هاب، إذا بمرور ثلاث أطفال مسرعين في طريقهم للصعود على سطح المبنى، إذ لم يتجاوز أكبرهم سنا الثانية عشر من عمره. حيث بدا عليهم الغضب والضجر.

قام هاب على الفور بترك "ماريا" واللحاق بهم على الفور حيث طلبت "ماريا" من هاب أن يتوقف وأن لا يلحقهم ولكن هاب لم يصغي لها لتلحق به.

حين وصول "ماريا" إلى الأعلى تفاجأت بشيء عجيب جدا، فقد كان الأطفال الثلاثة قد عزموا على الإنتحار ورمي أنفسهم من أعلى المبنى، وقد كان هاب يتحدث لهم قبل أن يفعلوا محاولا منعهم عن هذا الشيء فقد دار حوار كبير جدا زاد من دهشة "ماريا" من ما تراه وتسمعه. فهاب يتعامل معهم كطفل والأطفال أيضا يتعاملون مع هاب كطفل من عمرهم.

بدأ هاب يتحدث للأطفال و بأنه رآهم يذهبون دون أن يأخذوه معهم وأنه قد رآهم وهم يتحدثون مع بعضهم قبل ساعات وأنهم قد عزموا أمرا ما، ليجيبه طفل منهم يقول له أنت من جعلك تلحق بنا أنت صغير جدا إذهب وعد ولا تحاول أن تؤذي نفسك فنحن سنذهب لنموت ولن نعود ثانية.

جعل هاب حينها يبكي كثيرا ويطلب منهم أن يذهب معهم، استغربت "ماريا" مما يفعله هاب وتعجبت من الأطفال أيضا فكأنهم ينظرون إلى هاب على أنه طفل صغير أصغر منهم، إذ أصبحت لا تفهم شيء على الإطلاق مما يدور ويحدث أمامها في تلك اللحظة لتبقى بعيدة ودون أن يراها الأطفال لتسترق السمع لبقية ما يدور بينهم من حديث ومحاولة الإستنتاج.

طلب هاب من الأطفال إجابته لماذا يرفضون مرافقته لهم؟ فأجاب الأكبر منهم لأنه صغير وهم ذاهبون ليموتوا، ليسأل هاب ما هو الموت؟ فيجيبوه هو عالم الخلود والحرية فلا أحدا يستطيع أن يتحكم بك هناك لا الأب ولا الأم ولا أي مخلوق حيث الراحة من عناء هذا العالم والسعاده الأبديه. ليسأل هاب ولماذا لا يذهب معهم فهو يريد التخلص من ما فيه والراحة معهم أيضا. فيخبروه يجب أن يكون عمره أكبر قليلا فهاب في نظرهم صغير جدا. فيعود هاب فيسأل وكيف الذهاب إلى الموت حتى حين بلوغه العمر المقدر على حسب اعتقادهم يلحق بهم.

أجاب الأطفال حينها أنها مسألة سهلة جدا فقط أن يقوم بالصعود إلى أعلى مبنى كهذا والقفز من على سطحها إلى الأسفل فيحصل على الموت بسهولة. .. "مسألة سهلة حقا"

سأل هاب مكررا لماذا يريدون الذهاب ويتركوه لوحده لما لا ينتظرونه حين بلوغه، وأن ما يقولونه ليس سببا حقيقيا يدفعهم إلى الموت والخلاص من الحياة. فالحياة أيضا جنة وأن باستطاعتنا نحن أن نعمل من كل شيء فيها جنة حقيقية.

أجاب حينها الطفل الأكبر أن ما يقوله هاب صحيح ولكن على هاب مشاهدة التلفاز فهناك ألآف بل الملايين من الأطفال التي تقتل كل يوم في هذا العالم الواسع من حولنا دون سبب أو ذنب وبصورة مفجعة ومؤلمة جدا، حيث أن بعضهم تتقطع وتتناثر أشلائهم جراء الإرهاب والقتل الجماعي إثر قنبلة موقوتة أو مدفع يوجه لهم وهم في بيوتهم، وأن هذه المصيبة أصبحت وللأسف وباءا كبيرا ينتشر في العالم بسرعة. لصالح جماعات تسعى وراء السلطة والمال في آن واحد.

سكت هاب لبضع الوقت ليبكي بعدها متألما مما سمعه، وأيضا كان لا يريد من الأطفال الذهاب إلى الموت، ليتقدم له الأطفال الثلاثه محاولين إسكاته وأن لا يبكي.

كانت "ماريا" تتابع ما يدور من حديث بين هاب والأطفال بدهشة ولم تحاول التدخل أبدا وبقيت تستمع إلى حديثهم بصمت ودهشة، وكأنها ترى وتسمع حديث أطفال تناقش قضية كبرى تحط على كاهل العالم بأسرة.

كف هاب عن البكاء وطلب من الأطفال عدم ذهابهم إلى الموت أو أن يأخذوه معهم وهو على أتم الاستعداد لأن يقفز معهم من أعلى سطح المبنى والذهاب معهم إلى الموت.

رفض الأطفال طلبه. ليقول هاب حينها أنه رأى الموت مسبقا وأنه مؤلم جدا، فضحك الأطفال عليه ولم يصدقوه وقالوا إن الموت لا يرى، فقال هاب لا لقد رأى طفلا قبل مدة قد ذهب إلى الموت تماما مثلما أنتم ستفعلون الأن حيث ألقى بنفسه من أعلى المبنى وقد كان هاب أول الواصلين له وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وقد كان يتألم كثيرا وقد أخبر هاب حينها وقبل موته ليته لم يفعل هذا وبقي يتحدى الحياة والواقع.

شعر الأطفال قليلا بالخوف من كلام هاب، لكن بقوا على موقفهم للذهاب إلى الموت. حيث أخبروا هاب أن العالم الآن أصبح يتجاهل الكثير من حقوقهم وعدم الاعتراف بها وحمايتهم، وأن جيلهم من الأطفال والأجيال القادمة أصبحت مهددة بخطر الإرهاب. وان جيلهم على قدر كبير من الوعي العلمي وقادر على سن قوانين وأحكام تكفل حمايته وحماية المجتمعات، لكن لا يأخذ بأرائها ويعتبرونها مجرد مداخلات لا تكون مسموعة ولا معترف بها حيث تؤخذ بطابع الإستهزاء واللا مبالاة. وهذا للأسف منتشر في كل أنحاء هذا العالم إذ تسلب كرامة وحرية الأطفال بكل سهولة ولا يعطى لأرائهم اي اهتمام. مما يدفع الأطفال للسعي وراء الحرية حيث تكون حريتهم والخلاص في الموت. "فوطن لا تسمع فيه الكلمة هو وطن للموت فقط".

وهذا كله يعود في أصله إلى الأسرة أو إلى "الأب والأم" والنظرة الضعيفة لتقبل وفهم معطيات الأطفال. وعدم أخذها مأخذ الجد، يليه في المقام الثاني المدرسة والدور التعليمية حيث لا مرونة في التعليم والتقيد في منهج تعليمي عالمي ضعيف لا يرتقي إلى المستوى المطلوب والقدرات العقلية التي يملكها الجيل الجديد. فليس هناك تجديد وتطوير في المجال التعليمي، أو بلغة أخرى أن مسيرة التقدم له تخطو خطوة واحدة كل مائة عام، ما يجعلنا نبقاء في عالم غير عالمنا الأن.

أما في المقام الثالث فهو المجتمع الذي نعيش فيه، فنتيجة للإطماع والإستغلال وحب السلطة والمشاريع الواهمة والإنفراد في التميز يجعله يغض النظر عن الأطفال بعدم اعتبارهم وحدة أساس المجتمع وأحد ركائز التميز له.

ولو نظرنا بصورة واسعة لهذا العالم لوجدناه عالما تقليديا لا عالما متجددا في الفكر والأفكار و المواضيع. وان كنا قد وصلنا القمر بعلومنا فعالمنا محكم بقوانين وضعية ضعيفة أو لا تصلح في مضمونها للإرتقاء بالمجتمع الحاضر ولا مواكبة التقدم العلمي، فالقانون موضوع منذ القدم ولا مجال لمخالفته ويجب على الجميع التقيد به دون سؤال. باعتباره قد ارتقى بمجتمعات الزمن الماضي، وهذا خطأ فلكل زمان قانون يواكب الفكر والمكان، فالزمن الماضي ليس كزماننا الحاضر وأن التقليد لا يجلب أبدا الرقي أو التحضر.

إن أساس أي تقدم أو رقي وتميز في أي مجتمع كان هو القانون الموضوع والقائم عليه، وحتى يكون القانون أكثر إلتزاما ونهوضا بالمجتمع يجب أن يتصف بصفة الشمول والمرونة في التطبيق واضعا النصيب الأكبر منه للأطفال فإذا ما تعلم الأطفال القانون وهم صغار يسهل أمر تطبيقه بالشكل الصحيح والنافع والإلتزام به من الجميع باختلاف ال*** واللون والمكان.

سأل هاب حينها "أليس القانون الحالي المطبق في جميع أنحاء العالم ينص على هذا؟ وما علاقة القانون بذهابهم إلى الموت؟"

أجاب الأطفال حينها أن القانون العالمي أولا ومن ثم القانون المحلي الموضوع والذي من شأنه حماية المجتمعات والحفاظ على الكيان البشري، قانون قديم وفاقدا لأهليته في كثير من بنوده، وهو متوارث كما لو كان قطعة نقدية توقف التعامل بها منذ زمن بحجم قيمتها ولكن لقدمها أخذت قيمة مادية أعلى من الزمن الذي كانت به، وأصبحت مطلب الناس لمشاهدتها فقط لكن دون التعامل بها، وشيئا فشيئا تزيد قيمته كلما مر الوقت ويفقد شرعيته والإلتزام به لعدم مواكبته روح العصر والزمن والمكان والفكر، إذ يتصف في المرونه بالضوابط المملوكة حقيقة ضمن واقع التمييز والتفريق والتي من شأنها إلحاق الضرر بالمجتمع، وأن مدى الفائدة منه تقتصر على فئة دون أخرى.

كان الأطفال وهم يتحدثون عن القانون وكأنهم يلقون الحق كله على ما يلحق بهم من ضرر وأذى نتيجة القانون وتجاهله لمواد الأطفال الموضوعة فيه نصا وغير شاملة والمخالفة تطبيقا للمضمون وفلسفة التطبيق.

أدركت "ماريا" حينها أن ما يقوله الأطفال هو صحيح وأن العقل الطفولي الحاضر عقل شامل وواعي يلزمه قانون جديد وشامل لحقوقهم ومقتضياتهم يسير جانبا لجانب مع العمر والفكر في التطبيق فإذا ما شب الطفل على قانون صحيح وواعي سلم المجتمع وألتزم الجميع بكل بنود هذا القانون ليرتقي المجتمع والعالم بعد ذلك إلى الرقي بالفكر والإبداع الحقيقي ضمن محيط واسع يمنع الإرهاب والتعدي على مصلحة الغير.

جعل هاب حينها يقول للأطفال أن بإمكانهم أن يطلقوا صرخة عبر العالم تسمى "صرخة التغيير" ترتكز بشعارها على محاولة النظر إلى القانون وتحريره من الماضي ليواكب حاضرنا، متزامنا مع العقل والفكر والمنفعة.

ضحك الأطفال حينها من هاب وقالوا إن ما يفعلوه الآن والذهاب إلى الموت هو تلك الصرخة التي يتحدث عنها هاب، فليس هناك أقوى من صرخة الموت ليسمعها العالم، بالرغم أنه قد تعود على صرخات الموت والقتل بشكل يومي وجماعي، ولكن يبقى للأطفال أمل بأن يلتفت انتباه العالم لهم من خلال ذهابهم بأنفسهم إلى الموت والإنتحار، فكل غريب من قول أو فعل أو تقرير يلفت الانتباه له، وظاهرة انتحار الأطفال ظاهرة غريبة لم يسبق للعالم وأن تعامل معها، يمكنها أن تجعل العالم يفكر ويسأل عن السبب وما دفع الأطفال لفعل هذا الشيء، وإن لم يفهم العالم هذه الصرخة من خلال ما يقوم به الأطفال من الانتحار فإن الجيل سيموت بأجمعه مما يجعل تلك العملة النقدية القديمة تحافظ على وجودها ولمعانها بدم الأطفال.


تكلم هاب محاولا إقناعهم أن هناك أكثر من طريقة غير الذهاب إلى الموت والإنتحار فبإمكانهم الإمتناع عن الطعام مثلا، فأجاب الأطفال أن هناك الآلاف من الأطفال من تموت جراء الجوع نفسه ولا يسأل عنهم أو يلفت الانتباه لهم على الإطلاق.

أدرك هاب أنه ليس هناك مجال لمنعهم على الإطلاق وأن قناعاتهم الطفوليه بفعل هذا الشيء لن تتغير إلا حين يتغير القانون بضوابط جديدة ونافعة غير تقليدية مبتكرة وجديدة يحصد منها الأطفال النصيب الأكبر من أجل حماية الفكر والنشوء على منهج صحيح كفيل بالرقي والتقدم والإنجاز.

لم يجد هاب طريقة لمحاولة منعهم سوى بالبكاء والصراخ والتظاهر بالإغماء، فالطفل يحن إلى الطفل مثله وهذه فطرة الإنسان وغريزة طفولية تولد مع الطفل. ليقوم الأطفال بمحاولة إيقاظه ومن ثم حمله والنزول به من أعلى سطح المبنى. وقد استغربت "ماريا" من ذلك كثيرا إذ أن الأطفال حملوا هاب بسهولة وكأنه طفل أصغر منهم حقا. بقيت "ماريا" بالمراقبة من بعد لحين أن أنزل الأطفال هاب حيث استيقظ هاب في حين وصوله إلى أرض المبنى وقام بفتح باب الحديث في الموضوع ثانية ومحاولة اقناعهم بعدم الذهاب إلى الموت والإنتظار لعل هناك حلا أخر يمكن التفكير به من أجل لفت انتباه العالم لهم، كما وأنه يملك نقودا يمكنه إعطائها لهم والإشتراك جميعهم بها لشراء قطع من الحلوى وبعدها يقرروا بأمر ذهابهم إلى الموت.

ابتسم الأطفال الثلاثة حينها و وافقوا على ما اقترحه هاب حيث قام هاب بإعطائهم النقود لشراء الحلوى وأخبرهم أنه سيبقى بانتظارهم هنا ريثما يعودوا.

أخذ الأطفال النقود من هاب للذهاب لشراء الحلوى وأمروه عدم التحرك من مكانه لحين عودتهم. ولكن وحين ذهابهم تحصل المصيبة الأفجع، ففي أثناء محاولتهم عبور الشارع تأتي سيارة بسرعة جنونية كان سائقها قد خالف قانون السير ويهرب من ملاحقة الشرطة التي تلحق به للقبض عليه ومحاسبته، ليقوم بدهس الأطفال الثلاثة والهرب، كان الأمر بالنسبة لهاب مؤلما جدا حيث ركض بسرعة ليجد أن الأطفال الثلاثة قد ذهبوا إلى الموت فعلا نتيجة عدم الالتزام بالقانون وضعفه فلو كان القانون الموضوع قويا وصارما وملزما التطبيق للجميع وصالح للزمان والمكان يقتضى تعليمه منذ الصغر لما تجرأ سائق السيارة أبدا على مخالفته وعدم التقيد به.

أسرعت "ماريا" على الفور إلى هاب والذي كان يصرخ بقوة و وجعا على الأطفال وقد اجتمع عدد كبير من الناس والشرطة لتقوم بأخذ هاب والابتعاد به عن المكان بسرعة خوفا منها لمساءلته قانونيا وعلاقاته بالأطفال.

عادت "ماريا" وهاب إلى مكان سيارة "ماريا" وقد ركب هاب في المقعد الخلفي من السيارة لينام حينها وتتحرك "ماريا" على الفور في طريق العودة إلى المنزل تشغلها أفكارا كثيرة جدا تتصارع وتتناقض مع بعضها البعض حيث لم تفهم ماذا يدور حولها و هاب؟!

وصلت "ماريا" وهاب إلى المنزل وقد كان نائما لتقوم بإيقاظه والنزول من السيارة لينام على سريره. وقد اتضح على وجه هاب ملامح التعب من مشوار اليوم وما كان فيه ولكن لم يظهر عليه الحزن وكأنه نسي موضوع الأطفال بتاتا، ليذهب إلى النوم والراحة بسرعة ودون تغيير ملابسه.

غاب "يوري" قرابة الشهرعن "ماريا" وهاب إذ كان يبحث في كل أنحاء البلاد عن العطر الذي يعبق بالوشاح فقد سأل كل العطارين وشركات العطور لكنهم أكدوا له أنهم لا يعرفوه ولا يعرف شيء من مكوناته وهذه أول مرة يشتموا رائحة عطر كهذا .

إن ما كان يدور في عقل "يوري" هو أن يحصل على هذا العطر وبعدها يضعه على شخص ما ويقدمه لهاب بطريقة ما على أنه الرجل الذي يبحث عنه هاب فرائحة العطر تؤكد لهاب أنه الرجل المطلوب، لكن لم يوفق "يوري" بحصوله على مثل هذا النوع من العطر.

بعد مرور شهر على غيابه عاد "يوري" إلى المنزل وكان هاب حينها نائما فسأل عنه لتخبره "ماريا" أنه يغادر في منتصف الليل ويعود في الصباح، إذ ينام طوال النهار. ليجلس "يوري" مع "ماريا" ويخبرها عن سبب غيابه الطويل فتتعجب مما يقوله "يوري" وأن العطر لا وجود له على الإطلاق في هذه البلاد وهذا يؤكد لها أن الرجل الذي يبحث عنه هاب ليس من أهل هذه البلاد بل غريب، أن هذا اللغز أصبح يكبر شيئا فشيئا.

حينها قام "يوري" بالإستياء والملل من هذا الموضوع، فقد طال الوقت ولم يحصل على شيء، وأن "ماريا" إذا لم تجد حلا بسرعة سيتركها وأن تتخلص من الطفل الذي تحمله في أحشائها.

خافت "ماريا" من هذا الكلام وطلبت منه أن يصبر قليلا وستجد الحل والخلاص من هاب وإلى الأبد فقط هي بحاجة إلى بعض من الوقت لا أكثر وسيكون كل شيء بين أيديهم.

غادر "يوري" المنزل وبقيت "ماريا" تفكر وهي خائفة على الطفل ، فما فكرت به هو أن تحاول التأجيل في الموضوع والتباطؤ به لحين أن تلد طفلها وبعدها ترى ما الحل للخلاص من هاب.

الشهر السابع من الحمل لتضع "ماريا" مولودها فيه أي ولادة مبكرة. كان الطفل جميلا جدا وقد فرح هاب به كثيرا وأيضا "ماريا" بالرغم أن "يوري" لم يسره ذلك وكان ينوي التخلص من الطفل.


بعد ولادة "ماريا" تزداد قوة هاب أكثر ويشعر "يوري" بالإحباط أكثر. هذا وإن هاب لم يتوقف عن رحلة بحثه عن الرجل المجهول، حيث كان يبحث طوال الليل وينام طوال النهار، وكانت "ماريا" مهتمة بطفلها فقد أخذ منها كل وقتها لحين أن أتى "ماريا" ذات يوم وقام بتهديدها إذا لم يحصل على المال خلال هذه الفترة سيقوم بأخذ الطفل منها فهو أبوه على حد اعتقاد "ماريا".

خافت "ماريا" كثيرا على طفلها وقررت البحث عن حل للخلاص من هاب حتى لا تخسر طفلها و"يوري".

في منتصف النهار يستيقظ هاب من نومه مفزوعا حيث كان يصرخ بشدة وخوف، لتسرع إليه "ماريا" فتجد جسده يصب من العرق ويرتجف من الخوف، فتحاول التخفيف من روعه وخوفه والسؤال عما اصابه، فيخبرها أنه الحلم الذي اعتاد على رؤيته في المنام، حلم المطار. لكن هذه المرة أرض المطار ابتلعته كاملا ولم ينجو. وبقى يكرر كلمة " لم أنجو، لم أنجو" حتى عاد للنوم ثانية، ليستيقظ بعد العشاء ويطلب من "ماريا" الجلوس معه حيث أخبرها بأنه ينوي على مسح وتفجير هذا المطار، اندهشت "ماريا" مما يقول وأخبرته أنه من المستحيل أن ينجح بذلك. وأنه أمر خطيرا وأن لا يتكلم بهذا مطلقا. وأن يبتعد عن ما يفكر به.

في ذلك الحين يدعى "يوري" من صديقة حسناء كان قد التقى بها قريبا للعشاء في أكبر مطاعم المدينة، وبينما هو يتناول العشاء مع تلك الفتاة الحسناء يشتم رائحة العطر تعبق بكل أنحاء المكان، ليقوم على الفور ليتتبع مصدر العطر ليجد اثيودار يجلس على طاولة متطرفة قليلا بصحبة رجل عجوز.

