العودة   مجتمع ريلاكس | للحياة نكهتنا الخاصه َ > ¬ |رَ يلأكسَ العآمْ ✿ ، > الإسلامي




المواضيع الجديدة في الإسلامي


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /02-01-2013   #86 (permalink)

¬ Miss Dlз ✿
عُضوٌ بقَرآطُيسٌهَ

عُضويتيّ 49
مُشآركاتيَ 175
تـَمَ شٌـكٌريَ 27
شكَرتَ 0
حلاُليٍ 0






¬ Miss Dlз ✿ غير متواجد حالياً
افتراضي



سورة لقمان


الم (1)
( الم ) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2)
هذه الآيات آيات القرآن ذي الحكمة البالغة.
هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3)
هذه الآيات هدى ورحمة للذين أحسنوا العمل بما أنزل الله في القرآن, وما أمرهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
الذين يؤدون الصلاة كاملة في أوقاتها ويؤتون الزكاة المفروضة عليهم لمستحقيها, وهم بالبعث والجزاء في الدار الآخرة يوقنون.
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
أولئك المتصفون بالصفات السابقة على بيان مِن ربهم ونور, وأولئك هم الفائزون في الدنيا والآخرة.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6)
ومن الناس مَن يشتري لَهْو الحديث - وهو كل ما يُلهي عن طاعة الله ويصد عن مرضاته- ليضلَّ الناس عن طريق الهدى إلى طريق الهوى, ويتخذ آيات الله سخرية, أولئك لهم عذاب يهينهم ويخزيهم.



وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)
وإذا تتلى عليه آيات القرآن أعرض عن طاعة الله, وتكبَّر غير معتبر, كأنه لم يسمع شيئًا, كأَنَّ في أذنيه صممًا, ومَن هذه حاله فبشِّره -أيها الرسول- بعذاب مؤلم موجع في النار يوم القيامة.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8)
إن الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات التي أُمروا بها, أولئك لهم نعيم مقيم في الجنات.
خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)
وحياتهم في تلك الجنات حياة أبديةٌ لا تنقطع ولا تزول, وعدهم الله بذلك وعدًا حقًا. وهو سبحانه لا يُخلف وعده, وهو العزيز في أمره, الحكيم في تدبيره.



خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)
خلق الله السموات, ورفعها بغير عمد كما تشاهدونها, وألقى في الأرض جبالا ثابتة؛ لئلا تضطرب وتتحرك فتفسد حياتكم, ونشر في الأرض مختلف أنواع الدواب, وأنزلنا من السحاب مطرًا, فأنبتنا به من الأرض من كل زوج بهيج نافع حسن المنظر.
هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11)
وكل ما تشاهدونه هو خلق الله, فأروني- أيها المشركون-: ماذا خلقت آلهتكم التي تعبدونها من دون الله؟ بل المشركون في ذهاب بيِّن عن الحق والاستقامة.


وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)
ولقد أعطينا عبدًا صالحًا من عبادنا(وهو لقمان) الحكمة, وهي الفقه في الدين وسلامة العقل والإصابة في القول, وقلنا له: اشكر لله نِعَمَه عليك, ومَن يشكر لربه فإنما يعود نَفْع ذلك عليه, ومن جحد نِعَمَه فإن الله غني عن شكره, غير محتاج إليه, له الحمد والثناء على كل حال.
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)
واذكر -أيها الرسول- نصيحة لقمان لابنه حين قال له واعظًا: يا بنيَّ لا تشرك بالله فتظلم نفسك؛ إن الشرك لأعظم الكبائر وأبشعها.
وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)
وأَمَرْنا الإنسان ببرِّ والديه والإحسان إليهما, حَمَلَتْه أمه ضعفًا على ضعف, وحمله وفِطامه عن الرضاعة في مدة عامين, وقلنا له: اشكر لله, ثم اشكر لوالديك, إليَّ المرجع فأُجازي كُلا بما يستحق.



وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)
وإن جاهدك- أيها الولد المؤمن- والداك على أن تشرك بي غيري في عبادتك إياي مما ليس لك به عِلم, أو أمراك بمعصية مِن معاصي الله فلا تطعهما؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, وصاحبهما في الدنيا بالمعروف فيما لا إثم فيه, واسلك- أيها الابن المؤمن- طريق مَن تاب من ذنبه, ورجع إليَّ وآمن برسولي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إليَّ مرجعكم, فأخبركم بما كنتم تعملونه في الدنيا, وأجازي كلَّ عامل بعمله.


يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)
يا بنيَّ اعلم أن السيئة أو الحسنة إن كانت قَدْر حبة خردل- وهي المتناهية في الصغر- في باطن جبل، أو في أي مكان في السموات أو في الأرض, فإن الله يأتي بها يوم القيامة, ويحاسِب عليها. إن الله لطيف بعباده خبير بأعمالهم.
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (17)
يا بنيَّ أقم الصلاة تامة بأركانها وشروطها وواجباتها, وأْمر بالمعروف, وانْه عن المنكر بلطفٍ ولينٍ وحكمة بحسب جهدك, وتحمَّل ما يصيبك من الأذى مقابل أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر, واعلم أن هذه الوصايا مما أمر الله به من الأمور التي ينبغي الحرص عليها.
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)
ولا تُمِلْ وجهك عن الناس إذا كلَّمتهم أو كلموك؛ احتقارًا منك لهم واستكبارًا عليهم, ولا تمش في الأرض بين الناس مختالا متبخترًا, إن الله لا يحب كل متكبر متباه في نفسه وهيئته وقوله.
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)
وتواضع في مشيك, واخفض من صوتك فلا ترفعه, إن أقبح الأصوات وأبغضها لصوت الحمير المعروفة ببلادتها وأصواتها المرتفعة.



أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20)
ألم تروا- أيها الناس- أن الله ذلَّل لكم ما في السموات من الشمس والقمر والسحاب وغير ذلك, وما في الأرض من الدوابِّ والشجر والماء, وغير ذلك مما لا يحصى, وعمَّكم بنعمه الظاهرة على الأبدان والجوارح, والباطنة في العقول والقلوب, وما ادَّخره لكم مما لا تعلمونه؟ ومن الناس مَن يجادل في توحيد الله وإخلاص العبادة له بغير حجة ولا بيان, ولا كتاب مبين يبيِّن حقيقة دعواه.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21)
وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله وإفراده بالعبادة: اتبعوا ما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: بل نتبع ما كان عليه آباؤنا من الشرك وعبادة الأصنام, أيفعلون ذلك, ولو كان الشيطان يدعوهم؛ بتزيينه لهم سوء أعمالهم, وكفرهم بالله إلى عذاب النار المستعرة

وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (22)
ومن يُخْلص عبادته لله وقصده إلى ربه تعالى, وهو محسن في أقواله, متقن لأعماله, فقد أخذ بأوثق سبب موصل إلى رضوان الله وجنته. وإلى الله وحده تصير كل الأمور, فيجازي المحسن على إحسانه, والمسيء على إساءته.
وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23)
ومن كفر فلا تأسَ عليه -أيها الرسول- ولا تحزن؛ لأنك أدَّيت ما عليك من الدعوة والبلاغ, إلينا مرجعهم ومصيرهم يوم القيامة, فنخبرهم بأعمالهم الخبيثة التي عملوها في الدنيا, ثم نجازيهم عليها, إن الله عليم بما تُكِنُّه صدورهم من الكفر بالله وإيثار طاعة الشيطان.

نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)
نمتعهم في هذه الدنيا الفانية مدة قليلة, ثم يوم القيامة نُلجئهم ونسوقهم إلى عذاب فظيع, وهو عذاب جهنم.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (25)
ولئن سألت -أيها الرسول- هؤلاء المشركين بالله: مَن خلق السموات والأرض؟ ليقولُنَّ الله, فإذا قالوا ذلك فقل لهم: الحمد لله الذي أظهر الاستدلال عليكم من أنفسكم, بل أكثر هؤلاء المشركين لا ينظرون ولا يتدبرون مَن الذي له الحمد والشكر, فلذلك أشركوا معه غيره.


لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)
لله- سبحانه- كل ما في السموات والأرض ملكًا وعبيدًا وإيجادًا وتقديرًا, فلا يستحق العبادة أحد غيره. إن الله هو الغني عن خلقه, له الحمد والثناء على كل حال.
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)
ولو أن أشجار الأرض كلها بُريت أقلامًا والبحر مداد لها, ويُمَد بسبعة أبحر أخرى, وكُتِب بتلك الأقلام وذلك المداد كلمات الله, لتكسرت تلك الأقلام, ولنفِد ذلك المداد, ولم تنفد كلمات الله التامة التي لا يحيط بها أحد. إن الله عزيز في انتقامه ممن أشرك به, حكيم في تدبير خلقه. وفي الآية إثبات صفة الكلام لله- تعالى- حقيقة كما يليق بجلاله وكماله سبحانه.
مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)
ما خَلْقُكم- أيها الناس- ولا بَعْثُكم يوم القيامة في السهولة واليسر إلا كخَلْق نفس واحدة وبَعْثها, إن الله سميع لأقوالكم, بصير بأعمالكم, وسيجازيكم عليها.




أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29)
ألم تر أن الله يأخذ من ساعات الليل, فيطول النهار, ويقصر الليل, ويأخذ من ساعات النهار, فيطول الليل, ويقصر النهار, وذلَّل لكم الشمس والقمر, يجري كل منهما في مداره إلى أجل معلوم محدد, وأن الله مُطَّلع على كل أعمال الخلق مِن خير أو شر, لا يخفى عليه منها شيء؟
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)
ذلك كله من عظيم قدرتي ; لتعلموا وتقروا أن الله هو الحق في ذاته وصفاته, وأفعاله, وأن ما يدعون من دونه الباطل, وأن الله هو العلي بذاته وقَدْره وقهره فوق جميع مخلوقاته, الكبير على كل شيء, وكل ما عداه خاضع له, فهو وحده المستحق أن يُعبد دون مَن سواه.



أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31)
ألم تر- أيها المشاهد- أن السفن تجري في البحر بأمر الله نعمة منه على خلقه؛ ليريكم من عبره وحججه عليكم ما تعتبرون به؟ إن في جرْي السفن في البحر لَدلالات لكل صبَّار عن محارم الله, شكور لنعمه.
وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32)
وإذا ركب المشركون السفن وعَلَتْهم الأمواج مِن حولهم كالسحب والجبال, أصابهم الخوف والذعر من الغرق ففزعوا إلى الله، وأخلصوا دعاءهم له، فلما نجاهم إلى البر فمنهم متوسط لم يقم بشكر الله على وجه الكمال, ومنهم كافر بنعمة الله جاحد لها, وما يكفر بآياتنا وحججنا الدالة على كمال قدرتنا ووحدانيتنا إلا كل غدَّار ناقض للعهد, جحود لنعم الله عليه

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)
يا أيها الناس اتقوا ربكم, وأطيعوه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه, واحذروا يوم القيامة الذي لا يغني فيه والد عن ولده ولا مولود عن أبيه شيئًا, إن وعد الله حق لا ريب فيه, فلا تنخدعوا بالحياة الدنيا وزخرفها فتنسيكم الأخرى, ولا يخدعنكم بالله خادع من شياطين الجن والإنس.
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)
إن الله- وحده لا غيره- يعلم متى تقوم الساعة؟ وهو الذي ينزل المطر من السحاب, لا يقدر على ذلك أحد غيره, ويعلم ما في أرحام الإناث, ويعلم ما تكسبه كل نفس في غدها, وما تعلم نفس بأيِّ أرض تموت. بل الله تعالى هو المختص بعلم ذلك جميعه. إن الله عليم خبير محيط بالظواهر والبواطن, لا يخفى عليه شيء منها.
يتبع إن شاء الله








  رد مع اقتباس
قديم منذ /02-03-2013   #87 (permalink)

¬ Miss Dlз ✿
عُضوٌ بقَرآطُيسٌهَ

عُضويتيّ 49
مُشآركاتيَ 175
تـَمَ شٌـكٌريَ 27
شكَرتَ 0
حلاُليٍ 0






¬ Miss Dlз ✿ غير متواجد حالياً
افتراضي



سورة الروم

وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6)يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)
وعد الله المؤمنين وعدًا جازمًا لا يتخلف, بنصر الروم النصارى على الفرس الوثنيين, ولكن أكثر كفار "مكة" لا يعلمون أن ما وعد الله به حق, وإنما يعلمون ظواهر الدنيا وزخرفها, وهم عن أمور الآخرة وما ينفعهم فيها غافلون, لا يفكرون فيها.
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)
أولم يتفكر هؤلاء المكذِّبون برسل الله ولقائه في خلق الله إياهم, وأنه خلقهم, ولم يكونوا شيئًا. ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا لإقامة العدل والثواب والعقاب, والدلالة على توحيده وقدرته, وأجل مسمى تنتهي إليه وهو يوم القيامة؟ وإن كثيرًا من الناس بلقاء ربهم لجاحدون منكرون; جهلا منهم بأن معادهم إلى الله بعد فنائهم, وغفلةً منهم عن الآخرة.



أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9)
أولم يَسِرْ هؤلاء المكذبون بالله الغافلون عن الآخرة في الأرض سَيْرَ تأمل واعتبار, فيشاهدوا كيف كان جزاء الأمم الذين كذَّبوا برسل الله كعاد وثمود؟ وقد كانوا أقوى منهم أجسامًا, وأقدر على التمتع بالحياة حيث حرثوا الأرض وزرعوها, وبنَوْا القصور وسكنوها, فعَمَروا دنياهم أكثر مما عَمَر أهل "مكة" دنياهم, فلم تنفعهم عِمارتهم ولا طول مدتهم, وجاءتهم رسلهم بالحجج الظاهرة والبراهين الساطعة, فكذَّبوهم فأهلكهم الله, ولم يظلمهم الله بذلك الإهلاك, وإنما ظلموا أنفسهم بالشرك والعصيان.



ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10)
ثم كانت عاقبة أهل السوء من الطغاة والكفرة أسوأ العواقب وأقبحها; لتكذيبهم بالله وسخريتهم بآياته التي أنزلها على رسله.
اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11)
الله وحده هو المتفرد بإنشاء المخلوقات كلها, وهو القادر وحده على إعادتها مرة أخرى, ثم إليه يرجع جميع الخلق, فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.


وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12)
ويوم تقوم الساعة ييئس المجرمون من النجاة من العذاب, وتصيبهم الحَيْرة فتنقطع حجتهم.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13)
ولم يكن للمشركين في ذلك اليوم من آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله شفعاء, بل إنها تتبرأ منهم, ويتبرؤون منها. فالشفاعة لله وحده, ولا تُطلَب من غيره.
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14)فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15)
ويوم تقوم الساعة يفترق أهل الإيمان به وأهل الكفر, فأما المؤمنون بالله ورسوله, العاملون الصالحات فهم في الجنة, يكرَّمون ويسرُّون وينعَّمون.



وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16)
وأما الذين كفروا بالله وكذَّبوا بما جاءت به الرسل وأنكروا البعث بعد الموت, فأولئك في العذاب مقيمون; جزاء ما كذَّبوا به في الدنيا.
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17)وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)
فيا أيها المؤمنون سبِّحوا الله ونزِّهوه عن الشريك والصاحبة والولد, وَصِفوه بصفات الكمال بألسنتكم, وحقِّقوا ذلك بجوارحكم كلها حين تمسون, وحين تصبحون, ووقت العشي, ووقت الظهيرة. وله -سبحانه- الحمد والثناء في السموات والأرض وفي الليل والنهار.
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19)
يخرج الله الحي من الميت كالإنسان من النطفة والطير من البيضة, ويخرج الميت من الحي, كالنطفة من الإنسان والبيضة من الطير. ويحيي الأرض بالنبات بعد يُبْسها وجفافها, ومثل هذا الإحياء تخرجون -أيها الناس- من قبوركم أحياء للحساب والجزاء.


وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)
ومن آيات الله الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق أباكم آدم من تراب, ثم أنتم بشر تتناسلون منتشرين في الأرض, تبتغون من فضل الله.
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)
ومن آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق لأجلكم من ***كم -أيها الرجال- أزواجًا; لتطمئن نفوسكم إليها وتسكن, وجعل بين المرأة وزوجها محبة وشفقة, إن في خلق الله ذلك لآيات دالة على قدرة الله ووحدانيته لقوم يتفكرون, ويتدبرون.
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)
ومن دلائل القدرة الربانية: خَلْقُ السموات وارتفاعها بغير عمد, وخَلْقُ الأرض مع اتساعها وامتدادها, واختلافُ لغاتكم وتباينُ ألوانكم, إن في هذا لَعبرة لكل ذي علم وبصيرة.


وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23)
ومن دلائل هذه القدرة أن جعل الله النوم راحة لكم في الليل أو النهار; إذ في النوم حصول الراحة وذهاب التعب, وجعل لكم النهار تنتشرون فيه لطلب الرزق, إن في ذلك لدلائل على كمال قدرة الله ونفوذ مشيئته لقوم يسمعون المواعظ سماع تأمل وتفكر واعتبار.
وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24)
ومن دلائل قدرته سبحانه أن يريكم البرق, فتخافون من الصواعق, وتطمعون في الغيث, وينزل من السحاب مطرًا فيحيي به الأرض بعد جدبها وجفافها, إن في هذا لدليلا على كمال قدرة الله وعظيم حكمته وإحسانه لكل مَن لديه عقل يهتدي به.


وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25)
ومن آياته الدالة على قدرته قيام السماء والأرض واستقرارهما وثباتهما بأمره, فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض, ثم إذا دعاكم الله إلى البعث يوم القيامة, إذا أنتم تخرجون من القبور مسرعين.
وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26)
ولله وحده كل مَن في السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن والحيوان والنبات والجماد, كل هؤلاء منقادون لأمره خاضعون لكماله.


وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)
والله وحده الذي يبدأ الخلق من العدم ثم يعيده حيًا بعد الموت, وإعادة الخلق حيًا بعد الموت أهون على الله من ابتداء خلقهم, وكلاهما عليه هيِّن. وله سبحانه الوصف الأعلى في كل ما يوصف به, ليس كمثله شيء, وهو السميع البصير. وهو العزيز الذي لا يغالَب, الحكيم في أقواله وأفعاله, وتدبير أمور خلقه.



ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28)
ضرب الله مثلا لكم -أيها المشركون -من أنفسكم: هل لكم من عبيدكم وإمائكم مَن يشارككم في رزقكم, وترون أنكم وإياهم متساوون فيه, تخافونهم كما تخافون الأحرار الشركاء في مقاسمة أموالكم؟ إنكم لن ترضوا بذلك, فكيف ترضون بذلك في جنب الله بأن تجعلوا له شريكًا من خلقه؟ وبمثل هذا البيان نبيِّن البراهين والحجج لأصحاب العقول السليمة الذين ينتفعون بها.



بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29)
بل اتبع المشركون أهواءهم بتقليد آبائهم بغير علم, فشاركوهم في الجهل والضلالة، ولا أحد يقدر على هداية مَن أضلَّه الله بسبب تماديه في الكفر والعناد, وليس لهؤلاء مِن أنصار يُخَلِّصونهم من عذاب الله.
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30)
فأقم -أيها الرسول أنت ومن اتبعك- وجهك, واستمر على الدين الذي شرعه الله لك, وهو الإسلام الذي فطر الله الناس عليه, فبقاؤكم عليه, وتمسككم به, تمسك بفطرة الله من الإيمان بالله وحده, لا تبديل لخلق الله ودينه, فهو الطريق المستقيم الموصل إلى رضا الله رب العالمين وجنته, ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الذي أمرتك به -أيها الرسول- هو الدين الحق دون سواه.



مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)



الم (1)

وكونوا راجعين إلى الله بالتوبة وإخلاص العمل له, واتقوه بفعل الأوامر واجتناب النواهي, وأقيموا الصلاة تامة بأركانها وواجباتها وشروطها, ولا تكونوا من المشركين مع الله غيره في العبادة.