بقي "يوري" بمراقبة اثيودار صاحب العطر لانتهاز الفرصة المناسبة التحدث معه، سأل "يوري" عمال المطعم عنه وما اسم هذا الرجل فأخبروه أنهم لا يعرفوا شيئا عنه سوى أنه رجل أعمال كبير وثري جدا يأتي كل أسبوع من هذا اليوم لتناول العشاء في هذا المطعم.

أنهى اثيودار وصديقه العجوز عشائهم ليغادر العجوز ويبقى اثيودار ليتناول فنجانا من القهوة وبعدها مغادرة المكان، حينها قام "يوري" بالذهاب إليه وطلب منه أن يجلس معه قليلا فرحب اثيودار به ولم يمانع بذلك.

جلس "يوري" وكان خائفا قليلا إذ بدأ ينظر إلى عيني اثيودار محاولة منه لحفظ ملامحه، لتأتي بعد ذلك أنظاره على يده ويرى الإسوارة التي على معصمه. إنها نفس الإسوارة التي يرتديها هاب في يده.

لاحظ اثيودار نظرات "يوري" للإسوار فسأله ما به؟ ولماذا ينظر إلى الإسوار وإن كانت قد أعجبته. تكلم "يوري حينها ليقول له أنه إسوار جميل فلم يسبق أن رأيت مثلها، ليطلب من اثيودار إن كان بإمكانه أن يراها عن قرب، فقام اثيودار بفك الإسوارة وإعطائه إياه ، مسك "يوري" الإسوارة وتمعن بها بشدة وقد لبسها في يده ليشعر أنه قد ضيق على معصمه فقام بنزعها وإعطائها لاثيودار بخوف، لينظر بعد ذلك إلى معصم يده ليرى أن الإسوار قد ترك أثرا على معصم يده.

قدمت القهوة لاثيودار ليطلب "يوري" منه السماح للذهاب وأنه سعيد بمعرفته عليه. لينطلق "يوري" على الفور كي يخبر هاب بأنه قد وجد الرجل الذي يبحث عنه. لكنه لم يسأل عن اسمه ولا عن مكان إقامته ولا عن أي شيء. ناسيا أمر الفتاه التي كانت بصحبته أيضا.

وصل "يوري" وكان ملهوفا كثيرا حيث كانت الساعة العاشرة مساءا وهاب في ذلك الوقت يكون نائما لتفتح "ماريا" الباب له. ليذهب بنفسه وإيقاظ هاب من نومه ليخبره أنه قد وجد الرجل الذي يبحث عنه هاب، وأنه في المطعم الآن.

لبس هاب ملابسه بسرعة وانطلق برفقة "يوري" إلى المطعم وحين دخولهما وعلى مدخل المطعم يرى هاب الرجل العجوز الذي التقى به في المطار ورافقه في الطائرة ذلك العجوز الذي روى له قصة المطار المزعجة. يركب في سيارة فخمة.

قام هاب بالنداء على ذلك العجوز لكنه ذهب ولم يسمع ندائه. حينها قام "يوري" بالسؤال "أتعرف هذا العجوز؟" فأجاب هاب نعم إنه العجوز الذي رافقني في رحلة الطيران إلى هذه البلاد.

تابعا صعودهما إلى المطعم وفي المصعد أخبر "يوري" هاب أن هذا العجوز كان يتناول العشاء مع الرجل الذي يبحث عنه صاحب العطر، استغرب هاب مما يقوله "يوري" والتزم الصمت لحين دخولهم إلى المطعم حيث اتجها إلى الطاولة التي كان يجلس عليها فلم يجداه مكانه.

سأل "يوري" عمال المطعم فأخبروه أنه ترك المطعم قبل نصف ساعة. استاء هاب كثيرا من ذلك ولكن "يوري" أخبره أن هذا الرجل يأتي لتناول العشاء في هذا المطعم كل أسبوع من مثل هذا اليوم وأنه سيتمكن من العثور عليه هنا الأسبوع القادم في نفس هذا الوقت وفي نفس المطعم. ليعود هاب و"يوري" إلى المنزل وكانت "ماريا" تنتظرهما على أحر من الجمر لتسأل ماذا حصل؟ فيخبرها "يوري أنهم لم يلحقو به. فقد غادر قبل وصولهم.

جلس هاب قليلا ثم غادر المنزل ليلا كما كان معتادا ليبقى "يوري" و "ماريا" لوحدهما في المنزل.

بعد خروج هاب قامت "ماريا" بإخبار "يوري" أن هاب ينوي تفجير المطار، ليتكلم "يوري" مندهشا مما تقوله "حقا"، لترد "ماريا" أنها محقة فيما تقول وأنه ينوي فعلا هذا الشيء. لم يصدق "يوري" ما تقوله "ماريا" وأخبرها عن مقابلته لذلك الرجل الذي يبحث عنه هاب وعن الإسوار الذي على معصم يد ذلك الرجل، لينظر إلى يده فيرى أثار الإسوار ما زالت اثارها على معصم يده.

مضى أسبوع وقد ذهب هاب و "يوري" إلى المطعم مبكرا في انتظار موعد وصول هذا الرجل، لكنه لم يأتي ليلتها لتثور أعصاب هاب ويظن أن "يوري" يكذب أو يلعب به حتى يصل إلى المال. ليعودوا بعد طول إنتظار بخيبة الأمل.

في اليوم التالي لم ينم هاب في النهار إذ طلب من "ماريا" أن تتصل بـ "يوري" وتطلب منه أن يأتي في المساء ثم خرج، فسألت "ماريا" إلى أين ينوي الذهاب؟ فأخبرها إلى البنك لمدة ساعة ويعود.

في المساء أتى "يوري" كما أخبرته "ماريا" وحين دخل سأل عن هاب؟ فأجابته أنه في الغرفة العلوية حيث أحضر خزنة كبيرة وقام بسحب المال من البنك ووضعه فيها، سر "يوري" بما قالته "ماريا" واعتقد أن المال أصبح الآن بحوزته.

نزل هاب من الغرفة وجلس يخبرهم أن المال الذي في الخزنة هو لهم شريطة مساعدته بتفجير المطار. وقد رسم خطة لذلك وحدد كل ما تتطلبه هذه العملية من متفجرات وأن بعد غد لا بد أن يختفي المطار من على وجه الأرض وأمر "يوري" أن يتحرك على الفور لإحضار ما يلزم.

ذهب "يوري" وبقي هاب يلعب مع الطفل لحين أن أخرج من جيبه قصاصة ورق صغيرة ليضعها في قلب القلادة التي ألبستها "ماريا" للطفل اعتقادا منها أنها تجلب الحظ لطفلها.

لاحظت "ماريا" ما كان يفعله هاب لكنها لم تهتم كثيرا، وفي منتصف الليل وبعد ذهاب هاب كما كان معتادا كل ليلة تجد "ماريا" مفتاح الخزنة التي تحمل المال وقد نسيه هاب على طاولة المطبخ لتتصل مع "يوري" ليحضر بسرعة.

حضر "يوري" لتخبره أن هاب ذهب كما كان معتادا وأن مفتاح الخزنة معها وأن بإمكانهم أخذ المال والهروب. سر "يوري" كثيرا ليصعد على الفور إلى الغرفة العلوية وفي أثناء صعوده وقبل وصوله تكسر الدرجة الرابعة في أعلى السلم ليسقط "يوري" على الأرض فينظر ليرى هاب أمامه ولكن بصورة مخلوق غريب ومرعب جدا. يمد يده لمساعدته فلا يقبل "يوري" ويقوم لوحده، ليجد أن ملامح هاب قد عادت كما هي. اعتقد أنه يتخيل أو هيئ له ذلك.

لم يسأل هاب "يوري" عن سبب صعوده إلى هذه الغرفة أو حتى سبب رجوعه إلى المنزل، ودخل لكي ينام وترك "يوري" و "ماريا" يجلسان في الصالة وقد أخذ مفتاح الخزنة من "يوري" ووضعه تحت الوسادة ونام. ليمضي "يوري" و "ماريا" الليل بطوله وهم يفكرون بطريقة للتخلص فيها من هاب، وقد أرهق التفكير عقولهم.

يستيقظ هاب في الصباح فلا يجدهم ولا الطفل أيضا، لحظات حتى عادت "ماريا" من غير الطفل فقد وضعت طفلها لدى امرأة صديقة لها وذلك لتأمن عليه. ولتبقيه بعيدا عن كل ما سيحدث.

لم يسألها هاب عن الطفل ولا عن مكان ما كانت فيه، ليأتي بعدها "يوري" وقد أحضر معه ثلاث حقائب تحمل كل واحدة منها قنبلة موقوتة ليخبر هاب أن بهذه القنابل يستطيع إبادة المطار بأسره، وأن على هاب و "ماريا" وهو التنفيذ وإدخال القنابل للمطار. من أجل تفجيره.

وافق هاب على الفور لكن "ماريا" لم توافق فطمأنها "يوري" بأن لا تقلق و ترضى. ليفتح "يوري" القنابل ويعلم هاب كيفية توقيتها فبعد دخول هاب إلى المطار بحقيبة القنبلة ووصوله لنقطة المكان المحدد، يذهب إلى الحمام ويقوم بتوقيت ساعة القنبلة للإنفجار بعد ثلاث دقائق ويخرج على الفور ليضعها في المكان الذي حدده قبل توقيتها. وإن لم تنفجر بعد ثلاث دقائق كما حدد لها عليه أن يأخذها ويخرج من المطار بسرعة. وفي نفس الوقت تقوم "ماريا" بتوقيت القنبلة الثانية بعده بتسعة دقائق ومن ثم "يوري" بعد ثلاثة عشر دقيقة، علما بأن أول الداخلين للمطار والتنفيذ هو "يوري" وبعده "ماريا" وأخرهم هاب، وبذلك ستنفجر القنابل وراء بعضها وتمحو المطار على بكرة أبيه.

وافق هاب على الفور ودون أن يفكر بشيء، وفي اليوم التالي اتجه كل من "ماريا" وهاب و"يوري" إلى المطار، وقد كانت الخطة تسير وفق ما اتفقا عليه إذ دخل هاب إلى الحمام كي يقوم بتوقيت القنبله كما أخبره "يوري" وأثناء توقيته للقنبلة لم يضعها بعد ثلاث دقائق، إذ أخطأ بتعين التوقيت للقنبلة من ثلاث دقائق إلى ثلاثمئة دقيقة أي بالإحصاء يكون انفجارها بعد (خمسة ساعات). ليخرج هاب بعد ذلك ويجلس ينتظر انفجارها وهو ينظر إلى ساعته وبعد مرور ثلاث دقائق لم تنفجر القنبلة، لذا هو ملزم بتنفيذ التعليمات والأوامر والخروج من المطار مصطحبا معه حقيبة القنبلة والعودة إلى المنزل. وهذا ما قام به هاب. إذ غادر المطار بعد مضي ثلاثة دقائق بسرعة.

أثناء خروجه من المطار يهز انفجار كبير في كل أنحاء المطار ليتسبب بقتل أكثر من 13 شخصا وإصابه مئات الأشخاص وتدمير الكثير من منشآت المطار والخراب.

سر هاب بهذا الإنفجار وعاد بسرعة إلى المنزل ليجد أن "ماريا" و "يوري" لم يعودوا بعد. حيث قام بوضع حقيبة القنبلة مكان حقيبة الإسعاف في العمود الذي بالصالة ذا الفن التجريدي في منزل "ماريا" ويذهب لاستطلاع خبر تأخرهما.

إلى هذه اللحظة لم يفكر هاب بأن القنبلة التي كانت بحوزته والتي لم تنفجر كانت ستودي بحياته ويموت فدرجة الإنقلاب الفكري بينة وبين والده اثيودار قوية جدا حيث إن اثيودار باستطاعته أن يودي بحياة هاب إلى الموت في أي لحظة أثناء الإنقلاب الفكري. كما أن هاب في لحظتها كان يتصرف مثل الأطفال وتنفيذ الأوامر دون النظر إلى العواقب.

وصلت "ماريا" إلى المنزل وقد لحق بها "يوري" وقد تفاجأ بعودة "ماريا" ليعتقدوا بأن هاب قد انفجرت به القنبلة ومات، علما بان القنبلة التي انفجرت هي القنبلة التي وضعتها "ماريا" وخرجت كما أن "يوري" لم يحمل أي قنبلة. حيث كان بعيدا عن المطار يرقب موعد قتل هاب والقبض على "ماريا" ليظفر بالمال لوحده. فقد كانت الخطة التي وضعها "يوري" ستسفر في ناتجها عن التخلص من هاب و "ماريا" في نفس الوقت.

بعد وصولهم إلى المنزل صعد "يوري" و "ماريا" لفورهم على الغرفة العلوية للإستيلاء على المال ومغادرة المنزل وكانت "ماريا" حينها قد قامت بتحضير ملابسها وكل ما يلزم لمغادرة المنزل مسبقا وقد ارتدت الوشاح الأسود على كتفها إذ أنها أحبته واعتبرته ملكا لها.

كان مفتاح الخزنة بحوزة "ماريا" وحين محاولة فتح الخزنة تبين أن الخزنة تحمل رقما سريا خاصا وإذا ما حاول أحد إدخال الرقم بالطريقة الخاطئة ثلاث مرات فإن الخزنة ستنفجر تلقائيا. تفاجأ "يوري" و "ماريا" من الرقم السري وقد حاولا إدخال رقمين لكن اتضح لهم بأن الخزنة تعمل على مؤقت قنبلة قد تودي بحياتهما أذا ما حاولا تكرار إدخال رقم خاطئ. حينها تذكرت "ماريا" طفلها والورقة التي وضعها هاب في القلادة التي بعنقه فقد تحمل الرقم السري للخزنة ليذهبا على الفور.

في هذه الأثناء ينفصل الإنقلاب الفكري عن هاب وتعظم قوته إذ بدأ يشتم رائحة والده اثيودرا لكنه لا يستطيع تحديد مكانه، علما بأن اثيودار قد غادر البلاد متجها إلى بلاد أخرى .

وصل "يوري" و "ماريا" إلى الطفل ليأخذا قصاصة الورق المسجل عليها تاريخا مستقبليا ويعودا بعد ذلك إلى المنزل بسرعة لفتح الخزنة وأخذ المال، وبالفعل يكون التاريخ المسجل على تلك الورقة هو الرقم السري للخزنة، ويقوما بفتحها ووضع جميع ما تحويه من المال في حقيبة خاصة، ولكن "يوري" طمع في المال لوحده مما دفعه ليقوم بخنق "ماريا" بالشال الذي على عنقها وقتلها.

في ذلك الحين يكون هاب قد اشتم رائحة الوشاح ليتجه نحو المنزل فيرى "يوري" وقد حمل ملامح والده اثيودار ليتحول الى الشكل الشيطاني ويقوم بقتل يوري بطريقة شنيعة جدا حيث قطع يد "يوري" وقطع عنقه ليسقط "يوري" ميتا فتعود ملامحه كما هي إلا أنف "يوري" فقد كان يشبه أنف أبيه اثيودار على حسب ما خيل له ليقوم بعد ذلك بقطع أنف "يوري" ووضعه مع العينين في الكيس الذي بحوزته ويأخذ حقيبة المال و الوشاح ويذهب.

بعد ذهاب هاب بأقل من نصف ساعة تنفجر القنبلة الموقوتة التي وضعها هاب مكان حقيبة الإسعاف والتي تحمل توقيتا متأخرا فقد انتهت الخمس ساعات المقدرة لها، لتقوم بمسح البيت من على بكرة أبيه. حينها هاب تعظمت قوته ويستطيع أن يحدد وجهة أبيه أثيودار و اللحاق به على الفور.

إن المسألة ليست مسألة قوة أو ضعف إنما هي مسألة فكر إرهابي يتعظم كلما تمت عملية إرهابية بنجاح فالإرهاب ليس قنبلة موقوتة يتم وضعها في مكان ما أو تفجير مبنى معينا وينتهي الأمر على ذلك، أو حلم لا بد من الوصول له، لا بل إنه فكر يمتد ويزداد قوة ونفوذا كلما ربح جولة إرهابية.

ما زال حلم اثيودار يراوده ونار الانتقام لوالدته تشب في كل حين، لذلك يجب عليه تحقيق حلمه والثأر لأمه من كل مسؤولي هذا العالم حتى لو كلفه الأمر أكثر من حياته.

إن من الواجب على اثيودار والذي حددته تجربته أن يكون بعيدا عن هاب حين الإنفصال الفكري فهاب بعد كل عملية إرهابية ناجحة تزداد قوته ومقدرته لشم رائحة والده اثيودار وتحديد مكانه، كما وأن الإنقلاب الفكري وانفصاله مرتبط بزمن معين اذ يجب على اثيودار الابتعاد قدر الإمكان عن هاب أي بمعنى لحين حدوث الإنقلاب الفكري الثالث.

تجول اثيودار كثيرا في أنحاء العالم حيث كان لا يمكث بأي بلد أكثر من يوم وذلك محاولة منه لإطالة الوقت لحين الإنقلاب الفكري وإيجاد البلد الذي يمكن فيه تحقيق حلمه، هذا ولا ننسى أن هاب كان يتتبع أثر والده اثيودار بالشم واللحاق به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
طفل الشيطان نحت مسمى الإرهاب رواية للكاتب العربي عماد العمرات







  رد مع اقتباس
قديم منذ /12-15-2015   #4 (permalink)

سعوطآليي
 
الصورة الرمزية سعوطآليي

عُضويتيّ 2
الجِنسْ man
مُشآركاتيَ 33,382
تـَمَ شٌـكٌريَ 9102
شكَرتَ 7584
حلاُليٍ 0
آلدوُلة السعوديه
هناَ سأكونُ facebook  flickr  tumblr twitter  youtube
SMS الجنون هو فعل نفس الشيئ مرارا وتكرارا وتوقع نتائج مختلفة

مزآجي
3

MMS
1

الأوسمة وسآم الألفيه 25 المركز الاول في فعالية ابل المركز الثالث بـ فعالية تفسير سوره مميز القسم الاسلامي مميز بقسم الطبخ مشارك بفعالية من وحي الصوره مميز بقسم بلاك بيري مميز القسم الرياضي مبدعين ريلاكسين 2015 معزوفات آنامل وسآم الرد آلخِورآفيُ وسـآم آلمدير آلرآقيُ اجمل بروفايل المركز الثاني تكريم دورة الفوتشوب للمبتدئين تويتر 



سعوطآليي غير متواجد حالياً
افتراضي رد: رواية طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب الرواية المرشحة لجائزة نوبل للأدب 2016


روايــــــــــــــــــــــــــــــــة
طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب

رواية سينمائية ضد الإرهاب

الجزء الثاني / الفصل الثالث (الأردن)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ

ما زال حلم اثيودار يراوده ونار الانتقام لوالدته تشب في كل حين، لذلك يجب عليه تحقيق حلمه والثأر لأمه من كل مسؤولي هذا العالم حتى لو كلفه الأمر أكثر من حياته.

إن من الواجب على اثيودار والذي حددته تجربته أن يكون بعيدا عن هاب حين الإنفصال الفكري فهاب بعد كل عملية إرهابية ناجحة تزداد قوته ومقدرته لشم رائحة والده اثيودار وتحديد مكانه، كما وأن الإنقلاب الفكري وانفصاله مرتبط بزمن معين اذ يجب على اثيودار الابتعاد قدر الإمكان عن هاب أي بمعنى لحين حدوث الإنقلاب الفكري الثالث.

تجول اثيودار كثيرا في أنحاء العالم حيث كان لا يمكث بأي بلد أكثر من يوم وذلك محاولة منه لإطالة الوقت لحين الإنقلاب الفكري وإيجاد البلد الذي يمكن فيه تحقيق حلمه، هذا ولا ننسى أن هاب كان يتتبع أثر والده اثيودار بالشم واللحاق به.

استقرار اثيودار أخيرا في قلب الشرق الأوسط في بلاد تدعى بلاد "النهر المقدس" او نهر "جوردان" وهو النهر الذي التقى به النهرين "جوراو يور و دان" ليصبح الاسم "جوردان او يوردان" في بعض اللغات وهي تسمية صحيحة لغويا ومكانيا. حيث عرفت هذه البلاد ببلاد الأمن والأمان فرغم الكثير من التغيرات والإنقلابات في الشرق الأوسط وزعزعة الأمن فيه في بعض الأحيان إلا أنها أكثر البلاد أمنا واستقرارا وذلك بالإجماع من المجتمع الدولي لها، حيث أن هذه البلاد حظيت بانعقاد مؤتمر ديفيس الاقتصادي العالمي بأكثر من خمس مرات باعتبارها من الدول الآمنة دوليا، وهو مؤتمر اقتصادي بالغ الأهمية ويستوجب مكانا آمنا جدا لانعقاد دوراته، حيث إن هذا المؤتمر يقيمه المنتدى الإقتصادي العالمي وهو منظمة دولية مستقلة ملتزمة بتحسين حالة العالم عن طريق إشراك رجال الأعمال والقيادات السياسية والأكاديمية وغيرها من هيئات المجتمع بتشكيل الأجندات العالمية والإقليمية والصناعة، بحيث يجمع ما لا يقل عن 2000 شخصية عالمية من كبار رجال الأعمال وقادة ورؤساء دول وحكومات ووزراء .. الخ وقد كانت أول دوراته من العام 1971م .

هذا وتدعى أيضا ببلاد السلام والمحبة فلا تملك عداوات من جهات دولية أو منظمات عالمية. يوصف سكانها بالشعب المسالم ذو الحنكة في التعامل والقدرة على التحليل والخوف على بلادهم ومصالحها، يحكمها النظام الملكي المتوارث حيث تجد توافقا واتفاقا وعلاقة كبيرة وحميمة ما بين شعبها ومليكها، لذلك تجدها تتمتع بأمن كبير ونظام مرموق.

تختلف هذه البلاد قليلا عن بقية الدول المجاورة لها فهي لا تملك النفط لذلك نجد اقتصادها يعتمد في الدرجة الأولى على السياحة والأماكن السياحية، إذ أنها غنية بالأماكن السياحية والمخلفات الأثرية، فقد شهدت أرضها تعاقب الكثير من الحضارات عليها
أمثال الحضارة النبطية، والأدومية، والأشورية ...الخ

هذا وتعتبر مدينة "سلع" الأثرية وهي أحد عجائب الدنيا السبع الجديدة، من أهم وأجمل المخلفات الأثرية للحضارة النبطية التي تحملها أحد سلسلة جبال الشرى المارة من أرض النهر المقدس. لعدم وجود مثيل لها في العالم بأسره، حيث تقع على بعد 225كم جنوب عاصمة النهر المقدس المسمى قديما "ربة عمون" ومدينة "سلع" عبارة عن مدينة كاملة منحوته في الصخر الوردي اللون. حيث كانت عاصمة العرب الأنباط وأهم مدنهم التي دامت ما بين 400 قبل الميلاد وحتى 106 ميلادي، وقد امتدت حدودها من ساحل عسقلان في فلسطين غربا وحتى صحراء بلاد الشام شرقا. ومن شمال دمشق وحتى البحر الأحمر جنوبا. وقد شكل موقع "سلع" المتوسط بين حضارات بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام والجزيرة العربية ومصر أهمية أقتصادية فقد أمسكت دولة الأنباط نتيجة لموقعها بزمام التجارة بين حضارات هذه المناطق وسكانه. هذا ويعتبر "طريق البخور" الذي يمر من مدينة "سلع" من أهم الطرق لتجارة القوافل قديما، ومعبر تجاري دولي بين الشرق والغرب سيطر عليه العرب الأنباط آنذاك إضافة إلى طريق الحرير البحري البري والذي كان وثيقة الصلة بميناء آيلة من جنوب بلاد النهر المقدس فمنه كانت القوافل التجارية تنطلق إلى غزة ومصر وصور وصيده وجبيل وبيروت.

أضف إلى ذلك مدينة "جرشو" او "جراسا" والمعنى للاسم هو "مكان كثيف الاشجار" ويعود تاريخ تأسيس المدينة إلى عهد الاسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد أو ما يعرف بالعصر اليوناني، وقد تداول التاريخ أخبارها فقد ذكر أن "جرشو" او "جراسا" عاشت عصرها الذهبي تحت الحكم الروماني لها، ويعتبر الموقع في يومنا هذا عموما واحدا من أفضل المدن الرومانية المحافظ عليها في العالم. إذ خضعت المدينة لحكم الروم الذين احتلوا بلاد الشام طيلة 400 سنة وأسسوا اتحاد المدن العشر المعروف باسم "مدن الديكابوليس" وهو اتحاد اقتصادي وثقافي فيدرالي ضم عشرة مدن رومانية أقامها القائد "بومبي" عام 63 قبل الميلاد في شمال بلاد الشام لمواجهة قوة دولة "الأنباط" العرب في الجنوب.

كما وتحتضن بلاد "النهر المقدس" من المدن الأثرية مدينة "جدارا" الأثرية والتي يعود تاريخها إلى اليونان من القرن السابع قبل الميلاد من حكم بطليموس. وقد سجل التاريخ أن هذه المدينة اجتذبت الكتاب والفنانين والفلاسفة والشعراء في عصر اليونانين فعندما تدخل مدينة "جدارا" الأثرية تواجهك عبارة منقوشة على حجر الشاهد الذي كان منصوبا على قبر الشــاعر الكبير القديـــــم " أرابيوس " يخاطب فيها الضيوف قائلا " أيهـا المـار من هـنا، كما أنت الآن، كنت أنا، وكمـا أنا الآن، ســتكون أنت، فتمتـع بالحياة لأنك فان "

وعلى أرض "النهر المقدس" تقع الكثير من الأماكن المقدسة فإلى الشرق من النهر، يقع معلم أثري ديني بالغ الأهمية وهو "المغطس" في المنطقة المسمى قديما ببيت عنيا. حيث أكدت الكثير من المصادر التاريخية والدينية أن المسيح عليه السلام، وقف وهو في العقد الثالث من عمره، بين يدي النبي يحيى عليه السلام، لكي يتعمد بالماء، ويعلن من خلال هذا المكان بداية رسالته للبشرية.

وقد كشفت الحفريات في المنطقة آثار كنيسة بيزنطية يعود تاريخ بنائها في عهد الامبراطور "آناستاسيوس"، إضافة إلى عدة آبار للماء وبرك يعتقد أن المسيحيين الأوائل استخدموها في طقوس جماعية للعماد.

هذا وأن "المغطس" قد حظي بزيارة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني اذ أعلنه مكانا للحج المسيحي في العالم مع أربعة مواقع أخرى من بلاد "النهر المقدس" هي: قلعة مكاور، وجبل نيبو، ومزار سيدة الجبل في عنجرة، ومزار النبي إيليا في منطقة خربة الوهادنة.

إلى جانب هذا كله، ومن أبرز المعالم السياحية في بلاد النهر المقدس "بحيرة النبي لوط" عليه السلام، والتي تعرف الآن بـ"البحيرة الميتة أو البحر الميت" وهو بحيرة يعتبر سطحها أعمق نقطة في العالم على سطح الأرض حيث يقع على عمق 417 متر تحت سطح البحر، وله عبر التاريخ ذكر في جميع الحضارات التي سكنت حوله، وكلها تنعته بصورة أو بأخرى بصفات تعود إلى شدة ملوحته أو خلوه من الكائنات المائية. ومن هنا جاء سبب تسميته الحالية بـ" البحيرة الميتة أو البحر الميت" لعدم قدرة الكائنات الحية أو الأسماك على العيش فيه لكون مياهه شديدة الملوحة، فهي تقارب عشرة أضعاف ملوحة المحيطات.

ويعتبر هذا البحر من المناطق السياحة العلاجية الأكثر نشاطا في المنطقة ومن أهم الأماكن السياحية العلاجية ومقصد الكثير من سياح العالم، حيث أكدت الأبحاث الطبية أن الأملاح الموجودة به تشفي كثيرا من الأمراض الجلدية مثل الصدفية والحساسيات الجلدية المتنوعة.

وهذه وقد حملت بلاد "النهر المقدس" أيضا الكثير من المعالم الأثرية والسياحية أمثال الكنائس واللوحات الفسيفسائية في مدينة "ميديا" وهي مدينة تاريخية عريقة عرفت منذ القديم بمسماها هذا، إذ ذكرت في التوراة حوالي عام 1300 ق. م وفي الإنجيل على أنها المدينة المؤابية (ميديا) لحين أن سكنها العموريين ليغيروا من اسمها إلى الاسم المتداول به حاليا. ومن أهم آثار هذه المدينة العريقة، كنيسة الروم الذروذكس، وكنيسة العذراء وكنيسة الشهداء، وكنيسة ايلا النبي، وجبل نيبو.

ان بلاد "النهر المقدس" متنوعة بحضاراتها المتعاقب عليها وبآثارها وموقعها السياحية، إضافة لما تقدم ذكره سابقا من الآثار والمواقع الطبيعية السياحية هناك وادي القمر والقصور والواحات الصحراوية. والتي تجعلها محل جذب سياحي هام في قلب الشرق الأوسط.

من هنا جاء اختيار اثيودار لهذه البلاد هذا وأن مناخها جاف معتدل حركة الرياح فيه ما بين شرقية في بعض الأحيان وغربية في بعضها الآخر وهذا يساعد على أجواء انتقال الأفكار أثناء الإنقلاب الفكري فكما أخبرت سابقا بأن للمناخ والرياح وحركتها وحالات الجو تأثيرا على الفكر البشري منهجا وسلوكا وتطبيقا على الصعيد العام أما على صعيد تجربة اثيودار إلى جانب ذلك، فإن للمناخ وتقلباته وللرياح بالشكل الخاص أثر قد يكون كبير في بعض الحالات الخاصة.

نزل اثيودار في أحد الفنادق الكبيرة والمشهورة من عاصمة "النهر المقدس" والتي تسمى "ربة عمون" ويرجع تاريخ هذه العاصمة إلى الألف السابع قبل الميلاد، وبهذا تعتبر من أقدم مدن العالم المأهولة بالسكان إلى يومنا هذا. وقد أنشأت المدينة على تلال سبعة، مما يجعلها تختلف عن باقي عواصم العالم. وقد تعاقبت على أرضها الكثير من الحضارات كان أولها "الحيثيون والهكسوس " ثم قبائل "العماليق" الأقدمين تلتهم قبائل بني عمون، أو العمونيين الذين أعطوا المدينة اسمهم فأطلقوا عليها اسم "ربة عمون"، والربة تعني العاصمة أو دار الملك.

أن هذه العاصمة حاليا تكتظ بالفنادق الكبيرة ذات الطراز الجميل والشقق الفندقية ما بين متوسط الخدمة وممتاز. حيث كان اثيودار مرتاحا جدا بإقامته بهذا الفندق ومطمئنا بأن هاب قد لحق به وأن بوصوله يتم الإنقلاب الفكري الثالث ويجب الآن الراحة قليلا ثم التفكير والتطوير والتدبير بكثير من الحنكة للوصول إلى حلمه المزعوم.

من مساء اليوم الثالث لإثيودار في بلاد "النهر المقدس" يقوم بتحضير نفسه لجولة سريعة في أنحاء المدينة يتعرف من خلالها على ضواحيها وشوارعها. ليرى أين يكون حلمه فيها.

ركب اثيودار مع سائق سيارة أجرة وأخبره بأنه سائح ويريد جولة في ضواحي عاصمة المدينة. رحب السائق باثيودار كثيرا وانطلق يجوب شوارع المدينة وهو يشرح له. فشعب هذه المدينة كبارا كانوا أو شبانا أو أطفالا يلمون بثقافة كبيرة عن تاريخ بلادهم.

ليل هذه المدينة يشعرك بالأمان المطلق إذ ترى الأضواء تبرق والناس تشغل الشوارع بحيوية فالبرغم مما هو معروف عن العواصم وشوارعها هو صوت السيارات وضوضاء الشارع وتكاتل الناس إلا أنك تشعر بهدوء كبير في شوارع هذه العاصمة وكأنك تسير لوحدك، وذلك لأنها مدينة جبلية كما تقدم بالذكر فهي تقوم على سبع جبال بطريقة تنظيم رائعة وملفتة للإنتباه..

أثناء هذه الجولة لفت انتباه اثيودار معلم أثري بارز يتوسط هذه المدينة وهو عبارة عن مدرج ضخم، ليخبره السائق أنه المدرج الروماني وهو من أبرز وأهم المعالم الأثرية في قلب العاصمة حيث تشير كتابة يونانية موجودة على إحدى منصات الأعمدة إلى أن هذه المدرج قد بني إكراما للامبراطور "مادريانوس" الذي زار العاصمة "ربة عمون" سنة 130م.

حينها قرر اثيودار أن يقوم بجولة واسعة يزور فيها كل الأماكن الأثرية في هذه البلاد، ليسأل في طريق العودة السائق عن إمكانية توفير ذلك بوقت سريع. ليقوم السائق بإرشاده للإتجاه إلى أحد المكاتب السياحية وأن يسألهم كيفية عمل برنامج سياحي متكامل في مدة قصيرة.

في أقل من نصف ساعة وصل اثيودار إلى الفندق، هذا وقد اتفق مع السائق بأن يحضر في الصباح لمرافقته إلى المكتب السياحي.

جهز العشاء في الفندق وقد كان اثيودار جائعا جدا حيث طلب من الاستقبال ان يكون العشاء وجبة من المأكولات الشعبية المتعارف عليها في هذه البلاد ريثما يبدل ملابسه.

كان العشاء عبارة عن صحن من الارز والدجاج والبطاطا والباذنجان المطبوخ حيث يسمى "المقلوبة" وهي من الأكلات الشعبية المشهورة جدا لسكان بلاد "النهر المقدس" والمتعارف عليها لسهولة تحضيرها وسرعة طبخها، وجاءت هذه الأكلة أصلا من بلاد فلسطين حيث أشتهر بها أهل الساحل البحري على شواطئ المتوسط إذ اعتمدوا في اطعمتهم على صيد السمك، حيث سميت "الصيادية" بمعنى مقلوبة السمك لتدخل بعد ذلك الى مطابخ بلاد "النهر المقدس" منذ زمن بعيد وأضافوا إليها الدجاج واللحم بدل السمك وسميت "مقلوبة"

استمتع اثيودار جدا بمذاق هذه الأكله حيث كان يأكل بشهية، وقد سأل طاهي الفندق عن مكوناتها وطريقة تحضيرها.

في الصباح كان السائق بانتظار اثيودار كما وعده حيث اتجها إلى أحد المكاتب السياحية في المدينة لتنسيق برنامج سياحي شامل وهذا بالفعل ما قام به المكتب إذ جهز له برنامج شبه كامل في مدة زمنية معينة لا تتجاوز الستة أيام وشبه كاملة أي بمعنى التركيز على بعض المعالم السياحية لا تعم جميعها فأنت بحاجة إلى مدة تزيد عن ذلك لزيارة معالم هذه البلاد كاملة.

في ذلك الحين كان هاب قد لحق بوالده اثيودار ودخل المدينة لكن الإنقلاب الفكري قد حدث وعاد ضعيف القوة هزيل تشغله أفكار استمتاع ورغبة في الإستجمام لا غير. هذا وأن هاب قد كان يسكن في أطراف المدينة أو بالأصح في إحدى أريافها في مزرعة كبيرة وجميلة حملت جميع أنواع الخضروات، يملكها رجل أعمال كبير من خارج هذه البلاد، أي أنه مستثمر فقط، يحمل ***** بلد آخر.
كانت المزرعة تحوي بيتا صغيرا يسكنه حارس هذه المزرعة، هذا وإن الرواية تقول بأن هاب حين وصوله إلى هذه المدينة، قد سقط مغما عليه من التعب والإرهاق قريبا من هذه المزرعة ليلتقطه الحارس ويعالجه، فما هو معروف عن سكان هذه البلاد أجمع هو حب المساعدة وإكرام الضيف أينما كان. فبعد أن داواه الحارس وقام برعايته سأله عن اسمه ومن هو فأخبره هاب أنه سائح تائه قد تقطعت به الأسباب حتى وصل إليه، مع الاحتفاظ باسمه الحقيقي ومسقط رأسه، فقد أطلعه على جواز سفره الذي قام بعمله "يوري" يحمل ***** بلاد الارض البيضاء.

طلب هاب من حارس المزرعة المكوث عنده لأيام لحين أن يسترد قواه وأنه حاضر بتقديم أي مال مقابل مكوثه، وافق الحارس على ذلك لكن دون مقابل ككرم منه، شريطة مغادرته المزرعة حال وصول صاحبها، فإن رآه هنا قد تحدث مشاكل، تصل الى طرد الحارس نفسه. مع العلم أن صاحب المزرعة لا يأتي إلى المزرعة إلا نادرا أو في نهاية كل شهر. قبل هاب بذلك والتزم السكن مع الحارس في بيته الصغير الذي بالقرب من بوابة المزرعة من الداخل.

كان اثيودار قد أنطلق في جولته السياحية في هذه البلاد حيث كان في قمة الإستمتاع فما شاهده من مناظر سياحية خلابة وآثار لأول مرة يراها في حياته جعله سعيدا جدا.

فلقد حظي بأجمل رحلة على حد اعتقاده إذ تناول أشهى المأكولات الشعبية المشهورة في هذه البلاد. منها وأشهرها "سدر المنسف" وهو طبق معروف لدى سكان هذه البلاد من شمالها حتى جنوبها وهو عبارة عن أرز من النخب الممتاز يتم تحضيره منفردا ولحم أغنام قد طبخ باللبن المجفف "الجميد" إذ تفرش أرض سدره بنوع خبز خاص حضر له مخصوص رقيق جدا من طحين القمح يسمى "الشراك" ثم يفرش الأرز فوقه من ثم يفصل اللحم عن الشراب ليوضع فوق الأرز، وما هو ملفت للإنتباه أن هذا الطبق يحمل شبه ذبيحة كاملة تشمل الرأس، حيث يوضع الرأس في أوسط هذا الطبق واللحم من حوله ثم يرش عليه قليل من البقدونس الأخضر المقطع إلى أجزاء صغيرة وأيضا اللوز والصنوبر والفستق ليقدم بعد ذلك للضيف وقد عرف سدر المنسف منذ القدم لسكان هذه البلاد فهو من المأكولات المتوارثة والمعروفة لسكان بلاد "النهر المقدس".

كانت الرحلة في غاية الجمال والروعة إذ أمضى اثيودار أجمل الأوقات على الإطلاق ليعود بعد ذلك إلى الفندق يلزمه التفكير في أشياء كثيرة من بينها معرفة حال ابنه هاب وإلى أين وصلت الأمور الآن وما ينوي فعله اثيودار في هذه المدينة.

كان اثيودار يعرف مكان ابنه هاب وأين يسكن وأيضا تلك المزرعة وما كان يعلمه أيضا أن لا أحد من سكان وشعب هذه البلاد سيساعده في تنفيذ مخططاته الإرهابية مهما كان فكل فرد من أفرادها يعشق تراب وطنه لذلك يجب الإستعانة بغير شعبها وأبنائها هذا ولا يبدي على الأقل لأي أحد منهم عن شيء قبيل هذا فإنه سيقتله على الفور. وهذا ما شعر به اثيودار حين تعامله الشبه مباشر مع شعب هذه البلا من خلال جولته السياحية. إذا الموضوع بحاجة إلى تفكير وتدبير وحرص كبير من اثيودار.

مرت عشرة أيام على هاب وهو يسكن غرفة الحارس حيث كان يساعد الحارس وعمال المزرعة في رعايتها والحفاظ عليها فرغم الضعف الذي يسكن جسده إلا أنه نشيط جدا إذا ما تعلق الأمر بالأشجار والطبيعة.

كانت المزرعة قد تحوي بيتا جميلا في أوسطها وهو منزل الراحة والإستجمام لمالك المزرعة و عائلته في أوقات معينة من السنة، والبيت ليس كبيرا جدا فهو بتكوين معماري أشبه بطابقين فوق بعضهما إذ يحتوي الطابق الأول على ثلاث غرف متفاوتة الحجم بالتوالي أي أصغر و متوسطة الحجم والكبرى، تتقابل فيه الغرفة متوسطة الحجم بالغرفة الكبرى أما الغرفة الصغيرة فهي متطرفة قليلا تلتصق بالغرفة المتوسطة يفصلهما صالة واسعة ومطبخ يلتصق بالغرفة الكبيرة من اليمين وحمام صغير بعض الشيء يلتصق بالغرفة الكبيرة من الجهة اليسرى. أما الطابق العلوي لا يحتوي على غرفة ويسمى ديوان المجلس يتم الصعود إليه من خلال درج يصعد من صالون الطابق الأرضي ومخزن كبير بمساحة مسطح البناء بأكمله تحت أرضية هذا المنزل يستخدم لجني الثمار وتخزينها فيه وأيضا الآلات الزراعية كما و كان لهذا المنزل خادمة تأتي أسبوعيا لتنظيفه.

كان هاب قد تعلق كثيرا بحارس المزرعة إذ شعر بالراحة معه وشيئا من الحنان فقد كان هاب يعامل هذا الحارس معاملة الأب، ليبادره الحارس نفس الشعور ولا يبخل عليه بشيء مهما يكون.

إن الأفكار أصبحت تتصاعد في عقل هاب فكل يوم يرى منه الحارس شيئا مبهرا فقد استطاع بالتفكير والتخطيط أن يجعل هذه المزرعة أكثر انتاجا في زمن قياسي كبير وهذا ما لحظه العمال الذي كان يساعدهم في أعمال المزرعة.

في ذلك الحين كان والده اثيودار يتجول بين فنادق هذه المدينة فكل يوم يقيم في فندق، إذ رأى أن حلمه قد يكون صعبا في هذه البلاد أو لا وجود له من الأساس. لكنه مجبر على إحداث خراب ودمار إرهابي من أجل أن يعود هاب إلى قوته ويرحل هو وابنه هاب إلى بلد آخر يكون حلمه فيه، ولكن كيف فالوقت يمضي بسرعة، كما أن الرياح قد تغير وجهتها في أي وقت وهذه مشكلة كبيرة يقع فيها اثيودار.