( الم ) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)



غُلِبَتِ الرُّومُ (2)فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)
غَلَبت فارسُ الرومَ في أدنى أرض "الشام" إلى "فارس", وسوف يَغْلِب الرومُ الفرسَ في مدة من الزمن, لا تزيد على عشر سنوات ولا تنقص عن ثلاث. لله سبحانه وتعالى الأمر كله قبل انتصار الروم وبعده, ويوم ينتصر الروم على الفرس يفرح المؤمنون بنصر الله للروم على الفرس. والله سبحانه وتعالى ينصر من يشاء, ويخذل من يشاء, وهو العزيز الذي لا يغالَب, الرحيم بمن شاء من خلقه. وقد تحقق ذلك فغَلَبَت الرومُ الفرسَ بعد سبع سنين, وفرح المسلمون بذلك; لكون الروم أهل كتاب وإن حرَّفوه.



ولا تكونوا من المشركين وأهل الأهواء والبدع الذين بدَّلوا دينهم, وغيَّروه, فأخذوا بعضه, وتركوا بعضه; تبعًا لأهوائهم, فصاروا فرقًا وأحزابًا, يتشيعون لرؤسائهم وأحزابهم وآرائهم, يعين بعضهم بعضًا على الباطل, كل حزب بما لديهم فرحون مسرورون, يحكمون لأنفسهم بأنهم على الحق وغيرهم على الباطل.



وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33)

وإذا أصاب الناسَ شدة وبلاء دعَوا ربهم مخلصين له أن يكشف عنهم الضر, فإذا رحمهم وكشف عنهم ضرهم إذا فريق منهم يعودون إلى الشرك مرة أخرى, فيعبدون مع الله غيره.

لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34)

ليكفروا بما آتيناهم ومننَّا به عليهم من كشف الضر, وزوال الشدة عنهم, فتمتعوا -أيها المشركون- بالرخاء والسَّعَة في هذه الدنيا, فسوف تعلمون ما تلقونه من العذاب والعقاب.




أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35)

أم أنزلنا على هؤلاء المشركين برهانًا ساطعًا وكتابًا قاطعًا, ينطق بصحة شركهم وكفرهم بالله وآياته.

وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36)

وإذا أذقنا الناس منا نعمة مِن صحة وعافية ورخاء, فرحوا بذلك فرح بطرٍ وأَشَرٍ, لا فرح شكر, وإن يصبهم مرض وفقر وخوف وضيق بسبب ذنوبهم ومعاصيهم, إذا هم يَيْئَسون من زوال ذلك, وهذا طبيعة أكثر الناس في الرخاء والشدة.




أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37)

أولم يعلموا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء امتحانًا, هل يشكر أو يكفر؟ ويضيِّقه على من يشاء اختبارًا, هل يصبر أو يجزع؟ إن في ذلك التوسيع والتضييق لآيات لقوم يؤمنون بالله ويعرفون حكمة الله ورحمته.

فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38)

فأعط -أيها المؤمن- قريبك حقه من الصلة والصدقة وسائر أعمال البر, وأعط الفقير والمحتاج الذي انقطع به السبيل من الزكاة والصدقة, ذلك الإعطاء خير للذين يريدون بعملهم وجه الله, والذين يعملون هذه الأعمال وغيرها من أعمال الخير, أولئك هم الفائزون بثواب الله الناجون مِن عقابه.




وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)

وما أعطيتم قرضًا من المال بقصد الربا, وطلب زيادة ذلك القرض; ليزيد وينمو في أموال الناس, فلا يزيد عند الله, بل يمحقه ويبطله. وما أعطيتم من زكاة وصدقة للمستحقين ابتغاء مرضاة الله وطلبًا لثوابه, فهذا هو الذي يقبله الله ويضاعفه لكم أضعافًا كثيرة.

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)

الله وحده هو الذي خلقكم -أيها الناس- ثم رزقكم في هذه الحياة, ثم يميتكم بانتهاء آجالكم, ثم يبعثكم من القبور أحياء للحساب والجزاء, هل من شركائكم مَن يفعل من ذلكم من شيء؟ تنزَّه الله وتقدَّس عن شرك هؤلاء المشركين به.

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)

ظهر الفساد في البر والبحر, كالجدب وقلة الأمطار وكثرة الأمراض والأوبئة; وذلك بسبب المعاصي التي يقترفها البشر; ليصيبهم بعقوبة بعض أعمالهم التي عملوها في الدنيا; كي يتوبوا إلى الله -سبحانه- ويرجعوا عن المعاصي, فتصلح أحوالهم, وتستقيم أمورهم.



قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)

قل -أيها الرسول- للمكذبين بما جئت به: سيروا في أنحاء الأرض سير اعتبار وتأمل, فانظروا كيف كان عاقبة الأمم السابقة المكذبة كقوم نوح, وعاد وثمود, تجدوا عاقبتهم شر العواقب ومآلهم شر مآل؟ فقد كان أكثرهم مشركين بالله.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43)

فوجِّه وجهك -أيها الرسول- نحو الدين المستقيم, وهو الإسلام, منفذًا أوامره مجتنبًا نواهيه, واستمسك به من قبل مجيء يوم القيامة, فإذا جاء ذلك اليوم الذي لا يقدر أحد على ردِّه تفرقت الخلائق أشتاتًا متفاوتين; ليُروا أعمالهم.



مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)

من كفر فعليه عقوبة كفره, وهي خلوده في النار, ومن آمن وعمل صالحًا فلأنفسهم يهيئون منازل الجنة; بسبب تمسكهم بطاعة ربهم.

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)

ليجزي الله الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات من فضله وإحسانه. إنه لا يحب الكافرين لسخطه وغضبه عليهم.

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)

ومن آيات الله الدالة على أنه الإله الحق وحده لا شريك له وعلى عظيم قدرته إرسال الرياح أمام المطر مبشرات بإثارتها للسحاب, فتستبشر بذلك النفوس; وليذيقكم من رحمته بإنزاله المطر الذي تحيا به البلاد والعباد, ولتجري السفن في البحر بأمر الله ومشيئته, ولتبتغوا من فضله بالتجارة وغيرها; فعل الله ذلك من أجل أن تشكروا له نعمه وتعبدوه وحده.




وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)

ولقد أرسلنا مِن قبلك -أيها الرسول- رسلا إلى قومهم مبشرين ومنذرين يدعونهم إلى التوحيد, ويحذرونهم من الشرك, فجاؤوهم بالمعجزات والبراهين الساطعة, فكفر أكثرهم بربهم, فانتقمنا من الذين اكتسبوا السيئات منهم, فأهلكناهم, ونصرنا المؤمنين أتباع الرسل, وكذلك نفعل بالمكذبين بك إن استمروا على تكذيبك, ولم يؤمنوا.




اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48)

الله -سبحانه- هو الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا مثقلا بالماء, فينشره الله في السماء كيف يشاء, ويجعله قطعًا متفرقة, فترى المطر يخرج من بين السحاب, فإذا ساقه الله إلى عباده إذا هم يستبشرون ويفرحون بأن الله صرف ذلك إليهم.



وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49)

وإنْ كانوا من قبل نزول المطر لفي يأس وقنوط; بسبب احتباسه عنهم.

فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50)

فانظر -أيها المشاهد- نظر تأمل وتدبر إلى آثار المطر في النبات والزروع والشجر, كيف يحيي به الله الأرض بعد موتها, فينبتها ويعشبها؟ إن الذي قَدَر على إحياء هذه الأرض لمحيي الموتى, وهو على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.




وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51)

ولئن أرسلنا على زروعهم ونباتهم ريحًا مفسدة, فرأوا نباتهم قد فسد بتلك الريح, فصار من بعد خضرته مصفرًا, لمكثوا من بعد رؤيتهم له يكفرون بالله ويجحدون نعمه.

فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52)

فإنك -أيها الرسول- لا تسمع من مات قلبه, أو سدَّ أذنه عن سماع الحق, فلا تجزع ولا تحزن على عدم إيمان هؤلاء المشركين بك, فإنهم كالصم والموتى لا يسمعون, ولا يشعرون ولو كانوا حاضرين, فكيف إذا كانوا غائبين عنك مدبرين؟




وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53)

وما أنت -أيها الرسول- بمرشد مَن أعماه الله عن طريق الهدى, ما تُسمع سماع انتفاع إلا مَن يؤمن بآياتنا, فهم خاضعون ممتثلون لأمر الله.

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)

الله تعالى هو الذي خلقكم من ماء ضعيف مهين, وهو النطفة, ثم جعل من بعد ضعف الطفولة قوة الرجولة, ثم جعل من بعد هذه القوة ضعف الكبر والهرم, يخلق الله ما يشاء من الضعف والقوة, وهو العليم بخلقه, القادر على كل شيء.



وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55)

ويوم تجيء القيامة ويبعث الله الخلق من قبورهم يقسم المشركون ما مكثوا في الدنيا غير فترة قصيرة من الزمن, كذبوا في قسمهم, كما كانوا يكذبون في الدنيا, وينكرون الحق الذي جاءت به الرسل.

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56)

وقال الذين أوتوا العلم والإيمان بالله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين: لقد مكثتم فيما كتب الله مما سبق في علمه من يوم خُلقتم إلى أن بُعثتم, فهذا يوم البعث, ولكنكم كنتم لا تعلمون, فأنكرتموه في الدنيا, وكذَّبتم به.



فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57)

فيوم القيامة لا ينفع الظالمين ما يقدمونه من أعذار, ولا يُطلب منهم إرضاء الله تعالى بالتوبة والطاعة, بل يُعاقبون بسيئاتهم ومعاصيهم.

وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُبْطِلُونَ (58)

ولقد بينَّا للناس في هذا القرآن مِن كل مثل من أجل إقامة الحجة عليهم وإثبات وحدانية الله جل وعلا ، ولئن جئتهم -أيها الرسول- بأي حجة تدل على صدقك ليقولَنَّ الذين كفروا بك: ما أنتم -أيها الرسول وأتباعك- إلا مبطلون فيما تجيئوننا به من الأمور




كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (59)

ومثل ذلك الختم يختم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به -أيها الرسول- من عند الله من هذه العبر والآيات البينات.

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60)

فاصبر -أيها الرسول- على ما ينالك مِن أذى قومك وتكذيبهم لك, إن ما وعدك الله به من نصر وتمكين وثواب حق لا شك فيه, ولا يستفزَّنَّك عن دينك الذين لا يوقنون بالميعاد, ولا يصدِّقون بالبعث والجزاء.