يبلغ حارس المزرعة بقدوم المالك بعد غياب الشمس هو أصدقاء له ويجب عليه تحضير المنزل وتنظيفه لحين حضورهم، فاجأ هذا الخبر حارس المزرعة كثيرا ليخبر هاب بأن يغادر المزرعة على الفور لكن هاب كان وكأنه لا يعرف شيئا فأين يذهب أو يرحل لذلك فكر حارس المزرعة بأن يخبئه في المخزن الذي في أسفل المنزل لحين أن ينهي الملك زيارته ويذهب، وهذا ما حدث فعلا إذ اختبئ هاب داخل المخزن كما طلب منه الحارس.

أتى المالك وضيوفه وقد تم تحضير عشاء خاصا لهم جهز مسبقا وتم إرساله قبل وصول الضيوف بلحظات، كان ضيوف المالك ستة رجال يبدو أنهم أصحاب رؤوس أموال ورجال أعمال كبار كما ويبدوا أيضا أنهم غرباء أي ليسوا من أهل هذه البلاد.

بعد انتهاء العشاء يحدث ما لم يكن في الحسبان إذ نزل المالك وضيوفه إلى المخزن الذي قد اختبأ فيه هاب، ولم يكن يعرف سبب نزولهم حينها، حيث شعر الحارس بالخوف على هاب في حال رأى مالك المزرعة هاب ستكون مشكلة كبيرة. لذلك بقي الحارس على أعصابه يرجو أن لا يرى مالك المزرعة هاب.

لقد أغلق باب المخزن عليهم وأمر مالك المزرعة أن لا أحد يدخل عيهم مطلقا مهما كان السبب، وهذا الكلام أخاف الحارس كثيرا كون أن المالك لم ينزل إلى المخزن أبدا في كل زياراته للمزرعة.

في حين أن رأى هاب المالك وضيوفه يتجهون إلى المخزن قام بالاختباء بإحدى الصناديق الكرتونية التي تحوي مبيدات حشرية إذ أخرج كل ما بها واختبأ بداخلها.

كان في الجهة اليسرى من آخر المخزن طاولة خشبية شبه دائرية الشكل وستة كراسي حيث جلس المالك وضيوفه حولها وأخذوا تبادل المواضيع، لم يمكثوا كثيرا إذ لم يتجاوز إجتماعهم في المخزن قرابة النصف ساعة ثم غادر المالك وضيوفه المزرعة.
سر الحارس كثيرا كون المالك لم يرى هاب أو يشعر به، ليخرج هاب بعد ذلك وكان مشوش الفكر، ليسأله الحارس ماذا فعل المالك وضيوفه في المخزن ليجيب هاب أنه لا يعلم وأنه لم يستطع رؤيتهم ولا حتى سماع صوتهم فقد كان يختبىء في الصندوق لذلك لم يتمكن من سماع أو رؤية أي شيء.

بقي هاب طوال الليل في تفكير كبير وحوار داخلي عظيم، وقد لاحظ الحارس عليه ذلك ليسأله في الصباح ما باله فلم تنم عيناه طوال الليل وما هو الشيء الذي شغل فكره، حيث أخبره هاب بأنه يفكر بأهله ومن هم ومن هو ولماذا هو هنا حينها تأكد الحارس بأن هاب يفقد الذاكرة وكلما طال الوقت به هنا كلما فقد ذاكرته وقدرته على التذكر لذلك قرر أن ياخذه إلى الطبيب لكن هاب رفض هذا الموضوع مطلقا.

الساعة الواحدة ليلا المالك بسيارته على باب المزرعة ينادي الحارس لكي يفتح البوابة، استيقظ الحارس مباشرة ونسي أن يوقظ هاب لكي لا يراه المالك، حيث فتح البوابة ليدخل المالك بسيارته ومعه ضيف وفي أثناء دخوله كان الضيف ينظر إلى غرفة الحارس حيث أن بابها إذا ما ترك مفتوحا ترى ما بداخلها ليتوقف المالك فيسأل الحارس من النائم، لم يعرف الحارس ما يرد حينها وقد خاف كثيرا ليقول وهو يرتجف بأنه أحد أقربائه يزوره الليلة وغدا سيغادر، ابتسم المالك وتابع مسيره إلى داخل المنزل هو وضيفه حيث أمر الحارس بتحضير فنجان من الشاي وأن يحضره له في الطابق الثاني في المنزل أي الديوان الكبير.

لم يوقظ الحارس هاب حينها وقام بتحضير الشاي وقدمه للضيف، وحين الوصول يرى الضيف متمددا على فراش المجلس، والمالك يمسك إسورا في غاية الجمال حيث كان يطالعه بشغف ويرتديه بمعصمه وبعدها ينزعها ويعطيها للضيف قائلا له (إنه جميلة جدا) لينظر إلى يده بعدها فيجد أن الإسور قد ترك أثرا على معصمه.

قدم الحارس الشاي ثم ذهب مباشرة تاركا المالك وضيفه ليستيقظ في الصباح فلا يجد هاب بجانبه و قد غادر المالك دون أن يبلغه حيث ترك بوابة المزرعة مشرعا خلفه، ولكن أين ذهب هاب؟ فهو لم يقم بهذا الشيء منذ وصوله أبدا أو أن يستيقظ قبله. بدأ الحارس في البحث عنه في جميع أرجاء المزرعة لكن لا أثر له. أين ذهب؟ كان هذا ما يشغل فكر الحارس فلم يبقى مكان في المزرعة إلا وقد قام بالبحث فيه عن هاب إلا مكانا واحدا هو المنزل ليذهب مسرعا فيجد هاب نائما في طابق المجلس على نفس المكان الذي كان يتمدد عليه ضيف الزعيم.

قام الحارس بإيقاظ هاب وسأله لما ينام هنا؟، ولكن هاب استغرب أيضا لماذا هو هنا وكيف أتى، فكأنه لا يشعر بنفسه، ليقوم الحارس بعدها بإنزاله وغسل وجهه والخروج من المنزل ليتمشيا في الحديقة، وفي أثناء ذلك أخبر الحارس هاب بأن بقائه قد طال في المزرعة كما أن صاحب المزرعة قد رآه ليله البارحة وهو نائم في الغرفة وأنه كذب عليه وقال بأنه قريبه في زيارة له وغدا سيغادر، فماذا لو رآه مرة أخرى ماذا سيقول له، كما وأن المالك أصبح كثيرا يأتي إلى المزرعة ودون سابق إنذار.

أدرك هاب حينها خوف الحارس ولكن إلى أين يذهب فهو لا يعرف أحدا غير الحارس والمزرعة وعمالها فذاكرته قد أوشكت أن تمسح نهائيا.

لم يتكلم هاب حينها بأي شيء والتزم الصمت بخوف وسؤال إذا ترك هذا المكان أين يذهب، لقد لاحظ الحارس هذا الخوف في عيني هاب ليقوم بإخباره أن لا يقلق سيجد حلا مناسبا وإلى حين هذا يجب أن لا ينام هاب في غرفة الحارس لينقله إلى النوم في المخزن ويكون على أهبة الاستعداد في الاختفاء إذا ما حضر المالك أو أيا من أفراد عائلته لحين الحصول على حل لهذه المشكلة الكبيرة.

جهز هاب لنفسه مكانا في المخزن للنوم فيه إذ كان بعيدا عن الطاولة الشبة دائرية الشكل التي توجد هناك و كان شديد الحذر متيقظا دائما لحضور المالك على غفلة. فهو لا يريد مغادرة المزرعة ولا مغادرة الحارس الذي أحبه و وجد فيه الحنان والرعاية له دون أي مقابل.

إن هاب بتكوينه الداخلي هو طفل لم تسمح له تجربة والده بأن يبقى مع أمه ورعايتها، لذلك نجده يحن لكل من يحن عليه ويشعره بالأمان فهاب كبر جسديا عنفوانيا وتخريبيا فكريا عمليا، إذ يعمل عمل الحاسوب فيتلقي الأوامر ولكن عن بعد ليقوم بتنفيذها بمختلف الوسائل والطرق حتى لو أودت بحياته وذلك بترسيخ المفاهيم التخريبية في عقله وإيصالها لقيمة لا يمكن فقدانها لا بالموت.

مر وقت ولم يزر المالك المزرعة مجددا وكان هذا الأمر قد خفف من خوف الحارس وقلق هاب إذ شعرا بأن المالك سيغيب كثيرا بعد آخر زيارة ولن يرجى مجيئه هذه الأيام لذلك كان هاب ينام في المنزل في طابق الديوان في كثير من الأوقات حيث كشف هذا الأمر خادمة المنزل التي تأتي كل أسبوع لتنظيف المنزل حيث رأت هاب وهو نائم في طابق الديوان لتخبر الحارس في وقتها ليرى أن هاب نائم هناك وعلى نفس الفراش الذي كان يتمدد عليه الضيف الذي كان بصحبة المالك في آخر مرة، ليقوم الحارس بإيقاظة والطلب منه أن لا ينم مرة أخرى في المنزل كما أخبر الخادمة بأن لا تخبر أحدا بما قد رأته وسمعته.

الخادمة اسمها "سارة" وهي فتاة في الثلاثين من عمرها جميلة بعض الشيء من عائلة فقيرة جدا لم تسمح لها الحياة وظروفها بإكمال دراستها، فعملت كخادمة منذ صغرها من أجل مساعدة عائلتها على متطلبات المعيشة، إذ أن هذا السبب لم يتح لها الزواج أو الإرتباط مطلقا حيث تعتقد بأن قطار الزواج قد فاتها وأنها لن تتزوج، فمن المفاهيم الخاطئة لدى بعض النساء لهذه البلاد أن إذا ما بلغت المرأة الثلاثين من عمرها يفوتها قطار الزواج فلا تتزوج إلا إن كانت زوجة ثانية أو الزواج من رجل عجوز، وهذا المفهوم يعود إلى عدة أسباب أولها غلاء المهور في المجتمع وتكاليف الزواج، وثانيها وهي الأهم أن الكثير من رجال هذا المجتمع يفضلون الزواج من النساء المتعلمات والعاملات (موظفة) وذلك لمساعدتهم في متطلبات الحياة والمعيشة الزوجية، وهذا السبب مرتبط ارتباطا وثيقا بسبب غلاء المهور، كما و أن معظم الرجال من هذا المجتمع يفضلون الزواج المبكر، وهذه هي بعض أسباب ظهور مثل هذا المفهوم الخاطئ بين نساء هذا المجتمع. بالرغم أن نسبة الذكور متقاربة لنسبة الإناث حيث 48% ذكور و52% إناث حسب إحصائية 2011م وهذا التقارب النسبي بين الذكور والإناث قليلا ما تظفر به الكثير من الدول في هذا العالم.

شغل فكر سارة الاهتمام بمعرفة أمر هاب حيث سألت الحارس عنه وأخبرها بأنه ابنه الغائب الذي كان في الخارج وعاد قبل أيام.. صدقت "سارة" لأن هاب كان يحمل ملامحا من الحارس كما وأن هاب يبدو عليه أيضا ضعف الحال كما الحارس.

وفي نفس الوقت شغل قلب هاب التفكير بـ "سارة" إذ كان يراقبها طوال اليوم وكانت تلاحظ "سارة" ذلك لتبادله بعضا من نفس الشعور لكونه ابن الحارس وحاله من حالها فقد يكون هناك نصيب في الزواج منه، فقد كانت تأتي كل يوم لتنظيف البيت من أجل رؤية هاب الواقع في عشقها لدرجة أنه عاد ينام في طابق الديوان ونسي ما أمره به الحارس في عدم نومه في المنزل.

وفي ذات يوم يأتي مالك المزرعة صباحا وعلى غفلة من الجميع ليجد هاب نائما في طابق الديوان حيث إن "سارة" كانت قد وصلت المزرعة مع وصول المالك ليسألها من يكون هذا الشاب فتخبره أنه ابن الحارس ليطلب منها أن تنادي الحارس على الفور.

في ذلك الحين يستيقظ هاب ليجد المالك فوق رأسه كان يبتسم ويخبره أن لا يقلق أو يخاف، حضر الحارس بالفور ليقول له المالك كيف لك ابن مثل هذا الشاب وأنا لا أعلم فالتزم الحارس الصمت ليبتسم المالك ويقول لماذا كذبت علي وقلت أنه من أقاربك في المرة الماضية؟ فلم يجب أيضا الحارس بأي شيء، حينها قرر المالك أن يمكث هاب مع والده في المزرعة وأن باستطاعته النوم أيضا في المنزل.

دهش الحارس كثيرا مما يقوله المالك فكيف بهذه السرعة ودون أن يطلب منه الحارس قرر أن يمكث هاب معه أمر محير للغاية، بالرغم أن هاب و"سارة" سرا كثيرا بهذا القرار.

لم يمكث المالك كثيرا في المزرعة ورحل ولكن قبل مغادرته أمر الخادمة "سارة" بالمكوث والنوم في المنزل مع هاب طوال الأسبوع لأنه قد يأتي في أي لحظة ومعه ضيوف وهو بحاجة لوجودها من أجل خدمته ليزداد حينها فرح هاب بمكوث "سارة" معه.

كان هاب يبقى طوال الليل مستيقظا يبادل "سارة" الحب إذ مرت ثلاث أيام بلياليها لم يناما؛ إلى حين أن أتت مكاملة هاتفية من المالك للحارس يطلب أن تقوم "سارة" بتنظيف المخزن هي وهاب فقد يحضر في المساء وبصحبته رجال أعمال سيعقد لهم إجتماع في المخزن.

استغرب الحارس مما يقوله المالك وقام بإخبار "سارة" وهاب كي يقوما بتنظيف المخزن كما أمر المالك.

وبالفعل قام هاب و"سارة" بالتنفيذ على الفور إذ قاما بترتيب صناديق المبيدات وأيضا الآلات الزراعية الخفيفة التي كانت تستخدم في التقليم وغيرها، هذا وقد كان المخزن مملوء بمحصول السنه ولم تأتي سيارات النقل لأخذه حيث كان مكشوفا في صناديقه ليقوم هاب و"سارة" بتغطيته حتى لا تصيبه غبار التنظيف، فلم يكفي الغطاء البلاستيكي الموجود بتغطية الصناديق كلها مما دفع "سارة" بأن تحضر أوراق من الجرائد لتغطي الجزء الباقي منه، وفي أثناء ذلك وبعد الانتهاء فرشت "سارة" بعض أوراق الجرائد على الأرض وخلعت حذائها لتتمدد عليها قليلا وتشعر بالراحة بعد العمل الشاق هي وهاب، حينها قام هاب بفعل ما فعلته وخلع حذائه والقى بنفسه بجانبها، ليقم بمداعبتها وتلمس جسدها ليقع ما لم يكن في الحسبان حيث مارس ال*** حينها مع "سارة" ليفض غشاء بكارتها فيسقط دم البكارة على أوراق الجرائد فيلطخها.

بعد الإنتهاء تستيقظ "سارة" على نفسها وماذا فعلت حيث أصبحت تبكي وتلطم وجهها بقوة، حاول هاب أن يهديء من روعها ليزيد بكاءها وأن يبتعد عنها وتقوم بسرعة لتأخذ ملابسها وتغادر المزرعة وهي حزينة ومصدومة بكل ما حصل. فلم يعرف هاب بماذا يتصرف ولماذا هو فعل هذا وكيف حصل وما الحل الآن فقد ظن أنه فقد "سارة" وإلى الأبد، فهو لم يلحق بها وجعلها تذهب وهي غاضبة وحزينة حيث شعر بالذنب الكبير وأن "سارة" لن تعود مجددا إلى المزرعة.

وصل المالك وضيوفه وهم ذات الضيوف الذي اجتمع بهم من قبل في المخزن ففي دخولهم قام هاب بالاختباء بأحد الصناديق كما فعل في المرة الأولى اعتقادا منه بأن "سارة" قد تكون أخبرت المالك فيقع في مشكلة كبيرة لذلك قرر الاختباء لحين الانتهاء من الاجتماع.

بدأ الاجتماع المغلق وبعد مرور عشر دقائق، قام المالك بالوقوف متجا إلى الصندوق ليخرج هاب منه ويأمره بأن يجمع أوراق الجرائد المتناثرة على أرض المخزن وبعدها ينتظره في طابق الديوان. ليفعل هاب ما أمره به المالك ويصعد لانتظاره في طابق الديوان، وقد كان هاب خائفا جدا حينها.

انتهى الاجتماع وغادر الضيوف ليصعد المالك إلى طابق الديوان فيرى حين وصوله وجد هاب ممددا على نفس الفراش الذي جلس عليه ضيفه السابق اثيودار والد هاب.

اعتدل هاب ليأمره المالك بالتحدث بكل ما حصل، وقد أخبر هاب بجميع القصة، فوجئ المالك مما قاله هاب لينادي الحارس الذي يعتبر والد هاب على حد قوله واخباره بما قام به هاب مع "سارة"، في تلك اللحظة أخبر الحارس المالك بأن هاب ليس ابنه وأن ما أجبره على قول ذلك حتى لا يطرده المالك فهاب يعاني من فقدان الذاكرة كما اعتقد الحارس.

صمت المالك قليلا ليخبر بعد ذلك أنه يجب على هاب الزواج من "سارة" إصلاحا لما ارتكبه من خطأ فإن علمت عائلة "سارة" بهذا ستقوم بقتل "سارة" وقتل هاب لذا من الواجب تدارك الأمور قبل حصول كارثة لا يرجى عقباها.

ما عرف عن هذه البلاد أن مجتمعاتها يربطها النظام العشائري المتشدد بعض الشيء، فأكثرها ترفض تزويج بناتها للغرباء عن البلاد خوفا على نقاء وصفاء الدم، وإذا ما عرف أن هاب ليس من أبناء هذه البلاد فإنهم لن يزوجوه أبدا، لذلك لا بد أن يبقى هاب ابن الحارس وأن يحمل اسمه.

طلب المالك من الحارس أن يجهزا هو وهاب كي يذهبوا برفقته إلى عائلة "سارة" كي يطلب يدها للزواج من هاب، وأن يبقى هاب ابنه ولا يخرج سره إلى أي أحد مهما كان. وافق الحارس وجهز نفسه وانطلق برفقة المالك ومعهم هاب أيضا إلى عائلة "سارة".

وصل كل من المالك والحارس وهاب إلى منزل العروس لمقابلة والد "سارة، حيث استقبلهم بترحيب. حين رأت "سارة" قدوم المالك بصحبة الحارس وهاب خافت كثيرا وادعت بأنها مريضة إذ التزمت الفراش والخوف يسكن كل مكان في جسدها، بعد جلوس المالك بدقائق قام بالسؤال عن "سارة" وأين هي، فأجاب والدها بأنها هنا، فما الأمر! فقد اعتقد والد "سارة" بأنها ارتكبت شيء ما، فلم يأتي المالك أبدا للسؤال عن "سارة" بنفسه، حينها تكلم المالك بأنه يود خطبتها إلى ابن الحارس الذي يدعى "سامر" المعنى (هو المتحدث ليلا الى القوم) وأنه جاهز بكل تكاليف الزواج ومعيشتهم أيضا. استغرب الحارس وهاب من هذا الاسم ولكن التزما الصمت.

رحب والد "سارة" وسر كثيرا فهو يعرف الحارس أنه رجل طيب وكريم وأنه هو من قام بتشغيل "سارة" في المزرعة حيث كان يخاف عليها ويعاملها كابنة له، وأنه لن يجد لـ"سارة" أفضل من ابنه الذي لا يعرفه ولم يعلم عنه شيئا، فقد كان يعتقد أن ليس للحارس أبناء، لكن المالك أخبره أنه كان مسافرا منذ زمن من أجل الدراسة وأن المالك هو من كان يصرف عليه طوال فترة دراسته في الخارج. وافق والد "سارة" لكن من العادات السائدة في هذه البلاد أن الأب لا بد أن يأخذ رأي الفتاة فإن وافقت تم الزواج.

ذهب والد "سارة" كي يأخذ رأيها فحين دخوله عليها بالغرفة خافت "سارة" كثيرا ليسأل والدها ما بها فتجيب بأنها متعبة ومريضة، حينها اقترح عليها بأن يأخذها إلى الطبيب لكنها رفضت وقالت إنه تعب بسيط وستعود في الصباح إلى حالها ونشاطها وأن لا يقلق عليها، نظرت "سارة" إلى عينا والدها وقد كانت تملأها السرور ليهدأ خوفها قليلا وتسأل والدها ما كان يريده منها؟، أخبرها والدها أن المالك قد طلب يدها للزواج من ابن الحارس وأنه سيقوم بكل تكاليف الزواج وأيضا معيشتهم الزوجية في ما بعد، فما رأيها، كما وأنها بلغت من العمر كثيرا على حد قوله ولا بد من أن تستقر وتتزوج، وأن ابن الحارس يبدو عليه شاب متعلم ورزين ولن يكون هناك أفضل منه في نظره، كما أنه يعرف والده حسن السيرة والعرق. سرت "سارة" كثيرا وقامت من فراشها ونسيت موضوع مرضها لتوافق على الفور فرحة بهذا الخبر.

عاد والد "سارة" إلى الضيوف ليبلغهم موافقتها على الزواج وأن بإمكانهم أن يأتوا بجاهتهم خلال الأسبوع القادم لحين إخبار بقية أفراد العائلة والتجهيز للزواج حسب العادات والتقاليد لأهل بلاد النهر المقدس.

ما هو متعارف عليه ضمن عادات وتقاليد بلاد النهر المقدس أن عائلة الزوج تقوم بزيارة لعائلة الزوجة وهذه الزيارة هي للتعارف كما يجلس الشاب مع الفتاة لبضع من الوقت لأخذ فكرة بسيطة عن طباع الفتاة وهي أيضا، ثم تغادر عائلة الشاب المتقدم للزواج بانتظار الرد فيما إن وافقت الفتاة على الارتباط أم لا في خلال مدة زمنية لا تتجاوز الشهر مثلا، وفي هذه المدة تسأل عائلة الفتاة عن الشاب المتقدم للزواج وعائلته، ففي حين تمت الموافقة يأتي الزوج ومعه بعض من رجال ووجهاء عشيرتة وتسمى (الجاهة) لفن المال أي المهر المقدم للزوجه وتحديد موعد الخطوبة، أما موعد الزواج فتحدده عائلة الزوج والزوجة معا.

ولا ننسى ومن القوانين التي قرتها الدوله و التي تسبق الزواج في بلاد النهر المقدس اجراء فحص طبي في أحد المراكز الطبية لمعرفة مدى التطابق الجيني بين الزوجين وخلوهما من أمراض جينية وراثية قد ينتج عنها نتائج سلبية على الأطفال في حالة ارتباطهما. حيث يجبر هذا القانون كاتب عقد الزواج "الشيخ" أن يتأكد من وجود نتيجة هذا الفحص الطبي ومنحه حق رفض كتابة العقد إذا كانت النتيجة سلبية أو إذ لم يحملا وثيقة فحص طبي حسب متطلبات ما قبل الزواج.

إذا ما توافق الزوجين في الفحص الطبي يتم عقد القران أي "كتب الكتاب" بين الطرفين بحضور كاتب العقد "المأذون" وأربعة من الشهود وأهل العروسين، ويتم هذا العقد يوم الخطوبة أو قبلها بأيام حيث يكتب به جميع ما اشترط واتفق عليه بين الزوجين.

عاد الحارس وهاب إلى المزرعة وقد عاد المالك معهم ليأخذ الدفتر العائلي للحارس ويغادر، كان هاب مسرورا كثيرا بما فعله المالك وأيضا الحارس رغم أنه كان خائفا كثيرا ومستغربا أكثر مما يفعله المالك؛ فالحارس يعرف المالك كثيرا فهو لا يقدم على عمل إلا إذا علم أن ورائه منفعة كثيرة فهو لا يساعد أحدا مطلقا دون مقابل وأن ما قام به أمر يستدعي الخوف والحذر.

بعد مضي أسبوعين وفي الصباح جاء المالك إلى المزرعة وطلب من الحارس أن يستدعي هاب واللحاق به إلى طابق الديوان، كان هاب حينها نائما في المخزن وقد اعتاد النوم فيه إذ كان يشعر بالراحة والسكون في المخزن .لاستيقظ هاب على الفور وغسل وجهه ولحق بالحارس لرؤية المالك، وحين وصوله أخبر المالك أن عائلة "سارة" قد وافقت على الزواج إذ يجب على هاب ووالده الحارس أن يجهزا أنفسهم للذهاب مساءا للاتفاق على الزواج والمهر وأن المالك سيكون بصحبتهم، كما أخرج المالك من حقيبته جواز سفر وبطاقة شخصية وشهادة ميلاد أعطاها لهاب تحملان صورة هاب ولكن باسم آخر هو "سامر" منسوبا للحارس وعائلته ليصبح هاب إبنا للحارس بطريقة رسمية ومواطنا من أبناء بلاد النهر المقدس وبهذا لا يمكن الشك بأن هاب ليس ابن الحارس كما أن المالك أعطى هاب مبلغا من المال من أجل أن يذهب لشراء ملابس جديدة له ليكون في أجمل مظهر أمام عائلة الزوجة.

زاد سرور وفرح هاب حينها وأنه سيبقى ممنونا للمالك طوال عمره لما قدمه له من مساعدة، رغم أن الحارس لم يكن مرتاحا لما يفعله المالك ولما كل هذا الاهتمام بهاب؟ إذ أصبح لغزا كبيرا لا يمكن حله.

أتى المساء وقد جهز هاب نفسه على أكمل وجه وأيضا الحارس ليأتي المالك ويركبا معاه بالسيارة في اتجاههم إلى عائلة سارة، كان في استقبالهم والد العروس وعماها وخالها واثنان من وجهاء العشيرة إلى جانب إخوتها، ليقوم أحد أشقاء الزوجة بتقديم فنجان من القهوة العربية السادة إلى كبير جاهة الزوج وهو المالك، ليقوم بوضعه على الأرض دون شربه، وهذه من عادات وتقاليد الزواج، إذ لا يشرب فنجان القهوة إلا بعد موافقة والد الزوجة على طلبه في الزواج، فإن قال (اشرب قهوتك) فهذا دليل على القبول والرضى بالزواج ليقرر بعد ذلك المهر والاتفاق على تكاليف الزواج ومكان السكن، حيث إن المالك قام بإعطاء هاب منزل المزرعة مكانا مؤقتا للسكن لحين أن تكتمل عمارته التي يقوم ببنائها واعطائه شقة فيها وهذا كله بمثابة هدية للزوجان من المالك، وأن هاب سيصبح ذراعه الأيمن في العمال معتمدا على علمه ودراسته كما يدعي. كان الحارس في كل لحظة يزداد استغرابه أكثر فما يفعله المالك شيء كثير لا بد أن يكون وراءه مقابل كبير.

حدد موعد الخطوبة بعد أسبوعين، كما حدد المالك موعد الزواج أيضا في موعد قريب جدا وذلك لأنه بحاجة هاب في العمل معه.

تمت الخطوبة التي لم تكن طويلة الأمد إذ قاما بتحضير أنفسهم إلى الزواج وتجهيز منزل الزوجية المؤقت في المزرعة وشراء الملابس وغيرها من الحاجيات حيث كانت جميع هذه التكاليف على حساب المالك.

كان حفل الزفاف في قاعة فاخرة جدا حيث لبست العروس فستان زفاف أبيض بدت فيه أكثر جمالا، هذا ومن عادات الزواج في بلاد النهر المقدس أن الزوج يقيم وليمة غداء كبيرة قبل ليلة الزفاف يدعو فيها أقاربه وأقارب الزوجة وجيرانه وأصدقائه، أضف إلى ذلك أن عائلة الزوج تقيم له حفلات ليلية قبل أسبوع من ليلة الزفاف أو ما تسمى ليلة (الدخلة) حيث الموسيقى والدبكات الشعبية المتعارف عليها وأجواء الفرح والسرور والبهجة، ولا ننسى أن عائلة الزوجة قبل لليلة (الدخلة) بليلة تقوم بإقامة حفلة صغيرة وهي لصديقات الزوجة وأقاربها من النساء فقط .

تم زواج هاب من "سارة" حيث كان العروسين في منتهى السعادة، ليأخذ هاب زوجته إلى المنزل والفرح يملأ قلبيهما. كانت ليلة الدخلة ليلة مميزة جدا فقد تم تجهيز الغرفة متوسطة الحجم في المنزل لتكون غرفة نومهما، لترتدي "سارة" ثوب نوم جميل يسر ناظره، لتقوم بعد ذلك بتشغيل التسجيل بموسيقى راقصة لترقص لزوجها، كان هاب مذهولا مما تقوم به سارة فأول مرة يرى هذا إذ كان في غاية الروعة مما دفع هاب لحملها بين ذراعيه وإلقائها على السرير لممارسة ال*** معها، فقد بدا هاب في غاية القوه لتشعر "سارة" بالمتعة الفائقة مع هاب.

وفي الصباح استيقظ هاب تملؤه القوة والنشاط على سابق العهد به، فقوته أصبحت تعود له شيئا فشيئا حيث لاحظت "سارة" هذا الشيء. مضى قرابة الثلاث أشهر وهاب و"سارة" في غاية السعادة والسرور ليتبن أن "سارة" حامل. سر هاب بهذا الخبر وأخبر الحارس بذلك ليبارك لهما.

كان الحارس قلقا كثيرا على هاب والشيء الذي يقلقه هو ما فعله المالك، فإلى الآن لم يأت المالك إلى المزرعة ولم يبارك للعروسين ولم يعلم حتى بخبر حمل "سارة"، وهذا يزيد خوف الحارس فماذا يدبر المالك لهاب و"سارة"؟

مكالمة هاتفية للحارس إن المالك سيأتي المساء هو وضيوفه وعلى هاب و"سارة" تحضير البيت وتنظيف المخزن، وأيضا تجهيز غرفة في البيت للمالك فهو سينام في المزرعة هذه الليلة.

أصبحت الألغاز تكثر أمام الحارس، فالمالك أصبح غريب الأمر. فلم يعتد الحارس أبدا على هذه الأوامر من المالك ولا حتى النوم في المزرعة أبدا دون عائلته.

أبلغ الحارس هاب و"سارة" تجهيز ما أمر به المالك، ليقوما على الفور بعمل كل التجهيزات، والبقاء بانتظار المالك وضيوفه.

لقد وصل المالك أولا وقبل ضيوفة حيث قام بالتحدث إلى هاب منفردا لمدة تقارب النصف ساعة قبل وصول الضيوف، لم يعرف ماذا كان يريد المالك حينها من هاب ولكن كما يبدو أنه كان يريده في موضوع هام.

وصل الضيوف أخيرا وتم الاجتماع سريعا في المخزن إذ استغرق مدة الثلاث ساعات، وكان من ضمن الحضور هاب إذ مضت الساعتان الأولى وهاب لم يتفوه بكلمة، كان الاجتماع بالغا من الأهمية لدرجة أن هاب خرج منه وعيناه تشب نارا، حيث سألت "سارة" هاب عن موضوع هذا الاجتماع الهام لكنه لم يجب عن أي شيء وكان يقول إنه عمل للمالك. لم تعر "سارة" أي اهتمام وظنت أنه كما ادعى هاب، لكن الحارس كان خائفا جدا من هذا الاجتماع بالرغم أنه لم يسأل هاب عن أي شيء والتزم الصمت.

نام المالك يومها في طابق الديوان في المنزل وكان هاب معه أيضا، وقبل طلوع الفجر يستيقظ هاب على حلم مفزع، إنه حلم بنفس الرجل الذي كان يحلم به دائما وكأن الذاكرة قد عادت له والقوه أيضا ليشعر أنه بحاجة كبيرة للعثور على ذلك الرجل وقتله، لم يخبر هاب المالك عن حلمه و حتى "سارة" أيضا وبقي محتفظا بذلك لنفسه.

غادر المالك المزرعة في الصباح، مخبرا الجميع أنه سيعود قريبا وعلى هاب التفكير جيدا بما تم في الاجتماع السري والاستعجال في الرد.

بقي هاب في تفكير كبير حيث كان يجلس لوحده لساعات طويلة وفي الليل كان يغادر ولا يعود حتى الصباح، مما شغل ذلك عقل "سارة" حيث كانت تسأله لكنه لا يجيب عن أي شيء وكان يقول لها أن تعتني بحملها فقط. هذا وأن هاب لم يكن يجلس مع الحارس كما كان معتادا مما شغل بال الحارس أكثر فهاب تغير كثيرا بعد زواجه وقد لاحظا عليه ذلك.

أنجبت "سارة" طفلا في غاية الجمال إذ كان يشبه هاب كثيرا وكانا في غاية السعادة به فقد ملأ حياة "سارة" وانشغلت به، كما أن هاب بدت عليه مظاهر القوة وفكره مشغول دائما، حيث كان يغادر المنزل في الليل ولا يعود حتى الصباح، وكان ينام طول النهار.

حضر إلى المزرعة أربع عمال جدد وهم مغتربون عن البلاد من بينهم امرأة، وذلك للعمل في المزرعة، رغم أن المزرعة ليست بحاجة إلى هذا العدد من العمال لكن تلك رغبة المالك، وقد طلب المالك من هاب أن يتولى مسؤوليتهم وتدريبهم على العمل في المزرعة. وعلى هاب أن يؤمن لهم المنام في منزل المزرعة أيضا مما دفع هاب بأن يطلب من "سارة" أن تذهب إلى بيت أهلها والاعتناء بالطفل والراحة أيضا كونها أنجبت وهي بحاجة لأن تكون بين أهلها لبضعة أيام .

في المساء اجتمع هاب بهؤلاء العمال في مخزن المزرعة وكان الاجتماع أيضا لمدة ثلاث ساعات فكان هاب المتكلم الوحيد في الساعتين الأولتين.

كل ما يحدث أمرا يثير الاستغراب في نفس الحارس مما دفعه للسؤال، لكن هاب لم يجب بأي شيء وأبقى الأمر مخفيا عن الحارس.

في اليوم التالي أتى المالك وضيوفه الخمس الذي كان يجتمع بهم دائما وقد كان العمال الأربعة الجدد في إجازة لمدة ثلاثة أيام بتعلميات من هاب. بدأ الإجتماع في المخزن وكان هاب قد اجتمع معهم، وفي أثناء الاجتماع السري قرر الحارس أن يعرف عن موضوع هذا الاجتماع ليذهب وينظر من المنور للمخزن، هذا وأن المخزن احتوى على ثلاثة مناور في الجهة اليسرى منه والبعيدة عن الطاولة السداسية.

حاول الحارس استراق السمع لكنه لم يستطع سماع شيء ولكن شاهد المالك يفتح حقيبة مليئة بالمال ثم يعطيها لهاب، كما شاهد المالك يرسم على لوح خشبي صورة لثلاث مباني تشبه في رسمها مباني لفنادق كبيرة يشرح عليها لهاب. اعتقد الحارس حينها بأن المالك قد يكلف هاب ببناء هذه المباني ليهدأ روعه قليلا.

انتهى الاجتماع وذهب المالك وضيوفه، وبقي هاب لوحده في المخزن لمدة ساعة تقريبا ليغادر بعد ذلك المزرعة كما كان معتادا في الليل دون أن يتكلم مع الحارس. وبعد ذهابه توجه الحارس إلى المخزن وقد وجد حقيبة المال مخبأة تحت طاولة الاجتماع واللوح الخشبي قد مسح شيء عنه.

عاد العمال الجدد بعد إجازتهم إلى المزرعة وقد اجتمع بهم هاب على الفور في مخزن المزرعة، حينها فعل الحارس ما فعله المرة الأولى حيث تجسس عليهم من نافذة المنور للمخزن، لم يسمع شيء لبعدهم عن المنور لكنه شاهد هاب يخرج الحقيبة التي أعطاه إياها المالك فيعطي كل واحدا منهم مبلغا كبيرا من المال، إذ وزع المال عليهم جميعا بالتساوي وقام برسم ما رسمه المالك على اللوح الخشبي حيث كان يشرح بطريقة بارعة وكان الجميع ينصت له.

انتهى الاجتماع وغادر العمال الجدد المزرعة وصعد هاب إلى طابق الديوان وهو يجري اتصالا هاتفيا على الهاتف المحمول، فلحق به الحارس على الفور، وبينما كان الحارس يصعد إلى طابق الديوان بخفة لكي يسمع مكالمة هاب وقبل الوصول وعلى الدرجة الرابعة من الأعلى تنزلق قدمه ليسقط من على الدرج حتى النهاية ليلقى هاب في انتظاره بالأسفل.

نظر الحارس لهاب من الأسفل إلى الأعلى ليجد أن شكل هاب تغير كليا فقد كان يشبه شكل مخلوق غريب ومخيف جدا. وقد مد هاب يده إلى الحارس كي يساعده في النهوض لكن الحارس من شدة الخوف رفض ذلك ليقوم لوحده فيرى إن شكل هاب عاد كما هو فظن أنه هيئ له ما رآه، ثم جلس الحارس مع هاب في الغرفة الصغيرة من المنزل وقد سأله ماذا يحدث وما هذه الإجتماعات السرية، حينها أخبر هاب بأنه عمل قد كلف به من قبل المالك وهو بناء ثلاث فنادق في المدينة وأن العمال الذين يجتمع بهم هم ليسوا عمالا أتو للعمل في المزرعة إنما هم مهندسون سيتولوا تصميم الأبنيه وهي فنادق ثلاث سيتم بنائها في أماكن مختلفة من هذه المدينة. لم يقتنع الحارس بما يقوله هاب ولكن ارتاح قليلا بما أخبره به.

بعد مضي ثلاثة أيام حضر المالك وكان بحوزته خمس حقائب متوسطة الحجم، حيث اتجه بها إلى المخزن وبرفقته هاب، بقي ما يقارب النصف ساعة ثم غادر المزرعة ليحضر بعده المهندسون الأربعة على حد قول هاب للحارس، وقد اجتمع بهم هاب في المخزن لمدة ثلاث ساعات أيضا. لم يكن الحارس موجودا حينها وقد حضر بعد انتهاء الاجتماع ليرى المهندسون الأربعة يغادرون المزرعة وفي حوزة كل واحد منهم حقيبة صغيرة. لا يعلم الحارس بعد ماذا كان بداخلها.

في المساء حضر المالك وضيوفه وقد اتجهوا إلى المخزن مباشرة ومعهم هاب، هذا وأن الحارس اتجه أيضا لمراقبتهم، حينها رأى المالك يخرج من الحقيبة المتبقية الخامسة حزام ناسف ولفه على جسد هاب إذ كان يشرح لهاب كيفية استعماله، لينزعه بعد ذلك ويعيده إلى الحقيبة، ظن الحارس حينها أن هاب في خطر وأن المالك يخطط لأمر ما وأن هاب سيكون ضحية أمر خطير لذلك وجب عليه أن يتصرف.

انتهى الإجتماع وقد ذهب المالك وضيوفه وأيضا هاب، ليعود الحارس إلى المخزن ويفتح الحقيبة ويتأكد بأنه حزام ناسف، لم يعرف ماذا يتصرف الحارس حينها فقام بإرجاع الحزام مكانه بعد أن التقط له صورة بكاميرا هاتفه المحمول وذهب. وفي اليوم الثاني لم يأت هاب وقد حضرت "سارة" لتسأل عنه، كان الحارس يظن بأن هاب كان ينام في بيت أسرتها ليلة البارحة لكن "سارة" قالت أنها لم تره منذ مدة وهي قلقة عليه كثيرا لذلك حضرت للسؤال عنه.

أخبر الحارس "سارة" بأن هاب في خطر وأن المالك يدبر أمرا خطيرا قد يقع لهاب. خافت "سارة" كثيرا مما يقوله الحارس وبقيت في انتظار هاب حتى المساء ليأتي هاب ومعه المهندسين الأربعة. تفاجأ هاب بحضور "سارة" وأمرها بمغادرة المزرعة على الفور وقد سألها عن طفله فأخبرته أنه بخير وهو في بيت أهلها وأنها حضرة للإطمئنان عنه. أخبرها أنه بخير وأمرها بمغادرة المنزل والعودة إلى طفلها لكنها رفضت مما دفع هاب للطمها ووقعت على الأرض، وفي أثناء وقوعها تنظر إلى هاب فتجد أن منظره قد تغير وأنه يشبه وحش مرعب مما جعلها تقوم وتغادر على الفور ومرتعبة جدا.

كان اجتماع هاب والمهندسون في طابق الديوان حيث مكثا الليل بطوله مع هاب. في أثناء ذلك كان الحارس قد اتجه إلى المخزن إذ كان يحمل شريطا تقليديا يلفه بقطعة من القماش يشبه الشريط الناسف الذي كان في الحقيبة، ليقوم بتبديله وتخبئة الشريط الحقيقي الناسف الذي كان في الحقيبة تحت كومة من القش الذي كان بأسفل شباك المنور في المخزن و يرحل.

في المساء اجتمع هاب والمهندسون الأربعة ومن بينهم المرأة وكانت معهم تلك الحقائب التي أتى بها المالك وقام بتوزيعها هاب عليهم وقد كان الحارس يراقبهم إذ رآى أن الجميع يقومومون بإخراج شريط ناسف ولفه على جسده بما فيهم هاب الذي لبس الشريط الناسف التقليدي الذي وضعه له الحارس وتوجهوا خارجا وكان بانتظارهم سيارات خاصة فركب والمرأة في حدى السيارات ومعها رجل يعتقد الحارس بأنها زوجته والرجلان الباقيان في سيارة وانطلقا.