يتبع إن شاء الله








  رد مع اقتباس
قديم منذ /02-03-2013   #88 (permalink)

¬ Miss Dlз ✿
عُضوٌ بقَرآطُيسٌهَ

عُضويتيّ 49
مُشآركاتيَ 175
تـَمَ شٌـكٌريَ 27
شكَرتَ 0
حلاُليٍ 0






¬ Miss Dlз ✿ غير متواجد حالياً
افتراضي



سورة العنكبوت

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4)
بل أظنَّ الذين يعملون المعاصي مِن شرك وغيره أن يعجزونا, فيفوتونا بأنفسهم فلا نقدر عليهم؟ بئس حكمهم الذي يحكمون به.
مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5)
من كان يرجو لقاء الله, ويطمع في ثوابه, فإن أجل الله الذي أجَّله لبعث خلقه للجزاء والعقاب لآتٍ قريبًا, وهو السميع للأقوال, العليم بالأفعال.
وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)
ومن جاهد في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى, وجاهد نفسه بحملها على الطاعة, فإنما يجاهد لنفسه؛ لأنه يفعل ذلك ابتغاء الثواب على جهاده. إن الله لغني عن أعمال جميع خلقه, له الملك والخلق والأمر.


وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7)
والذين صدَّقوا الله ورسوله, وعملوا الصالحات لنمحونَّ عنهم خطيئاتهم, ولنثيبنَّهم على أعمالهم الصالحة أحسن ما كانوا يعملون.
وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)
ووصينا الإنسان بوالديه أن يبرهما, ويحسن إليهما بالقول والعمل, وإن جاهداك -أيها الإنسان- على أن تشرك معي في عبادتي, فلا تمتثل أمرهما. ويلحق بطلب الإشراك بالله, سائر المعاصي, فلا طاعة لمخلوق كائنًا من كان في معصية الله سبحانه, كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إليَّ مصيركم يوم القيامة, فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من صالح الأعمال وسيئها, وأجازيكم عليها.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9)
والذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات من الأعمال, لندخلنهم الجنة في جملة عباد الله الصالحين.


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10)
ومن الناس من يقول: آمنا بالله, فإذا آذاه المشركون جزع من عذابهم وأذاهم, كما يجزع من عذاب الله ولا يصبر على الأذيَّة منه, فارتدَّ عن إيمانه, ولئن جاء نصر من ربك -أيها الرسول- لأهل الإيمان به ليقولَنَّ هؤلاء المرتدون عن إيمانهم: إنَّا كنا معكم -أيها المؤمنون- ننصركم على أعدائكم, أوليس الله بأعلم من كل أحد بما في صدور جميع خلقه؟


وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11)
وليعلمنَّ الله علمًا ظاهرًا للخلق الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، وليعلمنَّ المنافقين; ليميز كل فريق من الآخر.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12)
وقال الذين جحدوا وحدانية الله من قريش, ولم يؤمنوا بوعيد الله ووعده, للذين صدَّقوا الله منهم وعملوا بشرعه: اتركوا دين محمد, واتبعوا ديننا, فإنا نتحمل آثام خطاياكم, وليسوا بحاملين من آثامهم من شيء, إنهم لكاذبون فيما قالوا.



وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13)
وليحملَنَّ هؤلاء المشركون أوزار أنفسهم وآثامها, وأوزار مَن أضلوا وصدُّوا عن سبيل الله مع أوزارهم, دون أن ينقص من أوزار تابعيهم شيء, وليُسألُنَّ يوم القيامة عما كانوا يختلقونه من الأكاذيب.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14)
ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا, يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك, فلم يستجيبوا له, فأهلكهم الله بالطوفان, وهم ظالمون لأنفسهم بكفرهم وطغيانهم.



فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (15)
فأنجينا نوحًا ومَن تبعه ممن كان معه في السفينة, وجعلنا ذلك عبرة وعظة للعالمين.
وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16)
واذكر -أيها الرسول- إبراهيم عليه السلام حين دعا قومه: أن أخلصوا العبادة لله وحده, واتقوا سخطه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه, ذلكم خير لكم, إن كنتم تعلمون ما هو خير لكم مما هو شر لكم.


إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17)
ما تعبدون -أيها القوم- مِن دون الله إلا أصنامًا, وتفترون كذبًا بتسميتكم إياها آلهة, إنَّ أوثانكم التي تعبدونها من دون الله لا تقدر أن ترزقكم شيئًا, فالتمسوا عند الله الرزق لا من عند أوثانكم, وأخلصوا له العبادة والشكر على رزقه إياكم, إلى الله تُردُّون من بعد مماتكم, فيجازيكم على ما عملتم.



وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (18)
وإن تكذِّبوا - أيها الناس- رسولنا محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما دعاكم إليه من عبادة الله وحده, فقد كذبت جماعات من قبلكم رسلها فيما دعتهم إليه من الحق, فحل بهم سخط الله, وما على الرَّسول محمد إلا أن يبلغكم عن الله رسالته البلاغ الواضح, وقد فَعَل.
أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19)
أولم يعلم هؤلاء كيف ينشئ الله الخلق من العدم, ثم يعيده من بعد فنائه, كما بدأه أول مرة خلقًا جديدًا, لا يتعذر عليه ذلك؟ إن ذلك على الله يسير, كما كان يسيرًا عليه إنشاؤه.


قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)
قل -أيها الرسول- لمنكري البعث بعد الممات: سيروا في الأرض, فانظروا كيف أنشأ الله الخلق, ولم يتعذر عليه إنشاؤه مبتدَأً؟ فكذلك لا يتعذر عليه إعادة إنشائه النشأة الآخرة. إن الله على كل شيء قدير, لا يعجزه شيء أراده.
يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21)
يعذب مَن يشاء مِن خلقه على ما أسلف مِن جرمه في أيام حياته, ويرحم مَن يشاء منهم ممن تاب وآمن وعمل صالحًا, وإليه ترجعون, فيجازيكم بما عملتم.


وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (22)
وما أنتم -أيها الناس- بمعجزي الله في الأرض ولا في السماء إن عصيتموه, وما كان لكم من دون الله مِن وليٍّ يلي أموركم, ولا نصير ينصركم من الله إن أراد بكم سوءًا.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23)
والذين جحدوا حُجج الله وأنكروا أدلته, ولقاءه يوم القيامة, أولئك ليس لهم مطمع في رحمتي لَمَّا عاينوا ما أُعِدَّ لهم من العذاب, وأولئك لهم عذاب مؤلم موجع.



فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24)

فلم يكن جواب قوم إبراهيم له إلا أن قال بعضهم لبعض: اقتلوه أو حرِّقوه بالنار, فألقوه فيها, فأنجاه الله منها, وجعلها عليه بردًا وسلامًا, إن في إنجائنا لإبراهيم من النار لأدلة وحججًا لقوم يصدِّقون الله ويعملون بشرعه.







الم (1)
الم سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)
أظَنَّ الناس إذ قالوا: آمنا, أن الله يتركهم بلا ابتلاء ولا اختبار؟
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)
ولقد فتنَّا الذين من قبلهم من الأمم واختبرناهم, ممن أرسلنا إليهم رسلنا, فليعلمنَّ الله علمًا ظاهرًا للخلق صدق الصادقين في إيمانهم، وكذب الكاذبين؛ ليميز كلَّ فريق من الآخر.




وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25)


وقال إبراهيم لقومه: يا قوم إنما عبدتم من دون الله آلهة باطلة, اتخذتموها مودة بينكم في الحياة الدنيا, تتحابون على عبادتها, وتتوادون على خدمتها, ثم يوم القيامة, يتبرأ بعضكم من بعض, ويلعن بعضكم بعضًا, ومصيركم جميعًا النار, وليس لكم ناصر يمنعكم من دخولها.




فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26)

فصدَّق لوطٌ إبراهيمَ وتبع ملته. وقال إبراهيم: إني تارك دار قومي إلى الأرض المباركة وهي "الشام"، إن الله هو العزيز الذي لا يُغَالَب, الحكيم في تدبيره.

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)

ووهبنا له إسحاق ولدًا, ويعقوب من بعده وَلَدَ وَلَدٍ, وجعلنا في ذريته الأنبياء والكتب, وأعطيناه ثواب بلائه فينا, في الدنيا الذكر الحسن والولد الصالح, وإنه في الآخرة لمن الصالحين.




وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28)أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29)

واذكر -أيها الرسول- لوطًا حين قال لقومه: إنكم لتأتون الفعلة القبيحة, ما تَقَدَّمكم بفعلها أحد من العالمين, أإنكم لتأتون الرجال في أدبارهم, وتقطعون على المسافرين طرقهم بفعلكم الخبيث, وتأتون في مجالسكم الأعمال المنكرة كالسخرية من الناس, وحذف المارة, وإيذائهم بما لا يليق من الأقوال والأفعال؟ وفي هذا إعلام بأنه لا يجوز أن يجتمع الناس على المنكر مما نهى الله ورسوله عنه. فلم يكن جواب قوم لوط له إلا أن قالوا: جئنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين فيما تقول, والمنجزين لما تَعِد.

قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30)

قال: رب انصرني على القوم المفسدين بإنزال العذاب عليهم; حيث ابتدعوا الفاحشة وأصرُّوا عليها, فاستجاب الله دعاءه.



وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31)

ولما جاءت الملائكة إبراهيم بالخبر السارِّ من الله بإسحاق, ومن وراء إسحاق ولده يعقوب, قالت الملائكة لإبراهيم: إنا مهلكو أهل قرية قوم لوط, وهي "سدوم"; إنَّ أهلها كانوا ظالمي أنفسهم بمعصيتهم لله.

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32)

قال إبراهيم للملائكة: إنَّ فيها لوطًا وليس من الظالمين, فقالت الملائكة له: نحن أعلم بمن فيها, لننجِّينَّه وأهله من الهلاك الذي سينزل بأهل قريته إلا امرأته كانت من الباقين الهالكين.



وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33)

ولما جاءت الملائكة لوطًا ساءه ذلك; لأنه ظنهم ضيوفًا من البشر, وحزن بسبب وجودهم; لعلمه خبث فعل قومه, وقالوا له: لا تَخَفْ علينا لن يصل إلينا قومك, ولا تحزن مما أخبرناك مِن أنا مهلكوهم, إنَّا منجُّوك من العذاب النازل بقومك ومنجُّو أهلك معك إلا أمرأتك, فإنها هالكة فيمن يهلك مِن قومها.




إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34)

إنا منزلون على أهل هذه القرية عذابًا من السماء; بسبب معصيتهم لله وارتكابهم الفاحشة.

وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35)

ولقد أبقينا مِن ديار قوم لوط آثارًا بينة لقوم يعقلون العبر, فينتفعون بها.



وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36)

وأرسلنا إلى "مدين" أخاهم شعيبًا, فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده, وأخلصوا له العبادة, ما لكم من إله غيره, وارجوا بعبادتكم جزاء اليوم الآخر, ولا تكثروا في الأرض الفساد والمعاصي, ولا تقيموا عليها, ولكن توبوا إلى الله منها وأنيبوا.

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37)

فكذَّب أهل "مدين" شعيبًا فيما جاءهم به عن الله من الرسالة, فأخذتهم الزلزلة الشديدة, فأصبحوا في دارهم صَرْعى هالكين.

وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)

وأهلكنا عادًا وثمود, وقد تبين لكم من مساكنهم خَرابُها وخلاؤها منهم, وحلول نقمتنا بهم جميعًا, وحسَّن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة, فصدَّهم عن سبيل الله وعن طريق الإيمان به وبرسله, وكانوا مستبصرين في كفرهم وضلالهم, معجبين به, يحسبون أنهم على هدى وصواب, بينما هم في الضلال غارقون.



وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39)

وأهلكنا قارون وفرعون وهامان, ولقد جاءهم جميعًا موسى بالأدلة الواضحة, فتعاظموا في الأرض, واستكبروا فيها, ولم يكونوا ليفوتوننا, بل كنا مقتدرين عليهم.

فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)

فأخذنا كلا من هؤلاء المذكورين بعذابنا بسبب ذنبه: فمنهم الذين أرسلنا عليهم حجارة من طين منضود, وهم قوم لوط, ومنهم مَن أخذته الصيحة, وهم قوم صالح وقوم شعيب, ومنهم مَن خسفنا به الأرض كقارون, ومنهم مَن أغرقنا, وهم قومُ نوح وفرعونُ وقومُه, ولم يكن الله ليهلك هؤلاء بذنوب غيرهم, فيظلمهم بإهلاكه إياهم بغير استحقاق, ولكنهم كانوا أنفسهم يظلمون بتنعمهم في نِعَم ربهم وعبادتهم غيره.




مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)

مثل الذين جعلوا الأوثان من دون الله أولياء يرجون نصرها, كمثل العنكبوت التي عملت بيتًا لنفسها ليحفظها, فلم يُغن عنها شيئًا عند حاجتها إليه, فكذلك هؤلاء المشركون لم يُغْن عنهم أولياؤهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئًا, وإن أضعف البيوت لَبيت العنكبوت, لو كانوا يعلمون ذلك ما اتخذوهم أولياء, فهم لا ينفعونهم ولا يضرونهم.

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42)

إن الله يعلم ما يشركون به من الأنداد, وأنها ليست بشيء في الحقيقة, بل هي مجرد أسماء سَمَّوها, لا تنفع ولا تضر. وهو العزيز في انتقامه ممن كفر به, الحكيم في تدبيره وصنعه.



وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ (43)

وهذه الأمثال نضربها للناس; لينتفعوا بها ويتعلموا منها, وما يعقلها إلا العالمون بالله وآياته وشرعه.

خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44)

خلق الله السموات والأرض بالعدل والقسط, إن في خلقه ذلك لدلالة عظيمة على قدرته، وتفرده بالإلهية، وخَصَّ المؤمنين؛ لأنهم الذين ينتفعون بذلك.

اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)

اتل ما أُنزل إليك من هذا القرآن, واعمل به, وأدِّ الصلاة بحدودها, إن المحافظة على الصلاة تنهى صاحبها عن الوقوع في المعاصي والمنكرات; وذلك لأن المقيم لها, المتمم لأركانها وشروطها, يستنير قلبه, ويزداد إيمانه, وتقوى رغبته في الخير, وتقل أو تنعدم رغبته في الشر, ولَذكر الله في الصلاة وغيرها أعظم وأكبر وأفضل من كل شيء. والله يعلم ما تصنعون مِن خيرٍ وشر, فيجازيكم على ذلك أكمل الجزاء وأوفاه.




وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)

ولا تجادلوا -أيها المؤمنون- اليهودَ والنصارى إلا بالأسلوب الحسن, والقول الجميل, والدعوة إلى الحق بأيسر طريق موصل لذلك, إلا الذين حادوا عن وجه الحق وعاندوا وكابروا وأعلنوا الحرب عليكم فجالدوهم بالسيف حتى يؤمنوا, أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون, وقولوا: آمنا بالقرآن الذي أُنزل إلينا, وآمنا بالتوراة والإنجيل اللذَيْن أُنزلا إليكم, وإلهنا وإلهكم واحد لا شريك له في ألوهيته, ولا في ربوبيته, ولا في أسمائه وصفاته, ونحن له خاضعون متذللون بالطاعة فيما أمرنا به, ونهانا عنه.

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ (47)

وكما أنزلنا -أيها الرسول- الكتب على مَن قبلك من الرسل, أنزلنا إليك هذا الكتاب المصدق للكتب السابقة, فالذين آتيناهم الكتاب من بني إسرائيل فعرفوه حق معرفته يؤمنون بالقرآن, ومِن هؤلاء العرب من قريش وغيرهم مَن يؤمن به, ولا ينكر القرآن أو يتشكك في دلائله وبراهينه البينة إلا الكافرون الذين دَأْبُهم الجحود والعناد.



وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)

من معجزاتك البينة -أيها الرسول- أنك لم تقرأ كتابًا ولم تكتب حروفًا بيمينك قبل نزول القرآن عليك, وهم يعرفون ذلك, ولو كنت قارئًا أو كاتبًا من قبل أن يوحى إليك لشك في ذلك المبطلون, وقالوا: تعلَّمه من الكتب السابقة أو استنسخه منها.

بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ (49)

بل القرآن آيات بينات واضحة في الدلالة على الحق يحفظه العلماء, وما يكذِّب بآياتنا ويردها إلا الظالمون المعاندون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه.


وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)

وقال المشركون: هلا أُنزل على محمد دلائل وحجج من ربه نشاهدها كناقة صالح, وعصا موسى! قل لهم: إن أمر هذه الآيات لله, إن شاء أنزلها, وإن شاء منعها, وإنما أنا لكم نذير أحذركم شدة بأسه وعقابه, مبيِّن طريق الحق من الباطل.

أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)

أولم يكف هؤلاء المشركين في علمهم بصدقك -أيها الرسول- أنَّا أنزلنا عليك القرآن يتلى عليهم؟ إن في هذا القرآن لَرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة, وذكرى يتذكرون بما فيه من عبرة وعظة.

قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52)

قل: كفى بالله بيني وبينكم شاهدًا على صدقي أني رسوله, وعلى تكذيبكم لي وردكم الحق الذي جئتُ به من عند الله, يعلم ما في السموات والأرض, فلا يخفى عليه شيء فيهما. والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله -مع هذه الدلائل الواضحة- أولئك هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.



وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (53)

ويستعجلك -أيها الرسول- هؤلاء المشركون من قومك بالعذاب استهزاء, ولولا أن الله جعل لعذابهم في الدنيا وقتًا لا يتقدم ولا يتأخر, لجاءهم العذاب حين طلبوه, وليأتينهم فجأة, وهم لا يشعرون به ولا يُحِسُّون.

يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54)

يستعجلونك بالعذاب في الدنيا, وهو آتيهم لا محالة إمَّا في الدنيا وإما في الآخرة, وإن عذاب جهنم في الآخرة لمحيط بهم, لا مفرَّ لهم منه.



يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)

يوم القيامة يغشى الكافرين عذاب جهنم من فوق رؤوسهم, ومِن تحت أقدامهم, فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم, ويقول الله لهم حينئذ: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا: من الإشراك بالله, وارتكاب الجرائم والآثام.

يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56)

يا عبادي الذين آمنوا إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان وعبادة الله وحده, فهاجِروا إلى أرض الله الواسعة, وأخلصوا العبادة لي وحدي.



كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57)

كل نفس حية ذائقة الموت, ثم إلينا ترجعون للحساب والجزاء.

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58)

والذين صدَّقوا بالله ورسوله وعملوا ما أُمروا به من الصالحات لننزلنَّهم من الجنة غرفًا عالية تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا, نِعْمَ جزاء العاملين بطاعة الله هذه الغرف في جنات النعيم.

الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59)

إن تلك الجنات المذكورة للمؤمنين الذين صبروا على عبادة الله, وتمسكوا بدينهم, وعلى الله يعتمدون في أرزاقهم وجهاد أعدائهم.

وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60)

وكم من دابة لا تدَّخر غذاءها لغد, كما يفعل ابن آدم, فالله سبحانه وتعالى يرزقها كما يرزقكم, وهو السميع لأقوالكم, العليم بأفعالكم وخطرات قلوبكم.




وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61)

ولئن سألت -أيها الرسول- المشركين: من الذي خلق السموات والأرض على هذا النظام البديع, وذلَّل الشمس والقمر؟ ليقولُنَّ: خلقهن الله وحده, فكيف يصرفون عن الإيمان بالله خالق كل شيء ومدبره, ويعبدون معه غيره؟ فاعجب من إفكهم وكذبهم!!

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62)

الله سبحانه وتعالى يوسع الرزق لمن يشاء من خلقه, ويضيق على آخرين منهم; لعلمه بما يصلح عباده, إن الله بكل شيء من أحوالكم وأموركم عليم, لا يخفى عليه شيء.



وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (63)

ولئن سألت -أيها الرسول- المشركين: مَنِ الذي نزَّل من السحاب ماء فأنبت به الأرض من بعد جفافها؟ ليقولُنَّ لك معترفين: الله وحده هو الذي نزَّل ذلك, قل: الحمد لله الذي أظهر حجتك عليهم, بل أكثرهم لا يعقلون ما ينفعهم ولا ما يضرهم, ولو عَقَلوا ما أشركوا مع الله غيره.

وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)

وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب, تلهو بها القلوب وتلعب بها الأبدان; بسبب ما فيها من الزينة والشهوات, ثم تزول سريعًا, وإن الدار الآخرة لهي الحياة الحقيقية الدائمة التي لا موت فيها, لو كان الناس يعلمون ذلك لما آثروا دار الفناء على دار البقاء.



فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65)لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66)

فإذا ركب الكفار السفن في البحر, وخافوا الغرق, وحَّدوا الله, وأخلصوا له في الدعاء حال شدتهم, فلما نجَّاهم إلى البر, وزالت عنهم الشدة, عادوا إلى شركهم, إنهم بهذا يتناقضون, يوحِّدون الله ساعة الشدة, ويشركون به ساعة الرخاء. وشِرْكهم بعد نعمتنا عليهم بالنجاة من البحر; ليكونَ عاقبته الكفر بما أنعمنا عليهم في أنفسهم وأموالهم, وليكملوا تمتعهم في هذه الدنيا, فسوف يعلمون فساد عملهم, وما أعدَّه الله لهم من عذاب أليم يوم القيامة. وفي ذلك تهديد ووعيد لهم.



أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67)

أولم يشاهد كفار "مكة" أن الله جعل "مكة" لهم حَرَمًا آمنًا يأمن فيه أهله على أنفسهم وأموالهم, والناسُ مِن حولهم خارج الحرم, يُتَخَطَّفون غير آمنين؟ أفبالشرك يؤمنون, وبنعمة الله التي خصَّهم بها يكفرون, فلا يعبدونه وحده دون سواه؟



وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68)

لا أحد أشد ظلمًا ممن كذَب على الله, فنسب ما هو عليه من الضلال والباطل إلى الله, أو كذَّب بالحق الذي بعث الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، إن في النار لمسكنًا لمن كفر بالله, وجحد توحيده وكذَّب رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم.



وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)

والمؤمنون الذين جاهدوا أعداء الله, والنفس, والشيطان, وصبروا على الفتن والأذى في سبيل الله, سيهديهم الله سبل الخير, ويثبتهم على الصراط المستقيم, ومَن هذه صفته فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره. وإن الله سبحانه وتعالى لمع مَن أحسن مِن خَلْقِه بالنصرة والتأييد والحفظ والهداية .


يتبع إن شاء الله







  رد مع اقتباس
قديم منذ /02-03-2013   #89 (permalink)

¬ Miss Dlз ✿
عُضوٌ بقَرآطُيسٌهَ

عُضويتيّ 49
مُشآركاتيَ 175
تـَمَ شٌـكٌريَ 27
شكَرتَ 0
حلاُليٍ 0






¬ Miss Dlз ✿ غير متواجد حالياً
افتراضي


سورة القصص


طسم (1)
(طسم) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)
هذه آيات القرآن الذي أنزلته إليك -أيها الرسول-, مبينًا لكل ما يحتاج إليه العباد في دنياهم وأخراهم.
نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)
نقصُّ عليك من خبر موسى وفرعون بالصدق لقوم يؤمنون بهذا القرآن, ويصدِّقون بأنه من عند الله, ويعملون بهديه.
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)
إن فرعون تكبر وطغى في الأرض, وجعل أهلها طوائف متفرقة, يستضعف طائفة منهم, وهم بنو إسرائيل, يذبِّح أبناءهم, ويستعبد نساءهم, إنه كان من المفسدين في الأرض.


وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)
ونريد أن نتفضل على الذين استضعفهم فرعون في الأرض, ونجعلهم قادةً في الخير ودعاةً إليه, ونجعلهم يرثون الأرض بعد هلاك فرعون وقومه.
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)
ونمكن لهم في الأرض, ونجعل فرعون وهامان وجنودهما يرون من هذه الطائفة المستضعفة ما كانوا يخافونه مِن هلاكهم وذهاب ملكهم, وإخراجهم من ديارهم على يد مولود من بني إسرائيل.



وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)
وألْهمنا أم موسى حين ولدته وخشيت عليه أن يذبحه فرعون كما يذبح أبناء بني إسرائيل: أن أرضعيه مطمئنة, فإذا خشيت أن يُعرف أمره فضعيه في صندوق وألقيه في النيل, دون خوف من فرعون وقومه أن يقتلوه, ودون حزن على فراقه, إنا رادُّو ولدك إليك وباعثوه رسولا. فوضعته في صندوق وألقته في النيل, فعثر عليه أعوان فرعون وأخذوه, فكانت عاقبةُ ذلك أن جعله الله لهم عدوًّا وحزنًا, فكان إهلاكُهم على يده. إن فرعون وهامان وأعوانهما كانوا آثمين مشركين.


وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9)
وقالت امرأة فرعون لفرعون: هذا الطفل سيكون مصدر سرور لي ولك, لا تقتلوه; فقد نصيب منه خيرًا أو نتخذه ولدا, وفرعون وآله لا يدركون أن هلاكهم على يديه.
وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)
وأصبح فؤاد أم موسى خاليًا من كل شيء في الدنيا إلا من همِّ موسى وذكره, وقاربت أن تُظهِر أنه ابنها لولا أن ثبتناها, فصبرت ولم تُبْدِ به; لتكون من المؤمنين بوعد الله الموقنين به.

وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11)
وقالت أم موسى لأخته حين ألقته في اليم: اتَّبِعي أثر موسى كيف يُصْنَع به؟ فتتبعت أثره فأبصرته عن بُعْد, وقوم فرعون لا يعرفون أنها أخته, وأنها تتبع خبره.
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12)
وحرمنا على موسى المراضع أن يرتضع منهن مِن قبل أن نردَّه إلى أمه, فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يحسنون تربيته وإرضاعه, وهم مشفقون عليه؟ فأجابوها إلى ذلك.


فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13)
فرددنا موسى إلى أمه; كي تقرَّ عينها به, ووفينا إليها بالوعد; إذ رجع إليها سليمًا مِن قتل فرعون, ولا تحزنَ على فراقه, ولتعلم أن وعد الله حق فيما وعدها مِن ردِّه إليها وجعله من المرسلين. إن الله لا يخلف وعده, ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أن وعد الله حق.


وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)
ولما بلغ موسى أشد قوته وتكامل عقله, آتيناه حكمًا وعلمًا يعرف بهما الأحكام الشرعية, وكما جزينا موسى على طاعته وإحسانه نجزي مَن أحسن مِن عبادنا.


وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)
ودخل موسى المدينة مستخفيًا وقت غفلة أهلها, فوجد فيها رجلين يقتتلان: أحدهما من قوم موسى من بني إسرائيل, والآخر من قوم فرعون, فطلب الذي من قوم موسى النصر على الذي من عدوه, فضربه موسى بجُمْع كفِّه فمات, قال موسى حين قتله: هذا من نزغ الشيطان, بأن هيَّج غضبي, حتى ضربت هذا فهلك, إن الشيطان عدو لابن آدم, مضل عن سبيل الرشاد, ظاهر العداوة. وهذا العمل من موسى عليه السلام كان
قبل النبوة.
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)
قال موسى: رب إني ظلمت نفسي بقتل النفس التي لم تأمرني بقتلها فاغفر لي ذلك الذنب, فغفر الله له. إن الله غفور لذنوب عباده, رحيم بهم.
قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17)
قال موسى: ربِّ بما أنعمت عليَّ بالتوبة والمغفرة والنعم الكثيرة, فلن أكون معينًا لأحد على معصيته وإجرامه.
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)
فأصبح موسى في مدينة فرعون خائفًا يترقب الأخبار مما يتحدث به الناس في أمره وأمر قتيله, فرأى صاحبه بالأمس يقاتل قبطيًا آخر, ويطلب منه النصر, قال له موسى: إنك لكثير الغَواية ظاهر الضلال


فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)
فلما أن أراد موسى أن يبطش بالقبطي, قال: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس؟ ما تريد إلا أن تكون طاغية في الأرض, وما تريد أن تكون من الذين يصلحون بين الناس.


وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20)
وجاء رجل من آخر المدينة يسعى, قال يا موسى: إن أشراف قوم فرعون يتآمرون بقتلك, ويتشاورون, فاخرج من هذه المدينة, إني لك من الناصحين المشفقين عليك.



فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)
فخرج موسى من مدينة فرعون خائفًا ينتظر الطلب أن يدركه فيأخذه, فدعا الله أن ينقذه من القوم الظالمين.
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22)
ولما قصد موسى بلاد "مدين" وخرج من سلطان فرعون قال: عسى ربي أن يرشدني خير طريق إلى "مدين".


وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)
ولما وصل ماء "مدين" وجد عليه جماعة من الناس يسقون مواشيهم, ووجد من دون تلك الجماعة امرأتين منفردتين عن الناس, تحبسان غنمهما عن الماء; لعجزهما وضعفهما عن مزاحمة الرجال, وتنتظران حتى تَصْدُر عنه مواشي الناس, ثم تسقيان ماشيتهما, فلما رآهما موسى -عليه السلام- رقَّ لهما, ثم قال: ما شأنكما؟ قالتا: لا نستطيع مزاحمة الرجال, ولا نسقي حتى يسقي الناس, وأبونا شيخ كبير, لا يستطيع أن يسقي ماشيته؛ لضعفه وكبره.


فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)
فسقى موسى للمرأتين ماشيتهما, ثم تولى إلى ظل شجرة فاستظلَّ بها وقال: رب إني مفتقر إلى ما تسوقه إليَّ مِن أي خير كان, كالطعام. وكان قد اشتد به الجوع.
فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)
فجاءت إحدى المرأتين اللتين سقى لهما تسير إليه في حياء, قالت: إن أبي يدعوك ليعطيك أجر ما سقيت لنا, فمضى موسى معها إلى أبيها, فلما جاء أباها وقصَّ عليه قصصه مع فرعون وقومه, قال له أبوها: لا تَخَفْ نجوت من القوم الظالمين, وهم فرعون وقومه؛ إذ لا سلطان لهم بأرضنا.


قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26)
قالت إحدى المرأتين لأبيها: يا أبت استأجره ليرعى لك ماشيتك; إنَّ خير من تستأجره للرعي القوي على حفظ ماشيتك, الأمين الذي لا تخاف خيانته فيما تأمنه عليه.


قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)
قال الشيخ لموسى: إني أريد أن أزوِّجك إحدى ابنتيَّ هاتين, على أن تكون أجيرًا لي في رعي ماشيتي ثماني سنين مقابل ذلك, فإن أكملت عشر سنين فإحسان من عندك, وما أريد أن أشق عليك بجعلها عشرا, ستجدني إن شاء الله من الصالحين في حسن الصحبة والوفاء بما قلتُ.
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)
قال موسى: ذلك الذي قلته قائم بيني وبينك, أي المدتين أَقْضِها في العمل أكن قد وفيتك, فلا أُطالَب بزيادة عليها, والله على ما نقول وكيل حافظ يراقبنا, ويعلم ما تعاقدنا عليه.


فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)
فلما وفى نبي الله موسى -عليه السلام- صاحبه المدة عشر سنين, وهي أكمل المدتين, وسار بأهله إلى "مصر" أبصر من جانب الطور نارًا, قال موسى لأهله: تمهلوا وانتظروا إني أبصرت نارًا; لعلي آتيكم منها بنبأ, أو آتيكم بشعلة من النار لعلكم تستدفئون بها.



فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ (31)
فلما أتى موسى النار ناداه الله من جانب الوادي الأيمن لموسى في البقعة المباركة من جانب الشجرة: أن يا موسى إني أنا الله رب العالين, وأن ألق عصاك, فألقاها موسى, فصارت حية تسعى, فلما رآها موسى تضطرب كأنها جانٌّ من الحيات ولَّى هاربًا منها, ولم يلتفت من الخوف, فناداه ربه: يا موسى أقبل إليَّ ولا تَخَفْ; إنك من الآمنين من كل مكروه.



اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32)
أدخل يدك في فتحة قميصك وأخرجها تخرج بيضاء كالثلج مِن غير مرض ولا برص, واضمم إليك يدك لتأمن من الخوف, فهاتان اللتان أريتُكَهما يا موسى: مِن تحوُّل العصا حية, وجَعْلِ يدك بيضاء تلمع من غير مرض ولا برص, آيتان من ربك إلى فرعون وأشراف قومه. إن فرعون وملأه كانوا قومًا كافرين.


قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)
قال موسى: ربِّ إني قتلت من قوم فرعون نفسًا فأخاف أن يقتلوني, وأخي هارون هو أفصح مني نطقًا, فأرسله معي عونًا يصدقني, ويبين لهم عني ما أخاطبهم به, إني أخاف أن يكذبوني في قولي لهم: إني أُرسلت إليهم

قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)
قال الله لموسى: سنقوِّيك بأخيك, ونجعل لكما حجة على فرعون وقومه فلا يصلون إليكما بسوء. أنتما -يا موسى وهارون- ومَن آمن بكما المنتصرون على فرعون وقومه; بسبب آياتنا وما دلَّتْ عليه من الحق.

فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ (36)
فلما جاء موسى فرعون وملأه بأدلتنا وحججنا شاهدة بحقيقة ما جاء به موسى مِن عند ربه, قالوا لموسى: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته كذبًا وباطلا وما سمعنا بهذا الذي تدعونا إليه في أسلافنا الذين مضوا قبلنا.



وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37)
وقال موسى لفرعون: ربي أعلم بالمحقِّ منَّا الذي جاء بالرشاد من عنده, ومَن الذي له العقبى المحمودة في الدار الآخرة, إنه لا يظفر الظالمون بمطلوبهم.



وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)
وقال فرعون لأشراف قومه: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري يستحق العبادة, فأشْعِل لي -يا هامان- على الطين نارًا, حتى يشتد, وابْنِ لي بناء عاليًا; لعلي أنظر إلى معبود موسى الذي يعبده ويدعو إلى عبادته, وإني لأظنه فيما يقول من الكاذبين.



وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39)
واستعلى فرعون وجنوده في أرض "مصر" بغير الحق عن تصديق موسى واتِّباعه على ما دعاهم إليه, وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون.
فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40)
فأخذنا فرعون وجنوده, فألقيناهم جميعًا في البحر وأغرقناهم, فانظر -أيها الرسول- كيف كان نهاية هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم, فكفروا بربهم؟



وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ (41)
وجعلنا فرعون وقومه قادة إلى النار, يَقتدي بهم أهل الكفر والفسق, ويوم القيامة لا ينصرون; وذلك بسبب كفرهم وتكذيبهم رسول ربهم وإصرارهم على ذلك.
وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)
وأتبعنا فرعون وقومه في هذه الدنيا خزيًا وغضبًا منا عليهم, ويوم القيامة هم من المستقذرة أفعالهم, المبعدين عن رحمة الله.


وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)
ولقد آتينا موسى التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت من قبله -كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب "مدين"- فيها بصائر لبني إسرائيل, يبصرون بها ما ينفعهم وما يضرهم, وفيها رحمة لمن عمل بها منهم; لعلهم يتذكرون نِعَم الله عليهم, فيشكروه عليها, ولا يكفروه.



وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44)
وما كنت -أيها الرسول- بجانب الجبل الغربي من موسى إذ كلَّفناه أَمْرنا ونَهْينا, وما كنت من الشاهدين لذلك, حتى يقال: إنه وصل إليك من هذا الطريق.



وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45)
ولكنا خلقنا أممًا من بعد موسى, فمكثوا زمنًا طويلا فنسوا عهد الله, وتركوا أمره, وما كنت مقيمًا في أهل "مدين" تقرأ عليهم كتابنا, فتعرف قصتهم وتخبر بها, ولكن ذلك الخبر الذي جئت به عن موسى وحي, وشاهد على رسالتك.



وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)
وما كنت -أيها الرسول- بجانب جبل الطور حين نادينا موسى, ولم تشهد شيئًا من ذلك فتعلمه, ولكنا أرسلناك رحمة من ربك; لتنذر قومًا لم يأتهم مِن قبلك من نذير; لعلهم يتذكرون الخير الذي جئتَ به فيفعلوه, والشرَّ الذي نَهيتَ عنه فيجتنبوه.



وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)
ولولا أن ينزل بهؤلاء الكفار عذاب بسبب كفرهم بربهم, فيقولوا: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من قبل, فنتبع آياتك المنزلة في كتابك, ونكون من المؤمنين بك.


فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48)
فلما جاء محمد هؤلاء القوم نذيرًا لهم, قالوا: هلا أوتي هذا الذي أُرسل إلينا مثل ما أوتي موسى من معجزات حسية, وكتابٍ نزل جملة واحدة! قل -أيها الرسول- لهم: أولم يكفر اليهود بما أوتي موسى من قبل؟ قالوا: في التوراة والقرآن سحران تعاونا في سحرهما, وقالوا: نحن بكل منهما كافرون.



قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49)
قل -أيها الرسول- لهؤلاء: فأتوا بكتاب من عند الله هو أقوم من التوراة والقرآن أتبعه, إن كنتم صادقين في زعمكم.
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)
فإن لم يستجيبوا لك بالإتيان بالكتاب, ولم تبق لهم حجة, فاعلم أنما يتبعون أهواءهم, ولا أحد أكثر ضلالا ممن اتبع هواه بغير هدى من الله. إن الله لا يوفِّق لإصابة الحق القوم الظالمين الذين خالفوا أمر الله, وتجاوزوا حدوده.


وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)
ولقد فصَّلنا وبيَّنا القرآن رحمة بقومك أيها الرسول؛ لعلهم يتذكرون, فيتعظوا به.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52)
الذين آتيناهم الكتاب من قبل القرآن -وهم اليهود والنصارى الذين لم يبدِّلوا- يؤمنون بالقرآن وبمحمد عليه الصلاة والسلام.
وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53)
وإذا يتلى هذا القرآن على الذين آتيناهم الكتاب, قالوا: صدَّقنا به, وعملنا بما فيه, إنه الحق من عند ربنا, إنا كنا من قبل نزوله مسلمين موحدين، فدين الله واحد, وهو الإسلام.



أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)
هؤلاء الذين تقدَّمَتْ صفتُهم يُؤتَوْن ثواب عملهم مرتين: على الإيمان بكتابهم, وعلى إيمانهم بالقرآن بما صبروا, ومن أوصافهم أنهم يدفعون السيئة بالحسنة, ومما رزقناهم ينفقون في سبيل الخير والبر. وإذا سمع هؤلاء القوم الباطل من القول لم يُصْغوا إليه, وقالوا: لنا أعمالنا لا نحيد عنها, ولكم أعمالكم ووزرها عليكم, فنحن لا نشغل أنفسنا بالرد عليكم, ولا تسمعون منَّا إلا الخير, ولا نخاطبهم بمقتضى جهلكم; لأننا لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها. وهذا من خير ما يقوله الدعاة إلى الله.
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)
إنك -أيها الرسول- لا تهدي هداية توفيق مَن أحببت هدايته, ولكن ذلك بيد الله يهدي مَن يشاء أن يهديه للإيمان, ويوفقه إليه, وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه.


وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)
وقال كفار "مكة": إن نتبع الحق الذي جئتنا به, ونتبرأ من الأولياء والآلهة, نُتَخَطَّفْ من أرضنا بالقتل والأسر ونهب الأموال, أولم نجعلهم متمكنين في بلد آمن, حرَّمنا على الناس سفك الدماء فيه, يُجلب إليه ثمرات كل شيء رزقًا مِن لدنا؟ ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قَدْر هذه النعم عليهم, فيشكروا مَن أنعم عليهم بها ويطيعوه.


وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58)
وكثير من أهل القرى أهلكناهم حين أَلْهَتهم معيشتهم عن الإيمان بالرسل, فكفروا وطغَوْا, فتلك مساكنهم لم تُسكن من بعدهم إلا قليلا منها, وكنا نحن الوارثين للعباد نميتهم, ثم يرجعون إلينا, فنجازيهم بأعمالهم.



وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)
وما كان ربك -أيها الرسول- مهلك القرى التي حول "مكة" في زمانك حتى يبعث في أمها -وهي "مكة"- رسولا يتلو عليهم آياتنا, وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون لأنفسهم بكفرهم بالله ومعصيته, فهم بذلك مستحقون للعقوبة والنكال.



وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ (60)
وما أُعطيتم -أيها الناس- من شيء من الأموال والأولاد, فإنما هو متاع تتمتعون به في هذه الحياة الدنيا, وزينة يُتزيَّن بها, وما عند الله لأهل طاعته وولايته خير وأبقى; لأنه دائم لا نفاد له, أفلا تكون لكم عقول -أيها القوم- تتدبرون بها, فتعرفون الخير من الشر؟



أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)
أفمَن وعدناه مِن خَلْقنا على طاعته إيانا الجنة, فهو ملاقٍ ما وُعِدَ, وصائر إليه, كمن متعناه في الحياة الدنيا متاعها, فتمتع به, وآثر لذة عاجلة على آجلة, ثم هو يوم القيامة من المحضرين للحساب والجزاء؟ لا يستوي الفريقان, فليختر العاقل لنفسه ما هو أولى بالاختيار, وهو طاعة الله وابتغاء مرضاته.



وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62)
ويوم ينادي الله عز وجل الذين أشركوا به الأولياء والأوثان في الدنيا, فيقول لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون أنهم لي شركاء؟
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63)
قال الذين حقَّ عليهم العذاب, وهم دعاة الكفر: ربنا هؤلاء الذين أضللنا, أضللناهم كما ضللنا, تبرأنا إليك مِن ولايتهم ونصرتهم, ما كانوا إيانا يعبدون, وإنما كانوا يعبدون الشياطين.



وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64)
وقيل للمشركين بالله يوم القيامة: ادعوا شركاءكم الذين كنتم تعبدونهم من دون الله, فدعوهم فلم يستجيبوا لهم, وعاينوا العذاب, لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين للحق لما عُذِّبوا.
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65)
ويوم ينادي الله هؤلاء المشركين, فيقول: بأيِّ شيء أجبتم المرسلين فيما أرسلناهم به إليكم؟



فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ (66)
فخفيت عليهم الحجج, فلم يَدْروا ما يحتجون به, فهم لا يسأل بعضهم بعضًا عما يحتجون به سؤال انتفاع.
فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67)
فأما من تاب من المشركين, وأخلص لله العبادة, وعمل بما أمره الله به ورسوله, فهو من الفائزين في الدارين.
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)
وربك يخلق ما يشاء أن يخلقه, ويصطفي لولايته مَن يشاء من خلقه, وليس لأحد من الأمر والاختيار شيء, وإنما ذلك لله وحده سبحانه, تعالى وتنزَّه عن شركهم.



وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69)
وربك يعلم ما تُخفي صدور خلقه وما يظهرونه.
وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)
وهو الله الذي لا معبود بحق سواه, له الثناء الجميل والشكر في الدنيا والآخرة, وله الحكم بين خلقه, وإليه تُرَدُّون بعد مماتكم للحساب والجزاء.


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (71)
قل -أيها الرسول-: أخبروني -أيها الناس- إن جعل الله عليكم الليل دائمًا إلى يوم القيامة, مَن إله غير الله يأتيكم بضياء تستضيئون به؟ أفلا تسمعون سماع فهم وقَبول؟
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (72)
قل لهم: أخبروني إن جعل الله عليكم النهار دائمًا إلى يوم القيامة, مَن إله غير الله يأتيكم بليل تستقرون وتهدؤون فيه؟ أفلا ترون بأبصاركم اختلاف الليل والنهار؟



وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73)
ومن رحمته بكم -أيها الناس- أن جعل لكم الليل والنهار فخالف بينهما, فجعل هذا الليل ظلامًا؛ لتستقروا فيه وترتاح أبدانكم, وجعل لكم النهار ضياءً; لتطلبوا فيه معايشكم, ولتشكروا له على إنعامه عليكم بذلك.


وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74)
ويوم ينادي الله هؤلاء المشركين, فيقول لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شركائي؟
وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)
ونزعنا من كل أمة من الأمم المكذبة شهيدا -وهو نبيُّهم-, يشهد على ما جرى في الدنيا من شركهم وتكذيبهم لرسلهم, فقلنا لتلك الأمم التي كذبت رسلها وما جاءت به من عند الله: هاتوا حجتكم على ما أشركتم مع الله, فعلموا حينئذ أن الحجة البالغة لله عليهم, وأن الحق لله, وذهب عنهم ما كانوا يفترون على ربهم, فلم ينفعهم ذلك, بل ضرَّهم وأوردهم نار جهنم.



إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)
إن قارون كان من قوم موسى -عليه الصلاة والسلام- فتجاوز حدَّه في الكِبْر والتجبر عليهم, وآتينا قارون من كنوز الأموال شيئًا عظيمًا, حتى إنَّ مفاتحه لَيثقل حملها على العدد الكثير من الأقوياء, إذ قال له قومه: لا تبطر فرحًا بما أنت فيه من المال, إن الله لا يحب مِن خلقه البَطِرين الذين لا يشكرون لله تعالى ما أعطاهم.



وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)
والتمس فيما أتاك الله من الأموال ثواب الدار الآخرة, بالعمل فيها بطاعة الله في الدنيا, ولا تترك حظك من الدنيا, بأن تتمتع فيها بالحلال دون إسراف, وأحسن إلى الناس بالصدقة, كما أحسن الله إليك بهذه الأموال الكثيرة, ولا تلتمس ما حرَّم الله عليك من البغي على قومك, إن الله لا يحب المفسدين.



قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)
قال قارون لقومه الذين وعظوه: إنما أُعطيتُ هذه الكنوز بما عندي من العلم والقدرة, أولم يعلم قارون أن الله قد أهلك مِن قبله من الأمم مَن هو أشد منه بطشًا, وأكثر جمعًا للأموال؟ ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون; لعلم الله تعالى بها, إنما يُسْألون سؤال توبيخ وتقرير, ويعاقبهم الله على ما علمه منهم.


فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)
فخرج قارون على قومه في زينته, مريدًا بذلك إظهار عظمته وكثرة أمواله, وحين رآه الذين يريدون زينة الحياة الدنيا قالوا: يا ليت لنا مثل ما أُعطي قارون من المال والزينة والجاه, إن قارون لذو نصيب عظيم من الدنيا.
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ (80)
وقال الذين أوتوا العلم بالله وشرعه وعرفوا حقائق الأمور للذين قالوا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون: ويلكم اتقوا الله وأطيعوه, ثوابُ الله لمن آمن به وبرسله, وعمل الأعمال الصالحة, خيرٌ مما أوتي قارون, ولا يَتَقَبَّل هذه النصيحة ويوفَّق إليها ويعمل بها إلا مَن يجاهد نفسه, ويصبر على طاعة ربه, ويجتنب معاصيه.


فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)
فخسفنا بقارون وبداره الأرض, فما كان له من جند ينصرونه من دون الله, وما كان ممتنعًا من الله إذا أحلَّ به نقمته.
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)
وصار الذين تمنوا حاله بالأمس يقولون متوجعين ومعتبرين وخائفين من وقوع العذاب بهم: إن الله يوسِّع الرزق لمن يشاء من عباده, ويضيِّق على مَن يشاء منهم, لولا أن الله منَّ علينا فلم يعاقبنا على ما قلنا لَخسف بنا كما فعل بقارون, ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون, لا في الدنيا ولا في الآخرة؟

الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)
تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرًا عن الحق في الأرض ولا فسادًا فيها. والعاقبة المحمودة -وهي الجنة- لمن اتقى عذاب الله وعمل الطاعات, وترك المحرمات.
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)
من جاء يوم القيامة بإخلاص التوحيد لله وبالأعمال الصالحة وَفْق ما شرع الله, فله أجر عظيم خير من ذلك, وذلك الخير هو الجنة والنعيم الدائم, ومن جاء بالأعمال السيئة, فلا يُجْزى الذين عملوا السيئات على أعمالهم إلا بما كانوا يعملون.


إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85)
إن الذي أنزل عليك -أيها الرسول- القرآن, وفرض عليك تبليغه والتمسُّك به, لمرجعك إلى الموضع الذي خرجت منه, وهو "مكة", قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: ربي أعلم مَن جاء بالهدى, ومن هو في ذهابٍ واضحٍ عن الحق.



وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86)
وما كنت -أيها الرسول- تؤمِّل نزول القرآن عليك, لكن الله سبحانه وتعالى رحمك فأنزله عليك, فاشكر لله تعالى على نِعَمه, ولا تكوننَّ عونًا لأهل الشرك والضلال.


وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87)
ولا يصرفَنَّك هؤلاء المشركون عن تبليغ آيات ربك وحججه, بعد أن أنزلها إليك, وبلِّغ رسالة ربك, ولا تكونن من المشركين في شيء.
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
ولا تعبد مع الله معبودًا أخر; فلا معبود بحق إلا الله, كل شيء هالك وفانٍ إلا وجهه, له الحكم, وإليه ترجعون من بعد موتكم للحساب والجزاء. وفي هذه الآية إثبات صفة الوجه لله تعالى كما يليق بكماله وعظمة جلاله.

يتبع إن شاء الله







  رد مع اقتباس
قديم منذ /02-04-2013   #90 (permalink)

ʂმოოէ
* ؤشمَ ريلإكِسسَ .. !

عُضويتيّ 75
مُشآركاتيَ 5,488
تـَمَ شٌـكٌريَ 744
شكَرتَ 1178
حلاُليٍ 0



الأوسمة المركز الاول 



ʂმოოէ غير متواجد حالياً
افتراضي


هنيئا لك الاجر
جزااك الله الجنة ...
جعلها الله شاهدا لك لا عليك ...







  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الميسر, الله, والتفسير, كتاب

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:59 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.8 .Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd
^-^ جميع آلمشآركآت آلمكتوبهـ تعبّر عن وجهة نظر صآحبهآ ,, ولا تعبّر بأي شكلـ من آلأشكآل عن وجهة نظر إدآرة آلمنتدى ~
site_map RSS RSS2 urllist ROR J-S PHP HTML XML Sitemap info tags

Relax : Relax V. 1.0 © 2012