قام الحارس باللحاق بهم وعند إشارة المرور كل منهم أخذ طريقا مختلفا، لحق الحارس حينها بسيارة هاب حتى توقفت أمام فندق كبير من فنادق المدينة يدعى (الراديسون ساس)، كان يقام به حفل زفاف كبير، ليدخل هاب والمرأة وزوجها إلى الفندق مع ضيوف الحفل، حينها تأكد الحارس بأن أمرا خطيرا سيحدث هذه الليله ليتصل بـ "سارة" ويبلغها بكل ما رآه وأنه في الفندق الآن وأن عليها أن تفعل شيئا لمنع كارثة قد تحدث، كما أخبرها أنه ليس والد هاب ولا يقربه مطلقا.

خافت "سارة" كثيرا وتركت المنزل على الفور متجهة إلى الفندق بسرعة. كان الحارس حينها قد دخل الفندق يبحث عن هاب بين الجمع الغفير، حتى عثر به إذ كان يحاول الضغط على الكبسة الخاصة بالجهاز الناسف كي ينفجر لكنه لم ينفجر حاول مرارا وتكرارا. حينها خرج من الفندق ليرى ما حل به، وفي أثناء خروجه يقابل "سارة" لتركض نحوه على الفور وتطلب منه نزع الشريط الناسف الذي يرتديه وأنه سيتفجر به ويقتله لم يفهم هاب ماذا تقوله "سارة" فقد كان وقد سيطر عليه فكريا وكان يحاول الضغط مرارا ولكن لا جدوى، ليحدث بعد ذلك وفي تمام الساعة 9:30 مساءا انفجار كبير في الفندق أودى بحياة الكثير من الأبرياء بما فيهم الحارس الذي كان يبحث عن هاب داخل الفندق. ليلحق بعد ذلك بدقائق إنفجارين آخرين أحدهما في فندق يدعى (حياة عمان) والآخر في فندق يدعى (الدايز ان)

بعد الإنفجار الكبير تتعظم قوة هاب بطريقة غير طبيعيه ويختفي فجأة من أمام "سارة"، في ذلك الوقت يسمع انفجاران لاحقا في فندقين آخرين، لتعم الفوضى والخراب في كل أنحاء المدينة "ربة عمون"، فقد اسفرت هذه الإنفجارات الثلاث عن قتل ما يقارب 57 شخصا وما ينوف عن 115 جريحا.

هذا وقد تم إلقاء القبض على المرأة فهي لم تستطع تفجير الحزام الناسف الذي كان يلف جسدها. كانت هذه الانفجارات عنيفة جدا إذ شغل بلاد النهر المقدس بأكملها فهو عمل إرهابي كبير وخطير أقلق شعبها بأكمله حيث اتجه قائد البلاد ومليكها على الفور إلى هذه الفنادق ورآى الخراب الكبير الذي أدت به هذه الإنفجارات.

في ذلك الحين يشتم هاب رائحة والده اثيودار وتعود له روح القوه والإنتقام من والده ليذهب إلى مصدر الرائحة وهو الوشاح الذي كان يعبق برائحة عطر والده اثيودار وقد كان هاب يخبئه في المخزن الذي يوجد في المزرعة.

وصل هاب ليجد أن المالك ورفاقه الخمسة قد اجتمعوا في المخزن وكان أمامهم ستة حقائب كبيرة تحمل مادة ال****** قد تم إدخالها إلى البلاد في أثناء عملية التفجيرات، فعملية التفجيرات كانت من أجل إشغال البلاد وأمنها ليتم بعدها إدخال هذه المادة من قبل هؤلاء المستثمرين والغرباء عن البلاد وتوزيعها فيما بينهم.

كان المخزن مغلقا بإحكام عليهم ليدخل هاب من شباك المنور، ليتفاجأ المالك بقدوم هاب وأيضا الضيوف الخمس فقد كان هاب منظره مرعبا جدا، حينها نظر هاب إلى المالك ليراه يشبه والده اثيودار، فالمالك قد لبس إسوار اثيودار فيما قبل وهذا يجعل هاب بأن يرى المالك بشكل والده ليقوم هاب قبل أن يقوم المالك بإطلاق النار عليه بقتله بطريقة شنيعة جدا وقطع يده ليسقط مقتولا على الأرض ليعود المالك في نظر هاب على هيئتة الحقيقية وأنه لا يشبه والده اثيودار إلا أذنيه على حد اعتقاده حيث قام هاب بقطع أذني المالك ووضعها في الكيس الخاص الذي يحمل عيني "كميكو" وأنف "يوري" . ويأخذ حقيبته التي كانت تحتوي على الوشاح وأغراضه الشخصية ويغادر المخزن من المنور.

بعدها قام الضيوف الخمسة بمحاولة الخروج من المخزن لكن الباب كان مغلقا ولم يتمكنوا من الخروج، وبعد ساعة فكر بعضهم بالخروج من المنور كما فعل هاب فأحضروا سلم المزرعة الموجود في المخزن من أجل الخروج من المنور، وفي أثناء ذلك يقوم أحد منهم بالضغط بقدمه على كبسة الشريط الناسف الذي خبأه الحارس تحت القش في المخزن وتحت المنور لينفجر ويقتلهم جميعا، حينها تزداد قوة هاب فهذا عمل إرهابي لاحق يقوم بتقوية قدرة الشم لديه واللحاق بوالده اثيودار الذي كان قد غادر المدينة في اليوم الذي سبق هذا الحدث.

قبض على المرأة التي كانت تحمل الشريط الناسف الرابع والذي لم ينفجر وقد تم التحقيق معها لكن لم يصلو لشيء ولماذا قاموا بهذه العمليات الإرهابية فلم يكن هناك أي سبب أو مبرر منها وأخبرت بالمزرعة وهاب والحارس فوجد أن المنزل الذي بالمزرعة قد دمر على بكره أبيه والمزرعة قد حرقت ولا وجود لهاب ولا الحارس، ولا أي شيء يدل على صحة ما ذكرت، وهي من خارج البلاد قد تم احضارها من جهة لا تعرف من هي لتقوم بهذه العمليات وقد تعاطت أجرا كبيرا مقابل هذا وأن هاب المختفي هو من اتفق معهم على كل شيء.

هذا وأن "سارة" قد عادت إلى بيت عائلتها وقد كانت خائفة جدا مما حدث أمامها لتجد أن طفلها الصغير قد اختطف ولا له أي أثر على الإطلاق فطريقة اختطافة لم تعرف تفاصيلها أبدا.

إن هذه العمليات الإرهابية التي تمت في هذه البلاد تسمى بالإرهاب الخارجي الخاضع تحت مصطلحات فردية خارجية خاصة وليست دولية، وهو النوع الثاني من الإرهاب. ولو نظرنا الى عملية التفجير التي تمت في وقت واحد وفي أماكن متفرقة لوجدناها عملية للإشغال فقط، أي لتشغل الأمن بأكمله في البلاد من أجل غض النظر عن الحدود مثلا او عدم مراقبة الطرق لانحصار اهتمام القوات الأمنية للبلاد في مجريات ما يحدث فتدخل بكل سهولة المواد المحرمة والممنوعة دوليا مثل ال****** او الاسلحة او المواد الخطيرة او خروجها من البلاد بكل سهولة ويسر، وهذا ما حصل فعلا فبلاد النهر المقدس لا تملك أي عداوة مع أي دوله كانت من الدول المجاورة أو البعيدة عنها، فما عرفه عنها أنها بلد الأمن والسلام مع الجميع تتمتع بالموقع المرموق وهو قلب الشرق الأوسط والشريان الحيوي الذي يربط كل الأقطار من حولها كما عرفت ومنذ القدم على أنها الطريق التجاري الهام والكبير الذي تمر من خلاله كل تجارات الأقطار الأخرى.

كان اثيودار قد ترك البلاد متجها إلى بلاد قريبة وفي قلب الشرق الأوسط حيث كان وصوله مؤقتا لمدة يوم أو يومين ثم يغادر للبحث عن حلمه المنشود.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب رواية للكاتب العربي عماد العمرات







  رد مع اقتباس
قديم منذ /12-15-2015   #5 (permalink)

سعوطآليي
 
الصورة الرمزية سعوطآليي

عُضويتيّ 2
الجِنسْ man
مُشآركاتيَ 33,382
تـَمَ شٌـكٌريَ 9102
شكَرتَ 7584
حلاُليٍ 0
آلدوُلة السعوديه
هناَ سأكونُ facebook  flickr  tumblr twitter  youtube
SMS الجنون هو فعل نفس الشيئ مرارا وتكرارا وتوقع نتائج مختلفة

مزآجي
3

MMS
1

الأوسمة وسآم الألفيه 25 المركز الاول في فعالية ابل المركز الثالث بـ فعالية تفسير سوره مميز القسم الاسلامي مميز بقسم الطبخ مشارك بفعالية من وحي الصوره مميز بقسم بلاك بيري مميز القسم الرياضي مبدعين ريلاكسين 2015 معزوفات آنامل وسآم الرد آلخِورآفيُ وسـآم آلمدير آلرآقيُ اجمل بروفايل المركز الثاني تكريم دورة الفوتشوب للمبتدئين تويتر 



سعوطآليي غير متواجد حالياً
افتراضي رد: رواية طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب الرواية المرشحة لجائزة نوبل للأدب 2016


روايـــــــــــــــــــــة
طفل الشيطان تحت مسمى الإرهاب

رواية سينمائية ضد الإرهاب

الجزء الثالث - الفصل الأول (لبنان)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
وصل اثيودار إلى بلاد جميلة وذات طبيعة خلابة إذ كان يخطط بأن إقامته ستكون ليومين فقط من أجل الراحة قليلا وتجميع أفكاره ثم المغادرة للبحث عن البلاد التي تحمل حلمه حيث كان يعلم بأن هاب بعد يومين سيلحق به وأن الإنقلاب الفكري الرابع سيحدث بعد ثمانية أيام لذا يجب عليه مغادرة البلاد بعد يومين والبحث عن بلاد حلمه قبل مضي الأيام الثمان.

كانت تسمى البلاد التي نزل فيها اثيودار كضيف ليومين بـ"بلاد جبال الآلهة" أو (بلاد أشجار الطيب) هذا وأن اسم هذه البلاد كما عرف مشتق من كلمة لبن وتعني اللون الأبيض وأيضا من لبنا أي شجر الطيب أو البان أي البخور وذلك لطيب رائحة أشجارها، هذا وأن اسمها اسم سرياني يتألف من مقطعين (لبن) و (انا) ومعناها "قلب الله" وذلك لأن هذه البلاد اشتهرت قديما كموقع للآلهة وهي بلاد جبيلة وساحلية جميلة جدا وخلابة ذات مناخ متوسط معتدلا على الساحل ذات شتاء بارد ممطر و صيفها حار و رطب، أما الجبيلة منها فالشتاء بارد جدا وتكون الحرارة تحت الصفر مثلج شتاء والصيف ذا درجات حرارة معتدلة، وتشتهر هذه البلاد بغابات الارز حيث أنها رمزا لها.
يتوزع شعبها على 18 طائفة ذات نظام جمهوري ديمقراطي برلماني طوائفي مقسم، فرئاسة الجمهورية من الموارنة أما رئاسة الوزراء يشغلها الحزب الإسلامي السني ورئاسة مجلس النواب لطائفة الشيعية، وقد عرف عن شعب هذه البلاد في أول عصورها بأن أول لغة تكلمتها هي اللغة الفنيقية.

وما عرف أيضا عن شعب بلاد "جبال الألهة" بأنه مجتمع استثماري تجاري ذات أيدي عاملة ماهرة توازي الدول الأروبية، يعرف بتآخي الأديان وتسامحها والتعاون والمحبة في مختلف شرائح مجتمعاته، حيث تعتبر الأغذية والمنسوجات الكيمياوية والأسمنت ومنتجات الأخشاب من أهم الصناعات لديه.

نزل اثيودار كسائح في المنطقة الجبيلة من هذه البلاد وذلك حتى يتعذر على هاب أن يشتم رائحته بسهولة والوصول إليه، فهاب الأن يملك قوة كبيرة و أن موعد الإنقلاب الفكري الرابع قد يتأخر بعض الشيء لذا يجب على اثيودار أن يكون بعيدا من مكان تواجد هاب لذلك اختار المنطقة الجبلية ليمكث يومين أو أقل وبعدها يتابع رحلة بحثه عن حلمه.

في حين وصول اثيودار استقبلته مرشدة سياحية سترافقه طوال فترة إقامته في البلاد، إذ كانت تدعى "ألمى" المعنى (باردة الريق أو سوداء الشفاه) وهي فتاة جميلة وذات معرفة كبيرة بتاريخ وحضارة بلادها، حيث رافقته إلى الفندق الذي سيقطن فيه وتناولت طعام الغداء معه، إذ قدم له طبق (الفتة) وهي من المأكولات الشعبية المتعارف عليها لدى سكان بلاد "جبال الآلهة" إذ تملك مذاقا فريدا ولذة لا تساويها أيا من المأكولات والأطباق الأخرى، هذا وأن المأكولات الشعبية لدى سكان جبال الآلهة كثيرة ومتعددة، فهي تتميز ببساطة تركيبها وسرعة تحضيرها، وسهولة هضمها، وهي غنية بالمواد الغذائية الضرورية لبناء الجسم. والفتة طعام قوامه الخبز المقطع والمجفف أو المحمص، يسقى بالمرق الناتج عن سلق أنواع اللحوم أو البقول مثل الحمص، ويضاف إليه السمن العربي أو زيت الزيتون، ويزين بالمكسرات مثل الصنوبر والجوز والفستق الحلبي، ولها أنواع و أسماء كثيرة مثل فتة المكدوس وفتة المقادم، وفتة بالسمنة العربية وفتة بالزيت وفتة الحمص وفتة الدجاج.

بعد أن أنهى اثيودار غدائه أخبر "ألمى" أنه ينوي بعد عصر هذا اليوم الذهاب بجولة سياحية جميلة يستطلع فيها تراث وحضارة هذه البلاد، وأنه يريد مرافقتها معه.

كان هاب حينها قد وصل البلاد المجاورة لتلك البلاد فقد تشابهت عليه الطرق وغيرت الرياح اتجاهها مما جعله يمكث في تلك البلاد لحين هدوء الرياح بالمنطقة القريبة للحدود من تلك البلاد.

بدأت جولة اثيودار السياحية في تلك البلاد مع "ألمى" إذ كانت أولها مدينة (حوش موسى) الأثرية وهي مدينة سياحية مشهورة في تلك البلاد اعتبرت من المدن التراثية في العام 1984م وقد أقيمت على مقربة من أحد أهم منابع أو عيون نهر الليطاني في موقع مميز على خارطة الطرقات التي كانت تشق البقاع في الأزمنة القديمة والوسطى لتشكل عقدة رئيسية تلتقي عندها الطرقالتي كانت تصل مناطق سوريا الشمالية بشمال فلسطين وتلك التي كانت تصل الساحل بغوطة دمشق. وقد أسهم في ازدهارها العين المتفجرة عند سفوح جبال بلاد جبال الآلهة الشرقية، وهي العين التي أعطت المدينة اسمها الحالي. كما تضمت الجولة السياحية التي قام بها اثيودار"مدينة الشمس" إذ اشتملت على أربع معابد عظيمة : معبد جوبيتر ومعبد باخز وهو أكثر المعابد حفظا في الشرق الأوسط فبناء هذا المعبد وصلته في المعابد الباقية يعتبر كلغز لم يعرف أو يفهم بعد وأيضا معبد فونس و معبد مركوريوس. كما شملت الجولة أيضا مدينة (بيت الآلهة) وهي من أقدم مدن العالم (بين الألف العاشر والألف السادس ق.م) وتضم المعابد الفينيقية وقلعة "جبيل" و سور المدينة ومتحف الشمع، وكنيسة القديس يوحنا المعمدان، و متحف الأحافير، والحارة القديمة، والسوق، ووادي قديشة وغابة أرز الرب.

كانت الجولة السياحية والسريعة لاثيودار في غاية الجمال والروعة حيث استمتع اثيودار كثيرا بما قد شاهده في هذه البلاد هذا وإن هذه الجولة السريعة كانت لمدة يومين كاملين.

في اليوم الثالث والاخير لاثيودار في بلاد جبال الآلهى كما حدده لنفسه رافقت "ألمى" اثيودار إلى جبل الثلج حيث استمتع بمنظر الثلوج والطبيعة الثلجية الخلابة التي يملكها هذاالجبل، وفي أثناء عودتهما إلى الفندق طالب اثيودار من "ألمى" أن يقوم هو بقيادة السيارة، وفي الطريق يحدث ما لم يكن متوقعا إذ يفقد اثيودار سيطرته على السيارة لترتطم بحاجز رملي على جانب الطريق ليفقد اثيودار الوعي حينها ويتم نقله إلى المشفى.
لم تصب "ألمى" بأي مكروه حينها وقد رافقت اثيودار إلى المشفى وهناك تبين أن اثيودار أصيب بغيبوبة نتيجة ارتطام رأسه بمقود السيارة. هذا ولم يستطع الأطباء تقدير عمر الغيبوبة التي دخل بها اثيودار فمنهم من قال يمكن تحديدها بعد عشرة أيام ومنهم من قال قد تأخذ شهرا ومنهم من قال قد تطول أكثر من ذلك، وهذه كارثة بحد ذاتها قد لحقت باثيودار فإذا ما قدم هاب إلى البلاد ولم يحدث الإنقلاب الفكري الرابع فإنه سيعثر به وسيقتله، وأما إذا ما حدث الإنقلاب الفكري الرابع لهاب فإنه يصبح عرضة إلى الأفكار الدخيلة أينما كانت وتسهل السيطرة عليه من أي فرد أو جماعة أو جهة طالما ان والده اثيودار على قيد الحياة ولم يمت بعد.

لم يدخل هاب بعد بلاد جبال الآلهة التي يقطنها والده اثيودار فالريح لم تهدء بعد لذلك بقي في البلد المجاور لتلك البلاد حتى تهدء الرياح ليستطيع بعد ذلك تحديد مكان والده اثيودار والذهاب إليه .

مضى قرابة الستة أيام واثيودار لم يستيقظ من غيبوبته بعد حيث كانت "ألمى" ترافقه في المشفى. في ذلك الحين يدخل مسؤول مهم إلى المشفى أصيب بغيبوبة إثر حادث سيارة مقصود، وهذا المسؤول يدعى (أنطون)وأصله اللاتيني: Antonius والمعنى للاسم: هو بالغ النفاسة، المستحق للثناءوهو من الشخصيات المقربة جدا من رئيس الوزراء لهذه البلاد وقد استهدف موكبه أثناء عودته إلى منزله.
وضع هذا المسؤول بالغرفة المجاورة للغرفة التي أقلت اثيودار كون أن الحالة واحدة تحت الأجهزة الصحية والمراقبة والمتابعة المستمرة لحالته هذا ولم يستطع الأطباء تقدير عمر غيبوبته أيضا. وقد منعت الزيارة له نهائيا حيث إن عائلته لم تعلم بما حدث له فقد أخبروها بأنه في مهمة سياسية خارج البلاد ولا يعرف موعد لعودته منها.

تهدء الرياح ليستطيع هاب الأن تحديد مكان والده والإنطلاق على الفور ولكن وحين دخوله تلك البلاد يحدث الإنقلاب الفكري الرابع ليعود ضعيفا وغير قادر على شم رائحة والده ليختبء حينها في ملجأ أطفال بأطراف تلك البلاد. حيث عثرت عليه صاحبة الملجأ والمسؤولة عنه، وقد حاولت سؤاله من أين هو وما الذي أتى به إلى هذه البلاد، لكن هاب كان وكأنه فاقد للذاكرة، لذلك قررت أن تجعله يعمل في الملجأ مقابل حصوله على مكان ينام به وحصوله على طعام وقد قبل هاب على الفور بذلك.

عرف عن صاحبة الملجأ انها امراة دكتاتورية ومن طبقة برجوازية مرموقة وهي سياسية محنكة ذات خبرة وباع طويل في عالم السياسة ولها أكثر من ثلاث ملاجئ للأطفال فتحتها من حر مالها كما تدعي مع العلم أنها كانت تحصل على دعم مالي خيالي من المؤسسات الحكومية والخاصة الداخلية والخارجية.


لم يكن الملجأ بمستوى عاليا من البناء فهو عبارة عن دار بتكوين ثلاث طوابق مفتوحة على بعضها البعض يحتوي الطابق الأول على أربع غرف متساوية الحجم، تحتوي كل غرفة على نافذتين صغيرتين وتستعمل كغرف صيفية لتلقي العلم فيها وحمامين وصالونا مفتوحا يصعد منه درج إلى الطابق الثاني الذي شمل ستة غرف لا تحتوي على أي نافذة تعد منامات للأطفال، خمسة منها متساوية الحجم، والسادسة يبدو عليها أنها أكبر قليلا عن باقي الغرف وبشكل شبة دائري. إلى جانب حمام واحد يوجد في الغرفة السادسة، حيث كانت هذه الغرفة تستعمل كقاعة رياضة للأطفال.

ما يلفت الإنتباه هنا أن الصعود إلى الطابق الثالث يتم من خلال درج يصعد من تلك الغرفة، هذا وأن الطابق الثالث يحتوي على غرفتين كبيرتين مفتوحتين على بعضهما البعض يقسمهما قواطع خشبية في كل غرفة ونافذة واحدة، إذ يوجد هناك قاعة للإجتماعات ومكتب إدراة الملجأ ومكان للنوم في بعض الأحيان لصاحبة الملجأ وحمام واحد يفصل بين الغرفتين الكبيرتين، هذا وإن هاتان الغرفتين تختلفا كليا عن بقية الدار ولا يسمح لأي مخلوق الصعود له إلا بإذن من صاحبة الملجأ. وبالجهة المقابلة لهم ثلاث غرف متساوية الحجم منفصلات عن غرفتي الإدارة ومنام صاحبة الملجأ تستعمل مكانا لنوم المربيات والمعلمات يتم الصعود لهم عبر درج طويل يبدأ من الطابق الأول في الدار،


أما مطبخ الدار فهو خارج المنزل يتكون من غرفتين متقابلتين بشكل شبه دائري وغرفة صغيرة تتصل من الخلف بغرفتين لتخزن المواد التموينية. حيث بالقرب منه غرفتين وحمامهما تستعمل مكانا لسكن الطاهي ومساعدته.

أضف إلى ساحة واسعة تحيط بالدار محاطة بسور منيع وكبير أشبه بأسوار السجن، وقد حوت هذه الساحة بعضا من الألعاب الترويحية القديمة للأطفال فاللوهلة الثالثة والتمعن بهذه الألعاب تجدها أشبه بمعدات التدريب العسكري وليست ألعابا.

فحين دخولك الى الملجأ تجد صور الحيونات المخيفة بعض الشيء والمعلقة على الجدران بطريقة فوضوية، والتماثيل المكسرة، هذا وإن الإضاءة فيه تختلف ما بين كل طابق وأخر فالإضاءه في الطابق الأول ضعيفة بعض الشيء أما الطابق الثاني فالإضاءة فيه ضعيفة جدا إذ كانت تعتمد على ضوء قناديل الزيت القديمة أما الطابق الثالث فالإضاءة فيه منظمة وقوية.

كان الملجأ يجمع ثلاثة عشر طفلا وطفلة تتراوح أعمارهم ما بين السنة والخمسة عشر سنة حيث لا يعرف أصلهم ولا نسبهم قد سكنوا الملجأ وهم في عمر الحضانة. وثلاث معلمات يقمن على رعاية الأطفال وتعليمهم وطاهي للطعام ومساعدة له.


قامت صاحبة الملجأ بتوظيف هاب كعامل نظافة وحارسا للملجأ مقابل تامين السكن والمأكل له. حيث كان ينام في غرفة صغيرة مستقلة توجد بقرب البوابة أو مدخل الملجأ وقد رضي هاب بسرعة ودون أي مناقشة.

مضى شهر كامل على عمل هاب في الملجأ وكان سعيدا جدا بعمله فقد كان لا يعرف شيئا على الإطلاق غير عمله فلا يغادر الملجأ أبدا وحريصا على نظافته وحراسته ولا يتدخل بأي شيء خارج حدود عمله، هذا وإن صاحبة الملجأ أبدت إعجابها الشديد به.

في نفس الوقت كان والده اثيودار لم يستيقظ من غيبوبته بعد، هذا وإن جهة مستقلة على حد قولها معارضة في البلاد قد علمت بوجود المسؤول "أنطون" بالمشفى وبنفس الغرفة التي تقل اثيودار وأنه يعاني من غيبوبة طويلة الأمد مما دفع زعيمها بعمل زيارة شخصية للمشفى للتأكد من صحة هذا الخبر.

كانت الزيارة سرية في الليل حيث أكد أن الزيارة هي للضيف الذي مع المسؤول "أنطون" في الغرفة لكون أن الجهات الأمنية كانت تمنع زيارة أي شخص للمسؤول "أنطون " مهما كان.

وصل زعيم الجهة المستقلة ومعه اثنان من معاونيه إلى المشفى حيث اتجهوا إلى الغرفة التي كانت تقل اثيودار و "أنطون "، في حين وصولهم ادعوا معرفتهم لاثيودار حيث جلسوا بالقرب منه ولم يعيروا أي اهتمام لـ "أنطون" . في حين جلوس زعيم الجهة المستقلة بجانب اثيودار لفت انتباهه الإسوار الذي كانت في معصم اثيودار ليقوم بنزعه من يده ويحاول لبسه ليضيق الإسوار بعدها على يد الزعيم مما دفعه لنزعها وإعادتها على يد اثيودار ناظرا إلى معصمه ليجد أنها قد تركت أثرا عليه.

جلسا لمدة لم تتجاوز الدقائق ثم ذهبوا ونار الحقد تتفجر من عيني الزعيم فلو كان بيده لقتله في حينها، "أنطون " على حد ادعائاته كان سببا كبيرا في فشل الكثير من مخططات منظمتهم المستقلة وتأخرها في فرض سيطرتها على البلاد.

كان هاب كل يوم يلفت انتباه صاحبة الملجأ بحسن عمله وولائه وخوفه على الملجأ، رغم أنه كان يلاحظ الكثير من السلوكيات الخاطئة في الملجأ، ففي أثناء عمله كعامل نظافة للملجأ يتجول في كل أنحائه ليجد أن الأطفال تتعلم فلسفة التخريب والدمار وإحياء روح العدوانية تجاه جهات معينة، فجميع ما يتلقوه من المعلمات يتنافى مع الحقيقة الوجودية للإنسان بالخير، لكن هاب كان وكأنه يتعلم أيضا معهم فقد كان يظن أن ما يتعلموه هو لصالحهم لذلك كان يقظا لكل شيء وقد لاحظت صاحبة الملجأ ذلك على هاب حيث زاد إعجابها به كثيرا وشعرت أن من ورائه منفعة كبيرة كما أنه يتصرف كما الأطفال تماما وأن عقله رغم بنيته الجسدية عقل طفل يتلقى كل ما يتعلمه ويحفظه.


وذات يوم تبلغ صاحبة الملجأ بقدوم لجنة وقائية مكلفة بمراقبة هذه الملاجئ في كل أنحاء البلاد والإشراف على تعليم الأطفال وكيفة رعايتهم ومعيشتهم في الملاجأ. لتتغير حينها كل طرق تعليم الأطفال في لحظة فقد لاحظ هاب فرقا كبيرا ما بين ما كان يتلقاه الأطفال من تعليم قبل حضور اللجنة وبين ما هو الأن وأمام تلك اللجنة وما أدهشه أن الأطفال قد تغيرت تصرفاتهم بغمضة عين من حال إلى أخر وكأنهم يحفظون شيئا مؤقتا يرددونه أمام اللجنة فقط. لتتشتت جميع أفكاره حينها، أكملت اللجنة تفتيشها وذهبت ليعود كل شيء كما كان، فلم يفهم هاب أي شيء والتزم الصمت.

في المساء يأتي زوار إلى الملجأ ليقوم هاب بفتح البوابة لهم، ولكن حين دخولهم يأمر أحد الضيوف سائق السيارة بالتوقف قليلا لينظر إلى هاب بنظرة استغراب ودهشة كبيرة دون أن يتحدث مع هاب أي كلمة وبعدها يتابع دخوله وهو ينظر إلى هاب. لم يعر هاب باله من ذلك وأغلق البوابة بعد دخولهم وذهب إلى غرفته. وبعد ساعة من دخول الضيوف تحضر احد المعلمات الى هاب تخبره بان صاحبة الملجأ تطلب حضورة الى الطابق الثالث في غرفة الاجتماعات ليقوم هاب بفورة ملبيا امر صاحبة الملجأ، في حين وصوله أمرت صاحبة الملجأ هاب بأن يقوم بتنظيف الغرفة ثم يخرج، وبالفعل قام هاب بالتنفيذ، وبينما كان يقوم بالتنظيف لاحظ أن الجميع من الحضور ينظرون إليه بنظرة استغراب كبيرة، وحين انتهائه أمرته صاحبة الملجأ أن يذهب.
انتهى الإجتماع مع الضيوف وذهبوا ولكن حين ذهابهم وبينما كان هاب يفتح لهم الباب ليغادرو فلم تفارق انظارهم هاب إطلاقا، حينها شعر هاب بأن هؤلاء الضيوف قد يعرفونه أو يعرفوا شيئا عنه ومن هو.

في صباح اليوم التالي ذهبت صاحبة الملجأ بنفسها إلى غرفة هاب وأيقظته من نومه، وأخبرته بأن يقوم بتجهيز ملابسه وإعداد حقائبه واللحاق بها الى الطابق الثالث من الملجأ، كان هاب مندهشا كثيرا وفي عقله ألف سؤال.

قام هاب بفعل ما أمرت به صاحبة الملجأ ولحق بها إلى الطابق الثالث لتخبره حينها بأن مكان سكنه الجديد سيكون في هذا الطابق وبالقرب منها وأنه من اليوم سيكون أقرب شخص لها، ليفرح هاب حينها إذ شعر بأن صاحبة الملجأ بدأت تشفق عليه.

في ذلك الحين أعلنت الجرائد المحلية والقنوات الإخبارية خبر اختطاف المسؤول "أنطون" وأسره من قبل جهات معادية أثناء تأديته مهمة رسمية خارج البلاد، هذا وإن تلك الجهات لم تكذب الخبر ولم تأكده أيضا، كان هذا الخبر بمثابة فجيعة لمجلس الوزراء والحكومة، علما بأن المسؤول "أنطون" قد اختطف من المشفى ولم يختطف أثناء تأديته مهمة رسمية مما أوقع الحكومة في مأزق كبير، فأسرعت الحكومة للمبادرة بالمفاوضات من أجل فك أسره مع تلك الجهة دون التأكد من صحة الخبر مما دفع تلك الجهة لتبني مسؤوليتها عن اختطاف "أنطون" وآسره.
اتصال هاتفي لصاحبة الملجأ يفيد بأن زوارا مهمين سيقوموا بزيارة الملجأ في مساء هذا اليوم، مما دفع صاحبة الملجأ بإعداد الطابق الثالث ونوم الأطفال مبكرا، هذا وإن صاحبة الملجأ قد قامت بإلباس هاب لباسا جديدا كانت قد اشترته له مسبقا إذ بدا هاب بصورة ملفتة للانتباه وجعتله ينتظر في الطابق الثالث.

حضر الضيوف أخيرا إنه زعيم المنظمة المعارضة و رفاقه حيث اتجهو مباشرة إلى الطابق الثالث في الملجأ حيث كانت صاحبة الملجأ في انتظارهم هي وهاب، و حين دخولهم تفاجأ الجميع بهاب بما فيهم الزعيم ، فبعد أن سلموا على هاب قام أحد رفاق الزعيم بالتحدث مع رفيقه الذي بجانبه يقول له (لولا لم اختطفه بنفسي لقلت أنه هو، إنه يشبهه إلى حد كبير بل أنه هو نفسه تماما).

كان يبدو على الزعيم مظاهر السرور والسعاده إذ جلس الجميع على طاولة واحدة بما فيهم هاب، لتقوم صاحبة الملجأ بتعريف هاب على الزعيم ورفاقه. هذا وقد استمر الإجتماع لمدة ثلاث ساعات وقد دار فيه الكثير من الأحاديث المهمة لخيرج هاب بعد ذلك وعقله يعبق بكثير من الأفكار والأسئلة، وينام.

قبل طلوع الفجر يستيقظ هاب وهو يصرخ بقوة فقد حلم حلما مرعبا، كانت بالقرب منه حينها صاحبة الملجأ لتستيقظ على صراخه وتسأله حينها عادت إلى هاب فكرة بحثه عن الرجل الذي لا يعرفه من أجل قتله ليخبر صاحبة الملجأ بأن قدومه لهذه البلاد من أجل رجل لا يعرفه كان وما زال يراوده يجب عليه قتله وأنه سيفعل المستحيل من أجل أن يعثر على هذا الرجل وقتله فذاكرته وقدرته لن تعود إلا بقتل هذا الرجل، حينها قالت صاحبة الملجأ بأنها تعرف هذا الرجل الذي يبحث عنه هاب ولكن لا يمكن لهاب قتله بسهوله فهذا الرجل مسؤول مهم وعلى درجة كبيرة من الأهمية وأنه موجد في هذه البلاد وأن الزعيم هو الوحيد من يستطيع أن يوصله به. حيث قالت له بان ينام الأن وغدا ستخبر الزعم بأمره من أجل مساعدته في العثور على هذا الرجل لينم هاب حينها ونار الإنتقام تشتعل في عينيه.

لقد كان الإجتماع الذي تم في المساء حمل أشياء كثيرة بمثابة غسل دماغ لهاب بطريقة مقنعة لانضمامه إلى المنظمة وجعله أحد معاوني الزعيم، مما أدى لإحياء بعض الأفكار المخزونة في عقل هاب بطريقة غير مباشرة ليحلم بعد ذلك بحلمه المعهود والبحث عن الرجل الذي يعتقد بأنه سبب في كل ما فيه هاب الأن.

تتصل صاحبة الملجأ بالزعيم في نفس الوقت تبلغه ماذا حدث وأن الأمور تسير لصالحه وأن بهذا الشيء يمكن استغلال هاب حسب ما يشتهي ويريد، ليخبرها الزعيم أن مساء غد سيحضر ليرى ما الأمر وماذا سيفعل. وأن الوقت ليس بصالحهم إطلاقا.



كانت المفاوضات ما بين الحكومة والجهة المعادية تجري من أجل إطلاق وتبادل أسرى بأسرى فإن أطلقت حكومة رئيس الوزراء أسراهم قاموا بإطلاق المسؤول "أنطون" ليرفض رئيس الوزراء ذلك واعطى وقتا أطول للمفاوضات. مما جعل الرئيس أن يجري إتصالا مع زعيم الجهة المعارضة وطلب منه الحضور من أجل التباحث بهذا الأمر الخطير. وقد لبى زعيم الجهة المعارضة طلب رئيس الوزراء وقد قرر بعد يومين عقد اجتماع هام ما بين رئيس الوزراء وزعيم الجهة المعارضة.

في المساء حضر الزعيم ورفاقه إلى الملجأ والتقى بهاب ليخبره عن الرجل الذي يبحث عنه ولماذا يريد قتله، وقد أخبر هاب عن بعض ملامح هذا الرجل ولكن دون أن يخرج له العينين والأنف والأذنين التي كانوا بحوزته فقد اكتفى بوصفها فقط للزعيم ليخبره الزعيم بأن هذه الأوصاف هي أوصاف الزعيم المعارض له وأن من الصعب لا بل من المستحيل على هاب أن يظفر به مهما كان لكن الزعيم سيقوم بمساعدته مهما كلفه الأمر مما أدى ذلك لأن تدب بشائر الإطمئنان في قلب هاب. كما وتعهد هاب بفعل كل ما يريده الزعيم مقابل قتل هذا الرجل.

هذا وأن الزعيم قد أخبر هاب بأنه سيقوم برسم الخطة المناسبة ليتمكن هاب من الوصول إلى ذلك الرجل ثم غادر الزعيم وقد طمئن هاب وأخبره أن ينتظر لحين التقصي عن الحقائق وجمع المعلمومات الكاملة وبعدها التفكير والعمل.

بقي هابربانتظار الزعيم وقد كان في كل ليلة له يزيد حلمه ويفزعه لدرجة أنه بات لا يستطيع النوم في الليل مطلقا.

تم اجتماع الزعيم بالزعيم المعارض له والذي يملك صلاحيات أكثر منه وقد أخبر أنه هو من سيحضر المسؤول "أنطون" من قبضة الجهة المعادية لكنه مؤهل عسكريا خلال فترة وجيزة ولكنه بحاجة إلى المال من أجل شراء الأسلحة والمعدات اللازمة وقد وافق الزعيم المعارض صاحب السياسة والمعترف فيه عالميا على ذلك. فبعد انتهاء الزعيم من اجتماعه اتجه مباشرة إلى الملجأ ليخبر هاب بالخطة وكيفية وصوله إلى الرجل المنشود، حيث أحضر معه أشرطة فيديو وطلب من هاب أن يراها ويطلع عليها أكثر من مرة وأن ينتبه على جميع حركات الرجل الذي فيها. ثم غادر، وفي أثناء مشاهدة هذه الأشرطه شعر هاب أنه يرى نفسه فالرجل الذي فيها يشبهه إلى حد كبير لدرجة أن هاب ظن نفسه هو من في هذه الأشرطة. هذا وقد تولى رجل من رفاق الزعيم بتدريب هاب وتدريسه أصول الخطة لمدة ستة أيام في الملجأ وفي الطابق الثالث.

بعد مضي ستة أيام حضر الزعيم ورفاقه إلى الملجأ وقد كان هاب قد تعلم كل ما أملى عليه رفيق الزعيم ليجري حينها اختبارا صغيرا له فيجد أن هاب بارع لا بل أيقن إيقانا تاما بأن هاب هو "أنطون" المسؤول الذي تم اختطافه من قبل الزعيم وليس من قبل جهات معادية خارجية. بعد ذلك قام الزعيم بإعطاء هاب جواز سفر "أنطون" وكل اثباتاته وأن يكون على أهبة الإستعداد.
ماذا ينوي عليه الزعيم ؟

اتصل الزعيم هاتفيا مع زعيم الحكومة يخبره أن بعد غد سيقوم بشن غارة على الجهة المعادية بهدف فك أسر المسؤول "أنطون"، وأن يجهز المال الذي تم الإتفاق عليه.

تمت الغارات كما أخبر الزعيم لينشر في الجرائد اليومية وعبر المحطات الإخبارية خبر تحرير المسؤول "أنطون "وفك قيد أسره من الجهات المعادية، وأنه الأن تحت حماية قوات الزعيم وسيعود إلى منزله وعائلته وعمله قريبا.

وبالفعل عاد "أنطون" إلى عائلتة وزوجته كما أخبر الزعيم ولكن ليس "أنطون" ذاته بل هاب وقد بدا على هاب مظاهر التعذيب ليثبت أنه كان تحت الآسر وأنه وقع تحت التعذيب من قبل هذه الجهات فقد ظهر في مؤتمر صحفي يتحدث عن ما جرى له أثناء فترة اعتقاله وآسره وقد كان بارعا جدا فلم يكتشف أي أحد أن هناك فرق ما بين هاب و"أنطون" فقد أوهم الجميع بهاب بما فيهم زوجة "أنطون" نفسها إذ لم تستطع أن تفرق بينه وبين زوجها.

إن الخطة تسير كما خطط لها الزعيم، هذا وأن الزعيم كان يجري اتصالات هاتفية مع جهة خارجية كبرى في المنطقة وهي الجهة التي كانت تدعمه بالأسلحة والمال وتساعده على بسط هيمنته على البلاد وقد قام بطمئنتها وأن الأمور تجري حسب ما يخطط له وأن في القريب العاجل سيكون حكم البلاد بأكملها تحت زعامته و بقبضته.

يلتقي هاب بالزعيم الحاكم بعد فك آسره وقد كان الزعيم سعيدا جدا بعودته سالما إلى عمله وعائلته وقد أعطاه إجازة مفتوحة من أجل الراحة وبقائه مع عائلته وبعدها يعود إلى رأس عمله من جديد كما كان معتادا.

لم تلاحظ زوجة "أنطون" على هاب أي شيء من تغير وإن شعرت فإنها تظن أنه جراء الأسر والإعتقال والتعذيب، هذا وقد كانت سعيدة بعودة زوجها سالما لها. حيث جهزت له الحمام للاستحمام، وقد أعدت له ليله عشق ساخنة ولبست له أجمل اللباس وأخلت البيت من الأطفال والخدم وجهزت له عشاء فاخرا وذلك من أجل أن تنسيه كل ما حدث معه في الأسر والإعتقال.

بعد الاستحمام جلس هاب مع زوجة "أنطون والتي تدعى "لمياء" (المعنى للإسم "لطيفة قليلة الدم، أو قليلة اللحم") على طاولة العشاء حيث كانت تطعمه بيدها ليشعر هاب بالراحة الكبيرة والإستلطاف من قبل "لمياء"، وقد أطفأت الأضواء وأشعلت الشموع لترقص معه على أنغام موسيقة رومنسية هادئة وتقبله على الشفاه، ليقوم هاب حينها بحملها بين ذراعيه الى غرفة النوم وممارسة ال*** معها بشغف وحب فقد شعرت "لمياء" بمتعة كبيرة جدا لم يسبق لها أن شعرت بها من قبل مع زوجها "انطون" لكن دون ان يكشف عن صدرها (نهديها) حتى خرج مني هاب لتنكسر مرأة التجميل التي كانت في غرفة النوم لوحدها، فتقوم "لمياء" على الفور لتشعل الضوء لترى ما حدث.

حين أشعل الضوء جعل هاب ينظر إلى السرير فيجد أن الجرائد قد غطته ليسأل "لمياء" حينها عن هذه الجرائد وماذا أتى بها إلى السرير. لتضحك "لمياء" حينها وتقول لهاب أنها طوال فترة آسره كانت تشتري الجرائد وتطالعها وهي تبكي عسى أن تحمل خبراعن فك أسره، حيث كانت تنام والجرائد ملقاة في كل مكان من الغرفة، وأنها نست أن تجمعها فهي لم تدخل غرفة النوم منذ أن عرفت بخبر إطلاق سراحه، كما أن المتعة الكبيرة التي شعرت بها هذه الليلة معه لم تجعلها تشعر بأوراق الجرائد على السرير، لتقم بجمعها على الفور ناسية أمر المرآة وكسرها، سعيدة بما شعرت به من متعة مع هاب. وبعدها تنام بجانبه، وفي الصباح تستيقظ من نومها والقوة تدب في جسدها والراحة أيضا كما كان هاب يشعر بنفس شعورها.

في مساء اليوم التالي تقرر "لمياء" الخروج بصحبة هاب للتنزه والإستمتاع بأجواء الليل في عاصمة بلد "الجبل الأبيض" فهي تبعث الراحة والإطمئنان رغم حالة الحرب التي تعيشها البلاد سوءا الخارجي أو بعض الصراعات الداخلية على الحكم نتيجة أطماع الحاقدين والطامعين بثرواتها وترابها، فحين تجولك في ضواحيها تجد مظاهر التسامح والإخاء والمحبة متداولة بين جميع الطوائف والأجناس فيها.

هذا وقد كانت تدعى عاصمة "جبال الآلهة" بـ"بيريتوس" أو "بيرووه" نسبة لأعز آلهة بلاد جبال الآلهة وصاحبةأدونيس آله "جبيل" وهي مدينة قديمة وعريقة إذ ذكرت في رسائل تل العمارنة والمؤرخة إلى القرن الخامس عشر ما قبل الميلاد وهي مأهولة منذ ذلك الحين. حيث حملت الكثير من الأسماء عبر العصور

وقد قيل أنها كانت تدعى "بيريتيس" أو "بيروتوس" أو "بيرووه "حيث عرفت المدينة باسم "بيريتوس. )باليونانية القديمβηρυτός) وذكر أن "بيريتوس" بالمعنى السامي تعني "الصنوبر"لغابات الصنوبر، ومن الأسماء الأخرى التي دعيت بها أيضا هو: "لاذقية كنعان"، وسماها الفينيقيون "بالمدينة الألهة"وأطلق عليها الرومان "أم الشرائع" بسبب بناء أكبر معهد للقانون بالإمبراطورية فيها، ونعتها العثمانيون "بالدرة الغالية ".

في اثناء جولة هاب و "لمياء" في ضواحي عاصمة "جبال الآلهة" وحين مرورهم من شارع كانت تنتشر فيه المقاهي وتضج بالناس والمارة وفي نهايته تحديدا يصادفان طفلة كانت ملقاة على الأرض تعاني من ضيق تنفس كبير، فأسرع هاب لها محاولا مساعدتها إذ قام برش الماء على وجهها وعمل تنفس اصطناعي لها إلى حين أن استيقظت لتطلب من هاب و "لمياء" أن يأخذوها إلى بيتها فهو قريب من الشارع.

وبالفعل لم يمانع هاب على الإطلاق في مساعدتها، وفي الطريق جعل هاب يسأل الطفلة إن كانت تعاني من مشكلة صحية أو مرضية، لتجيب الطفلة بأنها لا تعاني من أي شيء مطلقا وأن ما حدث لها قبل لحظات كان لأول مرة. لتقوم "لمياء" بإخبارها أن على والديها أن يذهبوا بها إلى الطبيب لترى ما الأمر ومعرفة سبب ما حصل لها. فقد يكون أمرا غير عادي. حينها توقفت الطفلة قليلا وجعلت تنظر إلى "لمياء" بنظرة مملوءة بالحزن لتقول أنها تعلم سبب ما حصل لها اليوم وأن السبب في ما حصل لها هو "والدتها" دهشت "لمياء" مما تقوله الطفلة لتسأل كيف؟ لتقوم الطفلة بوضع يدها في جيبها مخرجة علبة صغيرة الحجم تحتوي على مادة تسمى "المعسل" وهي مادة للتدخين حيث تستعمل لـ"النرجيلةأو الشيشة أو الأركيلة" وهي أداة تدخين تعتمد على تمرير دخان التبغ المشتعل بالفحم بالماء قبل استنشاقه. ويعود أصلها على الأرجح إلى "بلادفارس" ويقال أنه من وسط الهند، ثم انتقل استخدامها إلى شبه الجزيرة العربية لكنها انتشرت عالميا من خلال الدولة العثمانية.

لم يفهم هاب ماذا تعنيه الطفلة وما علاقة والدتها وعلبة "المعسل" بما جرى لها. لتجيب الطفلة أن "النرجيلة" والتدخين بشكل عام أصبح خطرا كبيرا يهدد الجيل القادم ويلحق به الضرر العظيم صحيا أو نفسيا فإن أكثر المشاكل الصحية التي يعاني منها الأطفال سببها التدخين و"النرجيلة"


هذا وقد أصبحت النرجيلة جزءا من المألوف اليومي في بلاد الشرق الأوسط والمغرب العربي حتى امتدت إلى أوروبا وأمريكا، فنسبة الإقبال عليها من النساء أكثر من الرجال، وليست قليلة المقاهي التي يحاصرك فيها الدخان من كل صوب حتى تكاد تخنق أنفاسك أو تشعر بضيق في الصدر بسبب انتشار النرجيلة في كل زوايا المكان وحتى البيوت فلا يكاد يخلو بيت من وجودها كجزء رئيسي في البيت، ولو تجولت في مقاهي البلاد لرئيت هذا بنفسك حيث ترى فتيات بعمر الورد ونساء حوامل يهمن بتدخين النرجيلة وكأنها جزء مكمل للأنوثة أو الأناقة الكاملة، فقد بتن يأتين بمفردهن أو في تجمعات من النساء لتدخين النرجيلة.
استغرب هاب كثيرا مما تقولة الطفلة فما قالته لم يكن مألوفا له من قبل، لتتكلم "لمياء" حينها قائلة إنه الإدمان وفيما كان تفسير الإدمان ينحصر في نظرية "فرويد" الذي يؤكد على أن التدخين هو "نقص في التطور النفسي ال***ي وهو دليل على حاجة عاطفية لم تشبع". فقد أصبحنا في صدد تفسيرات أخرى توحي بأن التدخين ما هو إلا متنفسا لضيق أو قلق أوالضغوطات النفسية يساعد على تخفيف الألم حسب الإعتقاد دون أن يقضي عليه.
عادت الطفلة مجددا لتقول أن هناك الكثير من النساء المولعات بتدخين "النرجيلة" تماما كأمي التي وصلت حد الولع والإدمان عليها دون ملاحظة لما يلم بها أولا ومن ثم بي وبأخوتي من أمراض جراء هذه العادة السيئة، فهناك الكثير من وافته المنية نتيجة التدخين وقد كان أبي أحد ضحاياه وتركنا إلى الأبد، لتبكي الطفلة حينها غير متمالكة لنفسها مما جعل هاب يبكي لبكائها.
وصلت الطفلة أخيرا إلى منزلها مما دفع "لمياء" وهاب لرؤية والدة الطفلة ومحاولة إقناعها الإقلاع عن التدخين، ولكن كان الأوان قد فات، ففي دخولهما تسمع صرخات إخوة الطفلة الصغار ويروا جمعا من الناس قد ملئ المنزل لتركض الطفلة بسرعة وكان هاب قد لحق بها ليجد أن والدة الطفلة كانت ملقاة على الأرض وقد فارقت الحياة وبيدها خرطوم "النرجيلة" حيث كانت تعاني من مرض السرطان جراء التدخين ولم تكن تعلم ذلك. لتترك خلفها خمسة أطفال صغار دون معين لهم. فكان مصيرهم ملجأ الأطفال.
أمضى هاب مع "لمياء" أيام إجازة جميلة بعض الشيئ مليئة بالحب والشوق والمغامرات ال***** والأحداث الغريبة في بعض الأحيان، وقد كان ينتظر الأوامر ويتحراها في كل حين، أضف إلى ذلك أن قوة هاب تزداد أكثر فأكثر وحلمه المفجع قد تكرر كثيرا، وقد لاحظت"لمياء" ذلك، معتقدة أن الأيام التي قضاها في الإعتقال هي السبب في كل هذا الفزع في الليل.

يتلقى هاب إتصالا هاتفيا من مكتب زعيم الحكومة يخبره أن إجازته قد انتهت وأن عليه مباشرة عمله وأن غدا سيكون هناك اجتماع طارئ في مجلس الحكومة ويجب أن يكون موجودا.


في الصباح لبس هاب وانطلق بموكب مشدد من الحراسة إلى مجلس الحكومة لحضور الإجتماع، كان الإجتماع لتشكيل حكومة وزراء جديدة في القريب العاجل ويجب التحضير لها، كما أن هاب سيكون أحد وزرائها.

هذا وأن هاب قد اجتمع بعدة شخصيات في الدولة وكلف بعمل جولة لمراقبة أحوال الناس وتقديم متطلباتهم وحاجياتهم في تقرير مفصل إلى رئيس الحكومة في القريب العاجل وقبل تشكيل الحكومة الجديدة وقد باشر هاب بتنفيذ الأوامر حسب تكليفه.

بداء هاب بجولته حيث تضمنت زيارة الملاجأ في البلاد وكان أولها ذلك الملجأ الذي قطن به أول دخوله للبلاد، وفي أثناء زيارتة كان باستقباله صاحبة الملجأ وقد اجتمع بها في الطابق الثالث لمدة ساعة كاملة ليغادر بعد ذلك ومظاهر السرور تعم على وجهه فقد تلقى أوامر من الزعيم المعارض عن طريق صاحبة الملجأ.

في ذلك الحين يتلقى هاب أيضا خبرا سارا ألا وهو أن "لمياء" حامل منه في أشهرها الأولى وقد بارك له الجميع من الوزراء ورجال الأعمال بهذا الحمل وقدوم مولود جديد له.

تتشكل الوزارة الجديدة حيث شغل هاب وزيرة النقل والمواصلات بطلب منه، وقد مرت الأشهر الأولى من استلامه الوزارة بسلام ولم تصل إلى هذه اللحظة أي أوامر من الزعيم المعارض، هذا وأن هاب بدأ يشعر بأن زعيم الحكومة ليس هو الرجل المطلوب، اذ رأى به أوصافا رائعة فهو قائد مقدام ذو حنكة وعقل يخاف على مصلحة شعبه ويراعي حاجاتهم ومتطلباتهم، مكتبه مفتوح دائما يدرس مشاكل الشعب بوعي ويحاول حلها، حريص جدا يتمتع بمحبة كبيرة من الشعب والناس والمجتمع الدولي، فقد عرفه العالم أجمع بأمانته ورعاية مصالح شعبه.

تلد "لمياء" مولودا جميل لكنه لا يشبة بقية الأبناء، هذا وإن هاب كان يمضي بقية وقته في العمل قليل الإهتمام بعائلته وقد لاحظت "لمياء" هذا الشيء فقد تغير في نظرها كثيرا، كما أن قوته أصبحت تزداد أكثر وأكثر فهو لا ينام إلا قليلا فقد كان يمضي وقته في الليل خارج البيت وكأنه يبحث عن شيء ما، أضافة إلى ذلك كثرة الأحلام المفزعة والكوابيس وعدم مبالاته بعائلته كل هذا وأكثر كانت تشعر به "لمياء".

إلى هذا الوقت لم يتصل الزعيم المعارض بهاب ولم تصل لهاب أي أوامر، لحين حضرت صاحبة الملجأ إلى مكتبه وذلك لتطلب منه أن يقوم بإجراء التوسيعات لشارع الملجأ، وأن يحضر للإطلاع بشخصه.

بالفعل قام هاب بالذهاب إلى الملجأ حيث اجتمع بالزعيم المعارض في الطابق الثالث وأخبره بما يجب عليه فعله الأن حيث أمر هاب بأن يصدر أمرا بإجراء توسيعات وتعديلات على طريق أخر ألا وهو الطريق الذي يحظى بمرور موكب رئيس الوزراء دائما حيث سيقوم طفل من أطفال الملجأ واسمه "الحبيب" البالغ من العمر 15 عاما والمدرب عسكريا وفكريا بوضع ثلاث قنابل تحت الطريق بتشكيل حرف (v) باللغة الإنجليزية، وأن هاب سيقوم بتوفير الحماية له ومساعدته أيضا في وضع تلك القنابل. حيث أن هذه القنابل سيتم تفجيرها في وقت محدد وحين مرور موكب الزعيم الحاكم وبذلك سيتم القضاء على الرجل الذي أتعب تفكير هاب طوال تلك الأشهر التي مرت.

وافق هاب بفوره وقام بالتنفيذ كما أمر وقد قدم خطة توسيع الطريق وتمت الإجرائات كما خطط لها حيث وضع طفل الملجأ المكلف بوضع القنابل بمساعدة من هاب. لكن بقي تنفيذ التفجير معلقا لحين أن تأتي الأوامر من الزعيم المعارض.

بعد مرور أكثر من شهر على وضع القنابل تحت الطريق يقدم هاب استقالته من الوزارة ليشغل بعد ذلك منصب أمينا عاما لمنظمة خاصة في البلاد تعنى بحقوق الإنسان، ويكلف بالذهاب إلى دولة قد قدمت الدعم لهذه المنظمة وعلى وجة الخصوص دعما لملاجأ الأطفال في البلاد. حيث ذهب هو ومجموعة من أطفال الملجأ ذاته لإحضار هذا الدعم.



لم تكن فترة ذهابه كبيرة اذ انها لم تتجاوز اليومين وبعلم من الزعيم الحاكم وموافقة من جميع الأحزاب والمنظمات الموجودة في البلاد برغم تخوف الحكومة من ذلك كون أن الدولة الداعمة لهم عرف عنها عالميا مخالفتها للمواثيق والإتفاقيات العالمية وتمردها الكبير وتصنيعها للمواد النووية الخطيرة والتي تهدد أمن العالم. كما أن هذا الدعم آتى للملاجأ عن طريق الزعيم الذي يهتم بالحالات الإنسانة في البلاد على حد ادعائه، فالبلاد التي قدمت هذا الدعم هي التي تساعد على دعم منظمة الزعيم المعارض بوصفه أحد مواليه.

اتي هذا الدعم وسلم لخزينة الدولة لتوزيعه فيما بعد على ملاجئ الأطفال في البلاد، ولكن ما خفي أن هذا الدعم حضر بصحبته مادة خطيرة وهي: (الفسفور الأبيض) تم إدخالها بحقائب الأطفال المرافقين لهاب إلى البلاد. حيث لم يجرى أي تفتيش لهم في المطار كونهم برفقة هاب المسؤول والذي يملك حصانة ديبلوماسية، وقد تم تسليم الحقائب جميعها إلى الزعيم المعارض. دون علم الزعيم الحاكم أو الحكومة بكل هذا.

و"الفسفور الأبيض" مادة نصف شفافة شبيهة بالشمع، عديمة اللون تميل إلى اللون الأصفر وتتميز برائحة لاذعة شبيهة برائحة الثوم ، ويبقى "الفسفور الأبيض" مضيئا في الظلام ويتميز النوع المستعمل في الأغراض العسكرية بشدة نشاطه كيمائيا وعند تعرضه للأوكسجين يلتهب ويتأكسد بشكل سريع جدا، ويولد هذا التفاعل الكيميائي حرارة إلى أن ينفجر العنصر ليعطي لهبا أصفر اللون وكذلك ينتج دخانا كثيفا أبيضا ويستمر هذا التفاعل الكيميائي حتى استهلاك كامل المادة أو حرمانها من الأوكسجين ويبقى 15 في المائة من "الفسفور الأبيض" في القسم المحترق من الجسم المصاب وتعود تلك البقايا للاشتعال مجددا إذا تعرضت للهواء، فالقذيفة الواحدة تقتل كل كائن حي حولها بقطر 150م، واستنشاق غازها يؤدي إلى ذوبان: القصبةالهوائية، والرئتين وهي مادة يحرم تداولها دوليا وتخضع للمراقبة والمتابعة حيث نصت المادة الثالثة من اتفاقية جنيف والتي تتعلق بأسلحة تقليدية معينة تحظر استخدام الأسلحة الحارقة ضد الأهداف المدنية كما تحد من استخدام تلك الأنواع ضد الأهداف العسكرية المتاخمة لمواقع تركز المدنيين.

يتم اجتماع عاجل من قبل الزعيم لهاب والأعضاء في الملجأ حيث سيقرر موعد تنفيذ العملية، ومن سيقوم بالتنفيذ هو هاب حيث سيتقلى الأوامر بساعةالصفر في أثناء عبور موكب الزعيم الحاكم ليقوم بالضغط على الزر الخاص لتنفجر القنابل، ولكن قبل ذلك يجب على هاب أن يذهب إلى مقر الحزب الحاكم ويضع المادة "الفسفور الأبيض" في مكتب الزعيم بالقرب من التدفئة دون أن تكون مرئية لأحد وبعدها الذهاب إلى موقع القنابل وانتظار الإشارة للتفجير.

في ذلك الحين يستيقظ اثيودار من غيبوبته حيث تفاجأ بما حصل له إذ ظن أنه نام لليلة واحدة ليغادر المشفى على الفور ودون أن يعلم الأطباء متجها إلى المطار وهو في خوف وقلق كبيرين فقد اعتقد أن هاب سيلحق به في اليوم التالي وأن الإنقلاب الفكري الرابع لم يحدث بعد، فإذا ما وصل هاب فإنه سيعثر به ويقتله لذا يجب عليه مغادرة هذه البلاد في أسرع وقت ممكن.

يصل هاب حينها إلى مبنى الحزب ليضع المادة فيجد أن مبنى الحزب قد دب بالضيوف كما أن مكتب الزعيم الحاكم قد شغله الضيوف وأنهم بانتظار وصول موكب الزعيم، لذلك لم يستطع وضع المادة وأبقاها معه ليضعها بعد تفجيره القنابل. حيث اتجه إلى موقع القنابل وانتظر إشارة الصفر.

بقي هاب في الإنتظار لمدة نصف ساعة لحين اقتراب موكب الزعيم لتعطى بعد ذلك إشارة الصفر فيقوم بتفجير الموكب والتخريب والدمار والإرهاب مما أسفر عن قتل الزعيم الحاكم وبعضا من معاونيه وإصابة الكثير بجراح متوسطة وخطيرة

في تلك اللحظة تعود قوة هاب وقدرته على أن يشتم رائحة البرفان ووالده ليتجه إلى ملجأ الأطفال والشال، فقد كان يضع أغراضه والشال في الطابق الثالث من الملجأ، وفي أثناء وصوله يضع المادة بجانب التدفئة في الطابق الأول في الملجأ والإتجاه إلى الطابق الثالث ليجد الزعيم المعارض ورفاقه وصاحبة الملجأ يجتمعون هناك، حينها نظر إلى الزعيم وقد هيئت له أنه يشبه والده ليقوم مباشرة بقتل الزعيم بطريقة وحشية وقطع يده ليسقط على الأرض مبتلا بدمائه أمام الجميع حيث لم يتحرك أحد منهم إطلاقا من مكانه، ثم ينظر له هاب من جديد فيرى أن ملامح الزعيم قد تغيرت إلا شفاهه ليقوم هاب بقطع شفاهه ولسانه ووضعها في الكيس مع بقيه من الأعضاء التي يملكها ويغادر على الفور دون أن يعرف إذ لم يستطع تحديد مكان والده اثيودار.

تفاجأ الجميع بما قام به هاب وقاموا بالإتصال بالشرطة على الفور وقبل وصول الشرطة بساعة تنكسر الزجاجة التي تحمل مادة "الفسفور الأبيض" نتيجة حرارة المدفئة لتشتعل بسرعة فتحرق الملجأ بأكمله فلم ينجى أحد على الإطلاق .

بعد هذا الإنفجار الذي تسبب به هاب وبطريقة غير مباشرة تعود له قوة الشم لكن أيضا لم يستطع تحديد اتجاه والده كون أن اثيودار كان في الطائرة متجها إلى بلد آخر .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
طفل الشيطان تحت مسمى الارهاب رواية للكاتب العربي عماد العمرات







  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
2016, للأخت, لجائزة, مصلى, المرشحة, الرواية, الشيطان, الإرهاب, رواية, نوبل

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:36 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.8 .Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd
^-^ جميع آلمشآركآت آلمكتوبهـ تعبّر عن وجهة نظر صآحبهآ ,, ولا تعبّر بأي شكلـ من آلأشكآل عن وجهة نظر إدآرة آلمنتدى ~
site_map RSS RSS2 urllist ROR J-S PHP HTML XML Sitemap info tags

Relax : Relax V. 1.0 © 2012